دعت الجامعة الوطنية للتربية المنتمية إلى النقابة المغربية لعمال المغرب، إلى جعل ملف العاملين بالتعليم الابتدائي أولوية لدى الحكومة المقبلة، معتبرة أن نجاح ورشة تعميم التعليم الابتدائي لا يقاس فقط بعدد الأطفال المستفيدين أو الأقسام المفتوحة، بل يرتبط أساسا بجودة التعليم والوضع المهني والاجتماعي للأساتذة المكلفين بهذه المهمة.
وأقرت الأمانة الوطنية للفيدرالية الوطنية للتعليم الابتدائي، في بيان تلقته صحيفة أعماق المغربية، بأن الحديث عن التعليم الابتدائي لا يرتبط بالمراحل التي يمر بها الطفل في مسيرته الأكاديمية، بل بالمرحلة الأساسية التي تتشكل فيها شخصية الطفل، وتتطور قدراته اللغوية والاجتماعية والعاطفية، وتتكون العلاقات الأولى مع المؤسسات التعليمية والتربوية.
وتساءلت النقابة: “من سيربي الطفل؟”، معتبرة أن المعلمين هم الذين يرحبون بالأطفال في علاقتهم بالمدرسة، وهم حاضرون خلال اللحظات الأولى للاكتشاف للطفل، ويعلمون التواصل والاستماع والمشاركة، ويساعدون الأطفال على تنمية الثقة في أنفسهم وفي بيئتهم.
وأكد أنه لا يمكن فصل جودة التعليم الابتدائي عن مكانة المعلمين، مشيراً إلى أن الأطفال يحتاجون إلى بيئة آمنة ومستقرة للنمو، كما يحتاج المعلمون أيضاً إلى بيئة مهنية توفر لهم الاستقرار والقدرة على القيام برسالتهم التعليمية.
التعليم وحده لا يكفي
واعترف الاتحاد بأن المغرب قد أحرز تقدما هاما في توسيع نطاق توفير التعليم الابتدائي، الذي أصبح جزءا من السياسة العامة في مجال التعليم، لكنه شدد على أن نجاح ورش العمل هذه لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى الوصول.
وأوضحت أن الأطفال لا يحتاجون إلى مقعد هيئة التدريس فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى تعليم جيد ومساحة كافية وإشراف مناسب ومعلمين مؤهلين متفانين في مهمتهم، مؤكدة أن المناهج التعليمية مهما كانت متقدمة لا يمكن تطبيقها بنفسها وأن أساليب التدريس لا يمكن أن تحل محل العنصر البشري.
واعتبرت أن المعلمين هم الذين يحولون الوعي التربوي إلى ممارسة يومية، وبالتالي فإن الاستثمار في المعلمين لا يمثل مسألة مهنية منفصلة عن اهتمامات الأطفال، بل يشكل جزءا أساسيا من الحق في التعليم.
الفروق المهنية والاجتماعية
وسلط البيان الضوء على واقع العاملين في التعليم الابتدائي، مشيرا إلى أن هذه الفئة تتحمل مسؤوليات تعليمية كبيرة مقابل معاناتها من فوارق على مستوى الأمن المهني والدخل والحماية الاجتماعية والتقاعد والتدريب وآفاق التطوير المهني، فضلا عن التغيرات في ظروف العمل باختلاف أنواع المديرين والجهات المتدخلة.
وشددت النقابة على أنه لا ينبغي تفسير هذا الوضع على أنه ضعف في أداء التربويين أو عدم التزام من جانب التربويين، لافتة إلى أن الميدان أثبت أن العديد من التربويين اكتسبوا خبرة عملية كبيرة في العمل مع الأطفال، والمشكلة أن هذه الخبرة والمسؤولية لا تترجم بالضرورة إلى المكانة المهنية والاجتماعية التي يستحقونها.
وطرحت النقابات أسئلة أظهرت هذا التناقض، وسلطت الضوء على كيفية مطالبة المعلمين بتوفير الاستقرار والثقة للأطفال عندما لا يكون هناك ما يكفي من الأمن الوظيفي.
الضعف المهني
تعتقد الجامعة الوطنية للتعليم أن مطالب العاملين في التعليم الابتدائي لا ينبغي أن تقتصر على الأجور أو الحقوق الاجتماعية. وبحسب الجامعة، فإن استقرار المعلم يؤثر بشكل مباشر على استمراريته في العمل، وتراكم الخبرات، وعلاقاته مع الأطفال والأسر، وقدرته على وضع خطط تعليمية طويلة المدى.
وحذر من أن استمرار دوران الموارد البشرية وعدم وجود رؤية مهنية واضحة يمكن أن يقوض الاستثمارات المتوخاة في مرحلة الطفولة المبكرة، مشددا على أن تحسين الوضع المهني للعاملين في التعليم الابتدائي ينبغي أن ينظر إليه كوسيلة لتحسين جودة التعليم وليس مجرد زيادة في الإنفاق الاجتماعي.
ويرى الاتحاد أيضًا أن الشراكة ساهمت في توسيع العرض وتمكين المزيد من الأطفال من الوصول إلى التعليم الابتدائي، كما أعرب عن دهشته من التنوع في أساليب الإدارة. ومع ذلك، قال البيان إن استمرار التباين في هذه الأنماط يثير تساؤلات حول توحيد ظروف العمل والحقوق المهنية.
وشدد على أنه بالنظر إلى نفس المهمة التعليمية والمسؤولية تجاه الأطفال، لا ينبغي للهيئات الإدارية أن تكون مصدرًا للفوارق الأساسية في الحقوق والضمانات، ودعا الدول إلى إنشاء إطار واضح يضمن حدًا أدنى موحدًا من الجودة والحقوق والتدريب والحماية الاجتماعية، بغض النظر عن اختلاف أشكال الحوكمة.
التعليم الابتدائي والظروف الاجتماعية
ورأت النقابة أن الحديث عن الحالة الاجتماعية يتجاوز مجرد برامج الدعم والحماية الاجتماعية، بل يشمل أيضًا ضمان بداية عادلة للأطفال، وخدمات تعليمية جيدة للعائلات، وظروف عمل كريمة للعاملين في هذا القطاع.
وأكد أن التعليم الابتدائي يشكل نقطة التقاطع بين السياسة التعليمية والاجتماعية، خاصة للأطفال من الأسر ذات الدخل المنخفض، والمناطق الريفية والجبلية، والمناطق التي تعاني من عدم كفاية المرافق والخدمات.
ودعت في هذا الصدد إلى تحقيق العدالة في توزيع الموارد وإيلاء اهتمام خاص للمناطق التي تعاني من شحها، بما يضمن تكافؤ الفرص منذ السنوات الأولى من حياة الطفل.
الاستثمار في التعليم الابتدائي
وأشار البيان إلى أن السنوات القليلة الأولى من الحياة لها تأثير كبير على المسارات الأكاديمية والمهنية المستقبلية، وشدد على أنه لا ينبغي النظر إلى ميزانيات التعليم المبكر على أنها نفقات لمرة واحدة فقط.
ورأى أن تحسين جودة التعليم في هذه المرحلة يمكن أن يسهم في الحد من الفشل الأكاديمي والهدر والفشل في مراحل لاحقة، معتبراً ذلك اختلالات قد تكون معالجة المجتمع والأمة أكثر تكلفة.
وشدد الاتحاد على أن الاستثمار في التعليم الابتدائي يجب ألا يقتصر على بناء الكليات وتوفير المعدات، بل يجب أن يشمل أيضا الموارد البشرية لإدارة العملية التعليمية.
مطالبة للحكومة المقبلة
دعت الجامعة الوطنية للتربية الحكومة المقبلة إلى التعامل مع ملف القوى العاملة في التعليم الابتدائي كملف وطني يدمج التعليم والتشغيل والسياسة الاجتماعية، داعية إلى حلول مؤسسية واضحة ومستدامة بدلا من الاستمرار في الحلول المؤقتة والمؤقتة.
