بين إرث مولاي إسماعيل العلوي وتحديات الذكاء الاصطناعي
مع تعيين نبيل بن عبد الله كاتبا عاما لوزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والتكوين المهني والمؤهلات يوم 16 أكتوبر 2026، يبرز من جديد سؤال جوهري: هل سيتمكن من الارتقاء إلى مستوى الخبرة التي مهدت الطريق لمولاي إسماعيل العلوي، أحد أبرز رموز الحزب التقدمي الاشتراكي بعد الراحل علي ياتا، وتحقيق ما لم تسمح الظروف بتحقيقه؟ فهل لديه، بعد التحول الكبير الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي، القدرة على الارتقاء إلى مستوى التحديات الجديدة التي يواجهها التعليم اليوم والاستفادة منها بما يضمن إنشاء نظام تعليمي مغربي مستقل، وليس مجرد نسخة من نموذج جاهز؟
فالسؤال لا يتعلق بـ “الأفضل” بالمعنى المطلق، بل يتعلق بالإنجاز النسبي حسب الموقف. مولاي إسماعيل العلوي لم يعمل في الظروف العادية، ونبيل بن عبد الله لم يبدأ من لا شيء، بل بإرث ثقيل وتوقعات عالية. وبالتالي فإن القرار بين الاثنين لا يعتمد على عدد التصريحات أو حجم الوعود المقدمة، بل على قدرة كل منهما على تحويل السلطة المتاحة إلى آثار ملموسة. ومع ذلك، يبقى من الصعب المقارنة بين الاثنين بسبب الفارق الزمني الكبير الذي يفصل بينهما، وما يعنيه ذلك من اختلافات في السياقات السياسية والمؤسسية والمالية والتكنولوجية. ولذلك فإن هذه المقارنة ليست سوى مقارنة نسبية ورمزية، مما يساعدنا على فهم التغييرات بدلا من السماح لنا بإصدار حكم نهائي على شخصين عملا في عصرين مختلفين.
الجزء الأول: السيد العلوي، “إمكانية الإصلاح” في عصر اللامركزية
شغل مولاي إسماعيل العلوي منصب وزير التربية الوطنية من 16 مارس 1998 إلى 6 سبتمبر 2000، في إطار الحكومة الدورية برئاسة عبد الرحمان اليوسفي. لكن صلاحياته في ذلك الوقت كانت محدودة لأن الوزارة كانت مقسمة بين الوزراء، وكانت القرارات المتعلقة بالتعليم تعتمد على حسابات سياسية وتنظيمية معقدة. العلوي نفسه قال إن الوزارة منقسمة بين أربعة أو خمسة وزراء يمثلون توجهات سياسية مختلفة، وأن القرارات تعتمد على حسابات حزبية وليس رؤية وطنية.
علاوة على ذلك، كانت هذه الفترة أيضًا فترة تقشف مالي شديد. وفي الوقت الذي كانت فيه الحاجة إلى آلاف الأساتذة كل عام، لم تكن الأوضاع المالية المتوفرة كافية. واعترف العلوي لاحقا بأن الكثير من مقترحاته الإصلاحية لم تر النور، ليس بسبب غياب الإرادة، بل لأن البيئة لم تسمح بإجراء إصلاحات شاملة، مؤكدا أن مدة مسؤوليته “لم تتجاوز عامين وعدة أشهر”.
لكن لا يمكن إنكار أن العلوي حقق إنجازات كبيرة نسبياً مقارنة بالأدوات المتاحة. وحافظ على استمرارية الإدارة المجزأة، وأدار ملف الطوارئ، وارتبط اسمه بإطلاق ميثاق التربية والتكوين، الذي صدر في 8 تشرين الأول/أكتوبر 1999 كوثيقة مرجعية للإصلاحات التي حظيت بموافقة الجمهور. وهذا إنجاز كبير، حتى لو لم يرافقه رؤية استراتيجية عميقة. والأهم من ذلك أنه أدرك محدودية خبرته، وأن هذا الاعتراف يعكس النزاهة السياسية أكثر من ضعف الأداء.
ثانياً، نحن نعبد الله بإمكانيات أوسع وتحديات أكثر تعقيداً.
دخل نبيل بن عبد الله الوزارة في ظل ظروف مختلفة للغاية: وزارة موحدة، وتفويضات واضحة، ووعود انتخابية ملموسة. ومع ذلك، فإنهم يواجهون “حقيبة ساخنة” من القضايا التي لم يتم حلها، بما في ذلك الأنظمة الأساسية الجديدة، وساعات العمل الأقصر، والأجور، واحتجاجات معلمي المدارس الابتدائية، فضلاً عن التوقعات الأوسع نطاقاً بشأن جودة التدريس وارتباط التعليم بسوق العمل.
وبالتالي فإن تقييم تجربته سيتم في ظروف أكثر صعوبة، وليس بمجرد تنظيم الملفات أو توقيع الاتفاقيات، كما فعل العلوي أيضاً. وتتمتع الإدارة الآن بقدرات أوسع ومستوى أعلى من النجاح في حل المشاكل بدلا من مجرد قمعها. لن نكتفي بمراكمة التراكم فحسب، بل سنحدث أيضًا تغييرات نوعية في جودة المدارس العامة.
