الرئيسيةالتربية والتعليمالانتخابات المغربية. تواجه الصحة والتعليم تحديات تتعلق بالميزانية وكفاءة الإنفاق

الانتخابات المغربية. تواجه الصحة والتعليم تحديات تتعلق بالميزانية وكفاءة الإنفاق

في خضم الحملات الانتخابية للانتخابات البرلمانية المغربية المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر المقبل، برزت مخصصات الصحة والتعليم كأحد أبرز مجالات التنافس السياسي، في ظل تصاعد المطالب الاجتماعية والاحتجاجات من قبل حركة Gen Z 212، التي تدعو إلى إصلاح جذري للمصالح العمومية وتقليص الفوارق بين مناطق المملكة.

وفي إطار تلبية هذه المطالب، قامت الحكومة المنتهية ولايتها بزيادة المخصصات المخصصة للقطاعين إلى مستويات غير مسبوقة، بلغت نحو 140 مليار درهم (نحو 15.3 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي.

ويتنافس سبعة وعشرون حزبا سياسيا على أصوات نحو 15.8 مليون ناخب من خلال برامج تضع قضايا التنمية على رأس جدول أعمالها، لكن المؤشرات الدولية تكشف عن فجوة بين الإنفاق والنتائج المحققة. ويحتل المغرب المركز 122 عالميا في مؤشر التعليم ضمن تقرير مؤشر الرخاء العالمي 2026، والمركز 120 في مؤشر التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، فيما يحتل المركز 94 عالميا في مؤشر جودة الرعاية الصحية.

وسوف تختبر هذه المؤشرات الوعود الانتخابية، ليس فقط لزيادة الإنفاق، بل وأيضاً لاستخدام الموارد بشكل أكثر كفاءة وتحسين جودة الخدمات.

المجال الطبي: المعركة من أجل السيادة والعدالة الطبية

واستجابة للزيادة السريعة في عدد المستفيدين بعد التأمين الصحي الشامل، شهد قطاع الصحة في المغرب توسعا كبيرا في برامج الاستثمار والتنمية لتعزيز قدرة بنيته التحتية على تلبية الطلب المتزايد على الخدمات، حيث ارتفعت الميزانية المخصصة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى 42.4 مليار درهم في موازنة 2026.

وركز الإنفاق الجديد على تحديث المعدات وتوسيع الشبكة الصحية، بما في ذلك إعادة تأهيل مئات مراكز الرعاية الصحية الأولية، وإطلاق برنامج وطني لتحديث المستشفيات المجتمعية، وتسريع استكمال مراكز المستشفيات الجامعية الجديدة. بالتوازي مع ذلك، بالإضافة إلى تطوير نظام رقمي للملفات الطبية المتكاملة، بدأت الحكومة في إنشاء “مجموعات صحة المجتمع” كآلية لتحقيق اللامركزية في صنع القرار الصحي وإدارة الموارد، ودعم صناعة الأدوية في البلاد، وتحفيز الاستثمار لخفض أسعار الأدوية الأساسية.

وتكشف الخطط الانتخابية للحزبين للفترة من 2026 إلى 2031 عن اختلافات واضحة في أولويات الإنفاق على الصحة. ويراهن المجلس الوطني للمستقلين على مواصلة تعزيز المخصصات الحالية، وتعهد برفع كثافة العاملين في مجال الصحة إلى 45 لكل 10000 شخص بحلول عام 2030 وحشد الأموال لاستكمال إعادة بناء 1600 مركز للرعاية الصحية الأولية.

ويركز حزب الأصالة والمعاصرة على ضمان استدامة صناديق التأمين الصحي اعتبارا من عام 2027 من خلال اعتماد بروتوكولات علاجية للحد من هدر الموارد المالية وضمان استمرارية خدمات جناح الولادة.

ويراهن حزب الاستقلال على تعزيز المالية المحلية المستقلة من خلال تخصيص ميزانيات ذات أولوية للمنظمات الصحية المحلية، بهدف خفض حصة الإنفاق الأسري المباشر على العلاج والأدوية إلى أقل من 30%.

من ناحية أخرى، يقترح حزب العدالة والتنمية المعارض وضع حدود قصوى ملزمة للتكاليف الطبية التي تتحملها الأسر بشكل مباشر وتقييد التمويل من مخطط AmoSolidarity للمستشفيات العامة وتقييد التخصيص للقطاع الخاص.

ويدعو حزب الاتحاد الشعبي الاشتراكي إلى توجيه ما لا يقل عن 15% من التمويل الصحي إلى المناطق الريفية والجبلية، بينما يدعو الحزب التقدمي الاشتراكي إلى تنظيم هوامش الربح في سلاسل التوزيع، فضلاً عن إعادة هيكلة الإنفاق على الأدوية من خلال الحوافز الضريبية والجمركية لدعم التصنيع المحلي.