وحددت النقابات عددا من المطالب أبرزها توحيد الإطار المرجعي للعاملين في التعليم الابتدائي، ومعالجة وضعهم المهني وفق مقتضيات قانونية واضحة، وضمان الاستقرار المهني والاجتماعي، والاعتراف بالخبرة المهنية المكتسبة وتحسين الأجور بما يتناسب مع المسؤوليات والمهام.
كما دعا إلى ضمان الحماية الاجتماعية واستحقاقات التقاعد والتأمين الصحي، وإنشاء تدريب أساسي ومستمر عالي الجودة، وتحديد مسارات واضحة للترقية والتطوير المهني، وتحسين ظروف العمل والمرافق والمساحات التعليمية، وتقليص الفوارق بين القطاعات، والحد من الاختلالات الناتجة عن تعدد أساليب الإدارة.
كما دعت إلى إقامة حوار منتظم في القطاع الاجتماعي حول التعليم الابتدائي، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المطالب لا تشكل امتيازا، بل هي عنصر أساسي لبناء نظام مستقر قادر على ضمان الجودة.
حلول مؤسسية وليست إجراءات مؤقتة
وحذرت النقابة من الاستمرار في تناول قضية العاملين في التعليم الابتدائي بمنطق الحل التدريجي، معتبرة أن ذلك لن يؤدي إلا إلى تأجيل المشكلة وإعادة إنتاج الحاجة إلى إصلاحات جديدة.
وشددت على أن النظام يتطلب قواعد واضحة تحدد حقوق التربويين وواجباتهم ومساراتهم المهنية، وبالتالي مسؤوليات الدولة تجاههم، ودعت الحكومة المقبلة إلى وضع جدول زمني واضح لمعالجة هذه القضية، مع توفير الموارد المالية اللازمة، وجعل نتائج الحوار قابلة للقياس والتنفيذ.
كما أكد على ضرورة إشراك العاملين في التعليم الابتدائي في وضع الحلول، باعتبارهم الأكثر اتصالا بالواقع على الأرض، معتبرا أن أي إصلاحات لا تستمع لأصوات الميدان لا تزال من المحتمل أن تتعارض مع التنفيذ على أرض الواقع.
المسؤولية السياسية
تعتقد الجامعة الوطنية للتعليم أن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على الجمع بين الوصول الشامل، وضمان الجودة، والمساواة في الموارد البشرية، وأقرت بأن الإدارة القادمة سوف تجد أمامها مجالات حيث لا يمكن قياس النجاح فقط من خلال معدلات الاستخدام المرتفعة.
وأضافت أنه في حين يحتاج الأطفال إلى مؤسسات تعليمية جيدة والمؤسسات التعليمية تحتاج إلى معلمين مستقرين، يحتاج المعلمون إلى قوانين تحمي حقوقهم، والتمويل لضمان الاستدامة في قطاع التعليم، وحوكمة واضحة لتحديد المسؤوليات.
واختتمت النقابة بيانها بالتأكيد على عدم نقل قضية العاملين في التعليم الابتدائي من حكومة إلى أخرى أو جعلها رهينة اللجان والمذكرات والوعود، على اعتبار أن الحكومة المقبلة أمامها مسؤولية سياسية ومؤسسية لإيجاد حلول واضحة وعادلة ومستدامة لهذه المشكلة.
وشدد على أن “الأطفال هم الهدف والمعلمون شرط تحقيق هذه الأولوية”، مؤكدا أن العدالة للعاملين في التعليم الابتدائي ليست مطلبا منفصلا عن إصلاح التعليم، كما أنها ليست قضية قطعية ينبغي وضعها في أسفل قائمة الأولويات، بل هي جزء أساسي من إصلاح التعليم نفسه.
ودعا النقابة إلى الانتقال من مجرد الاعتراف بأهمية التعليم الابتدائي إلى تحمل المسؤولية الكاملة عن شروط التعليم الابتدائي الناجح، ومن إدارة الوضع غير المستقر للعاملين في التعليم الابتدائي إلى إنهائه بحلول قانونية ومهنية واجتماعية مستدامة، بما يضمن حصول الأطفال المغاربة على تعليم عادل وأن يتمتع المربون بالاستقرار والكرامة والاعتراف.