وعلى مستوى الرمزية الحزبية، فإن المقارنة بين العلوي وبن عبد الله ليست مقارنة بين شخصين، بل بين سياقين. وفي حين جمع العلوي بدقة بين شرعية منظمته وشرعية موقف حكومته، يتمتع بن عبد الله بشرعية تنظيمية وسياسية واضحة، لكن تأثيره في قطاع التعليم لم يتجسد بعد بما يكفي لتقييمه. التجربة ما زالت في مراحلها الأولى وسيتم الحكم عليها بالنتائج وليس بالخطابات.
ثالثاً: التحديات الجديدة: الذكاء الاصطناعي بين الشمول والسيادة
إن التعليم اليوم لا يواجه مشاكل الأمس المتمثلة في الاكتظاظ، وعدم كفاية التدريب، والجودة غير المتكافئة فحسب؛ بل إننا أمام تغيرات عميقة أحدثها الذكاء الاصطناعي في علاقة المتعلم بالمعرفة، ودور التدريس، وطبيعة المهارات اللازمة. وسبق للمغرب أن أطلق مبادرات طموحة في هذا المجال، أبرزها خارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي التي أعلن عنها في 12 يناير 2026، والتي تهدف إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتطوير أنظمة التعليم والتكوين ودعم الابتكار الرقمي، وذلك تماشيا مع أهداف خارطة الطريق 2022-2026 لإصلاح التعليم. وتضمن الإطلاق الإعلان عن مركز الجزري كأساس لشبكة معهد الجزري للبحث والابتكار الرقمي، وإطلاق المعهد الوطني لأبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي.
لكن السؤال الحقيقي ليس: “هل ينبغي علينا جلب الذكاء الاصطناعي إلى المدارس؟” بل كيف يمكن إدخالها دون استيراد نموذج جاهز يحرم المدارس المغربية من خصوصيتها ويحولها إلى مجرد مستهلكين للتكنولوجيا؟
والتحدي هنا تعليمي وسيادي في آن واحد. إذا اقتصر تكامل الذكاء الاصطناعي على استخدام المنصات الأجنبية، فسوف يبدو الأمر وكأنه تحديث على السطح. ومع ذلك، إذا نجحت الوزارة في إنشاء نظام وطني مستقل بتكنولوجيا محلية مبتكرة، وإطار أخلاقي يحمي الطلاب المغاربة من التحيز الثقافي للنماذج المستوردة، وبرنامج لتدريب المعلمين على الاستخدام النقدي للتكنولوجيا، فسيكون ذلك بمثابة تغيير نوعي غير مسبوق.
وهذا يتطلب بنية تحتية رقمية حقيقية، وتدريبا مستمرا للأساتذة، ومناهج تعزز التفكير النقدي، وشراكات بين الجامعات ومراكز البحوث والوزارات، وإطارا أخلاقيا يحمي البيانات ويضمن المساواة بين المتعلمين. وإلا فإن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تعميق فجوة التفاوت بدلا من تقليصها.
الخلاصة: متى يمكننا الحكم على التأثير النسبي لبنعبد الله؟
ونظرا لاختلاف الظروف، يمكن القول إن مولاي إسماعيل العلوي حقق إنجازات نسبية مقارنة بالأدوات المحدودة المتاحة له. أما نبيل بن عبد الله، فتجربته لا تزال في مراحلها الأولى وسقف إمكانياته أعلى، وهو ما يجعل سقف التوقعات أعلى أيضا. وبما أن الفارق الزمني بين التجربتين يحول دون إصدار حكم مقارن دقيق، فإن المقارنة بينهما في نهاية التحليل هي بالضرورة نسبية ورمزية.
ولذلك فإن الحكم العادل هو أنه لا يمكن تحديد تأثير بن عبد الله بعد وأن التقييم سيعتمد على ما ستحققه الوزارة في السنوات المقبلة بناء على مؤشرات قابلة للقياس.
وهذا يتطلب ثلاثة شروط واضحة.
1. حل القضايا العالقة مثل الأنظمة الأساسية والتعليم الابتدائي والعلاج وتقصير ساعات العمل، وليس مجرد إدارتها.
2. الانتقال من «إدارة الأزمات» إلى «تحسين جودة التعليم» بمؤشرات قابلة للقياس: لا يكفي أن تدير الوزارة هذا المجال وتوقع الاتفاقيات؛ والهدف هو رفع نسبة الطلاب في التعليم الأساسي من المستويات الحالية (30% فقط في نهاية المرحلة الابتدائية) نحو هدف 70% المعلن عنه في خارطة الطريق 2022-2026، بالاعتماد على البحوث الوطنية. وتستخدم الرياضيات والعلوم كأدوات لتوجيه عملية صنع القرار، وليس كبديل للإدارة اليومية للقطاع.
3. بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تعليمية محلية سيادية، بدلاً من النسخ المستوردة، بإطار أخلاقي واضح يحمي البيانات ويضمن المساواة بين المتعلمين.
علاوة على ذلك، سيظل مولاي إسماعيل العلوي أحد الرموز التي ستوجه مسار الحزب، وسيظل علي يطا راسخا على مر الزمن. وكما أعطاهم التاريخ مكانهم المستحق، كذلك سيحظى نبيل بن عبد الله، بعد تجربته ومسيرته السياسية، بمكانه المستحق في سجلات الحزب. تعتمد الأحكام العادلة بشأن التأثير على المقاييس التي يمكن قياسها بعد فترة زمنية كافية، وليس على المقاييس اللحظية أو الانطباعات.