“أرقام مكتوبة على الورق”

وقدم علي لطفي، الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطية ورئيس الشبكة المغربية للحق في الصحة، قراءة نقدية لهذه الزيادات، قائلا إن زيادة المخصصات المخصصة للقطاع من 19 مليار درهم في 2021 إلى المستهدف 47 مليار درهم العام المقبل تظل مجرد “رقم ورقي” ما لم تنعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات التي يتلقاها المواطنون.

وأوضح لطفي لـ«الشرق» أن الزيادة في الإنفاق اتجهت بشكل كبير نحو مشاريع البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك إنشاء مجمع مستشفى ابن سينا ​​الجامعي، دون معالجة المشاكل اليومية التي يواجهها المرضى، وأبرزها قوائم الانتظار التي يمكن أن تمتد لأشهر، ونقص بعض الأدوية الأساسية في المستشفيات العامة، ما دفع بعض المرضى، ومن بينهم المستفيدون من «عم التضامن»، إلى الاعتماد على القطاع الخاص.

وقال لطفي إن النظام الصحي لا يزال يدار بما وصفه بـ”الأسلوب الترقيعي وسياسات مكافحة الحرائق” بدلا من معالجة الاختلالات الهيكلية.

ويعتقد أن رفع الحد الأدنى لأجور الأطباء إلى 12 ألف درهم لا يزال غير كاف نظراً لارتفاع تكاليف المعيشة وفوارق الأجور مع أسواق العمل الأجنبية، والتي يقدر أنها ستحد من قدرة الصناعة على وقف هجرة المواهب الطبية إلى فرنسا وألمانيا وكندا والخليج.

وأشار المسؤولون النقابيون إلى عدم الاستقرار وظروف العمل، بما في ذلك السكن والنقل، في المناطق النائية والريفية، كأحد أبرز العوامل التي تحد من استعداد العاملين في مجال الصحة والرعاية للعمل في تلك المناطق.

وحذر لطفي من أن مشاريع “العنق الجهوي للصحة” يمكن أن تتحول إلى “بيروقراطية إضافية” بدلا من تقليص الفوارق الجهوية، ما لم تكن مصحوبة بتمويل كاف، واستقلال حقيقي، وعدالة في تخصيص الموارد البشرية والمالية، فضلا عن حوكمة أقوى وربط المسؤولية والمساءلة.

يواجه قطاع التعليم رهاناً على الجودة

ويشكل قطاع التعليم والتعليم الابتدائي والرياضة في الدولة الحصة الأكبر من الإنفاق القطاعي للدولة، حيث يصل إلى ما يقرب من 97 مليار درهم في قانون المالية لعام 2026. لكن بالنظر إلى توزيع هذه المخصصات يتبين أن جزءا كبيرا منها قد خصص للالتزامات الاجتماعية والنفقات الإدارية مقابل حصة محدودة للاستثمار المباشر في تطوير العملية التعليمية.

وشكلت كتل الأجور وتسوية ظروف العمل ونتائج الحوار الاجتماعي وإنشاء مؤسسات أساسية جديدة الجزء الأكبر من الزيادة في الميزانية. وساهم ذلك في تحقيق درجة من الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية بعد فترة الإضراب، ولكن على حساب تقليص المساحة المالية المتاحة لتطوير الغرف الصفية وتحديث أساليب وتجهيزات التدريس.

وفيما يتعلق بتطوير العملية التعليمية، فقد تم تخصيص أموال استثمارية لتوسيع مشروع “المدرسة الرائدة” الهادف إلى مكافحة الإخفاقات الأكاديمية وتطبيق أساليب تعليمية حديثة ومجربة، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات الرامية إلى توسيع نطاق التعليم الابتدائي باعتباره المدخل الرئيسي لتقليص الفجوة التعليمية بين الحضر والريف.

وتنعكس الحملة في مقترحات كل حزب للجولة القادمة من تمويل التعليم. ويقترح المؤتمر الوطني لحزب الاستقلال تخفيضاً ضريبياً يصل إلى 5000 درهم لكل طفل سنوياً لخفض تكلفة التعليم للطبقة المتوسطة، إلى جانب استمرار التمويل لإعادة بناء المؤسسات التعليمية ونشر “المدارس الرائدة”.

ويركز حزب الأصالة والمعاصرة على توجيه الاستثمارات التكنولوجية نحو اعتماد مبادرة “الذكاء الاصطناعي المغربي” في المنظومة التعليمية، بهدف الرصد المبكر لخطر التسرب من المدارس. وفي الوقت نفسه، يدعو حزب الاستقلال إلى تخصيص التمويل للتعليم الابتدائي الشامل بنسبة 100٪، بالإضافة إلى البرامج التي تهدف إلى تحسين فهم القراءة ودعم الأسر ذات الدخل المنخفض بشكل مباشر في المناطق الريفية.

أما اتحاد القوى الشعبية الاشتراكية، فيقترح تخصيص جزء من الإنفاق لتحسين الأجور والبنية التحتية، وربط الزيادات في التخصيصات المالية بمؤشرات تقيس أثر الإنفاق على الأداء الأكاديمي ونتائج التقييم.

ويدعو حزب العدالة والتنمية إلى إعادة النظر في جداول أجور العاملين في التعليم ووضع حوافز للأمن الوظيفي مرتبطة بالتميز والأداء، بينما يؤكد أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الاتحادي اليساري على توجيه الاستثمار لمعالجة نقص المعدات في المؤسسات التعليمية الريفية وضمان التعليم المجاني الكامل.

وتمثل الأجور غالبية النفقات

وقرأ أمين سامي، الخبير الاستراتيجي وأستاذ التخطيط، هيكل الميزانية ورهاناتها التعليمية، قائلاً إنه في حين أن زيادة التمويل تزيد من نطاق الإصلاح، فإن نجاحه لا يزال يعتمد على قدرة النظام على ترجمة هذه الموارد إلى تحسينات فعلية في مستويات تعلم الطلاب في الفصل الدراسي.

وأوضح سامي لـ«الشرق» أن الموازنة تواجه ضغوطاً هيكلية. وتستحوذ كتلة الأجور على نحو 80.3% من إجمالي المخصصات ونحو 88.9% من الزيادة الأخيرة، لكن تخصيصات الاستثمار لا تتجاوز 6.5%. ووفقاً لهذه الأرقام فإن المبلغ المتاح بشكل مباشر لمؤسسات تطوير المناهج وتأهيلها لا يتجاوز نحو 19.1 مليار درهم مخصصة لمجالات مثل الصيانة والمرافق والتعليم الابتدائي.

وأشار البروفيسور سامي إلى أن تجربة “المدارس الرائدة” تظهر مؤشرات بحثية واعدة بشأن تحسين مستويات التعلم، لكنه أكد أن توسيع نطاق المشروع يتطلب تقييماً مستقلاً للفعالية والتكاليف، والإجابة على أسئلة حول كفاءة الإنفاق، مثل التكلفة الإضافية لكل طالب ودرجة استدامة التحسينات مع انتقال الطلاب عبر المراحل التعليمية.

“زيادة الإنفاق لا تضمن تحسين الخدمات”

وقال بدر الظاهر الأزرق، الخبير الاقتصادي وأستاذ القانون التجاري، في تحليله لتحديات التمويل والاستدامة المالية، إن الحديث عن قطاعي الصحة والتعليم لا ينبغي أن يقتصر على حجم المخصصات، بل يمتد إلى قدرة هذه الأموال على إحداث تأثير ملموس ومستدام على مستوى الخدمات المقدمة للسكان.

وأوضح الأزرق لـ«الشرق»، أن ارتفاع التكاليف الإدارية والأجور في هذين القطاعين، اللذين شهدا خلق أكثر من 27 ألف فرصة عمل، مع زيادة مخصصات التعليم بنسبة 13% وزيادة في قطاع الصحة بنسبة 30%، ليس في حد ذاته هدراً للمال العام، معتبراً أن الموارد البشرية عنصر أساسي في تقديم الخدمات. لكنه أشار إلى أن الخلل في التوازن يبدأ عندما لا تكون الزيادات في الأجور والتكاليف مصحوبة بتحسينات مقابلة في إنتاجية النظام وجودة الخدمة.

وقال إن زيادة التمويل شرط ضروري للإصلاح، لكنه ليس كافيا في ظل ضعف الحوكمة والتوزيع غير العادل للموارد بين المناطق وكوادر الموارد البشرية، ودعا إلى التحول من قياس الأداء وفقا لنسب الإنفاق في الموازنة إلى قياس الأداء وفقا للنتائج والأثر الفعلي، مثل تقليل فترات الانتظار في المستشفيات، وزيادة عدد الأطباء نسبة إلى السكان، وتقليل معدلات التسرب من المدارس.

وحذر الأزرق من الضغوط التي تتعرض لها الاستدامة المالية من خلال زيادة الالتزامات الاجتماعية، مشيراً إلى أن التوزيع المباشر للحماية الاجتماعية بلغ نحو 41.5 مليار درهم لتغطية 3.9 مليون أسرة في عام 2026، ضمن الوعد بنحو 45 مليار درهم بحلول عام 2026، إلى جانب زيادة بنحو 15 مليار درهم في تكاليف الحوار الاجتماعي وتكاليف الموظفين.

واعتبر أن هذه الأعباء يجب الحفاظ عليها في الميزان المالي، ومنع الزيادات في الإنفاق الاجتماعي من التحول إلى التزامات دائمة تنمو بشكل أسرع من القدرة المالية للموارد العامة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات