ولا يمكن إصلاح المدارس العامة من دون التمويل الكافي، ولكن التمويل الوفير لا يعني بالضرورة كفاءة الإنفاق. والسؤال الحقيقي ليس فقط: “ما حجم الأموال التي تنفقها البلاد على التعليم؟” ولكن أيضاً ما الذي سيتحقق مع كل درهم تنفقه؟ فهل ستؤدي الميزانية المعلنة إلى مؤسسات تعليمية أفضل تجهيزا، وقطاعات أكثر ازدحاما، وتعليم أفضل، وهدر أقل في المدارس؟
كشفت بيانات قدمتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة إلى لجنة التربية والثقافة والمجتمع بمجلس المستشارين بمناسبة مناقشة موازنة 2026، أن التخصيصات المخصصة لقطاع التربية الوطنية والتعليم الابتدائي ارتفعت من حوالي 58.9 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 97 مليار درهم سنة 2026، أي نحو 65%. ويعكس هذا التطور الأولوية المالية المتزايدة الممنوحة لهذا القطاع، لكنه وحده لا يكفي للحكم على مدى نجاح سياسة التعليم. لأن تخصيص الأموال ما هو إلا البداية، ويبقى المعيار الحقيقي هو مستوى التنفيذ والنتائج التي يتم تحقيقها من خلاله.
عندما ننتقل من أرقام البرمجة إلى حسابات التنفيذ، تظهر صورة أقل تفاؤلاً. وبحسب تقرير المجلس الأعلى للمحاسبين حول تطبيق قانون المالية 2024، انخفضت نسبة تنفيذ الإنفاق الاستثماري في قطاع التعليم الحكومي من 73.3% عام 2022 إلى 68.6% عام 2023 و65.2% عام 2024. ولم تتجاوز النفقات الاستثمارية المنجزة خلال العام 7 مليارات درهم، من موازنة نهائية تبلغ نحو 10.7 مليار دولار. أي بفارق نحو 3.7 مليار درهم. هناك مليارات الدراهم بين المبلغ النهائي الذي تم إنفاقه والمبلغ المنجز خلال العام.
هذه الفجوة ليست مجرد مشكلة محاسبية. وترتبط الاعتمادات الاستثمارية ببناء وتوسيع وتجديد وتجهيز وربط المؤسسات التعليمية بالخدمات الأساسية. التأخير في تنفيذه قد يعني استمرار الاكتظاظ، وتأجيل بناء المرافق في المناطق التي تعاني من النقص، والتأخير في إنشاء المدارس الداخلية والمقاصف المدرسية، واستمرار البحث في المباني التي لا تلبي متطلبات الجودة والسلامة.
ويزداد هذا التناقض وضوحا عندما نعلم أن نفس تقرير المجلس الأعلى للمحاسبة يسجل أنه في عام 2024 بلغت نسبة تنفيذ المعدات والنفقات العامة في هذا القطاع 97.1%، في حين بلغت النفقات الاستثمارية 65.2%. ويكشف هذا الفارق أنه على الرغم من أن القطاع أكثر نجاحا في تنفيذ النفقات الجارية، إلا أنه يواجه صعوبات واضحة في تحويل أموال الاستثمار إلى مشاريع مكتملة ومرافق ميدانية.
لا تقتصر التطبيقات الضعيفة على الأرقام الإجمالية. وبحسب تقرير المجلس الأعلى للشؤون المالية حول تطبيق قانون المالية 2023، فإن نسبة تنفيذ برنامج “العدالة وتكافؤ الفرص والتعليم الإلزامي” لم تتجاوز 63.9%، بينما في برنامج “التأهيل والتعليم ما بعد الثانوي” وصلت إلى 63%، وفي برنامج “تحسين جودة التعليم والتدريب” وصلت إلى 63.1%. وتكتسب هذه النسب أهمية متزايدة نظرا لارتباط البرامج المذكورة ارتباطا مباشرا بتوسيع نطاق توفير التعليم وتحسين جودة التعلم ومكافحة الانقطاعات وتحقيق تكافؤ الفرص.
ومع ذلك، فإن صرف الأموال، حتى لو اكتمل بالكامل، لا يكفي لإثبات فعاليته. يتضمن مشروع كفاءة أداء قطاع التعليم الوطني والابتدائي لعام 2026 مؤشرات رئيسية تتعلق بمعدلات الالتحاق، ومعدلات النجاح، ومعدلات الرسوب، ومعدلات التسرب، ومعدلات الاكتظاظ، ومعدلات استبقاء الطلاب. إلا أنه يعتمد أيضًا على عدد من مؤشرات النشاط، مثل عدد المستفيدين من الدعم المدرسي، وعدد المستفيدين من التدريب، وعدد المؤسسات المشاركة في البرنامج. تخبرنا هذه المؤشرات بما قام به النظام، لكنها لا تجيب بالضرورة على السؤال الأهم: ما هو تأثير هذه الأنشطة؟
ليس من المهم فقط أن يستفيد الآلاف من المعلمين والمعلمات من التدريب المستمر، ولكن من المهم أيضًا أن نعرف كيف يؤثر هذا التدريب على الممارسة الصفية ويستفيد المتعلم. والمفتاح هنا لا يقتصر على قياس توزيع الأجهزة الرقمية فحسب، بل وأيضاً استخدامها ومساهمتها في تحسين الإدارة والتعلم.
وفي هذا السياق، كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للمحاسبين 2024-2025، أن 33% من تطبيقات المعلومات المتاحة لا تستخدم في أكاديميات التعليم والتدريب الجهوية، منها 19% تستخدم جزئيا، في حين أن نسبة التطبيقات المستخدمة بالكامل لا تتجاوز 48%. كما يسجل التقرير محدودية استخدام بعض الخدمات الرقمية لمكونات النظام. 55% فقط من الطلاب المؤهلين يستخدمون تطبيق “متمدرس”، ونسبة الطلاب المسجلين الذين يستخدمون تطبيق “والي” لا تتجاوز 1%، ونسبة استخدام النسخة المحمولة من تطبيق “متمدرس” لا تتجاوز 6.6%.
وتوضح هذه الأرقام أن اقتناء الأنظمة والتطبيقات لا يضمن في حد ذاته إمكانية استخدامها أو تحقيق التأثيرات المتوقعة. كما تطرح أسئلة حول مدى فعالية الاستثمارات الرقمية وملاءمتها للاحتياجات الحقيقية للمؤسسات والأطر والأسر، خاصة في ظل استمرار الصعوبات في تجهيز وربط الإنترنت في العديد من المناطق.
كما يسجل التقرير السنوي للمجلس الأعلى للمحاسبين 2024-2025 استمرار الحاجة إلى إعادة النظر في نظام النقل الانتقالي بما يحافظ على الاستقرار التعليمي، فضلا عن عدم التنفيذ الكامل للتوصيات المتعلقة بضمان التوزيع المتوازن والأمثل لأعضاء هيئة التدريس بين الأكاديميات والمديريات الجهوية والمؤسسات التعليمية.
وفيما يتعلق بالتعليم في المناطق الريفية، أشار المجلس إلى استمرار الحاجة إلى تحسين استهداف المستفيدين من المساعدة العمومية والحد من هدر الموارد المتاحة وتعزيز مشاركة المنظمات المجتمعية والجهات الفاعلة في تحسين ظروف التعليم. وفي ما يتعلق بالمدارس الجماعية، أشار إلى أنه لم يتم إحراز أي تقدم ملموس في وضع إطار قانوني واستراتيجية وطنية لهذا النموذج، في تنفيذ التوصيات المتعلقة بتحسين جودة التعليم وتبسيط تدبير الموارد البشرية.
كما خلص التقرير إلى أن التوصيات المتعلقة بالتدريب الأساسي والمستمر لأعضاء هيئة التدريس لم يتم تنفيذها إلا بشكل جزئي ولم تتحقق التأثيرات المتوقعة بعد. تؤكد هذه الملاحظات أن جزءًا من الأزمة المدرسية لا يرتبط فقط بنقص الموارد ولكن أيضًا بالحوكمة والتخصيص والاستهداف والتتبع والتقييم.
ومن المقرر أن يلعب الكونجرس دوراً مهماً في ربط الإنفاق بالنتائج، خاصة عند مناقشة قوانين التصفية والوثائق المصاحبة لها. لكن تقرير مجلس العموم والمستشار يكشف أنه على الرغم من أن هذه الرقابة أدت إلى عدد من الاختلالات، إلا أنها تظل محدودة من حيث الوقت المخصص للمناقشة وعمق الأداء القطاعي.
وبحسب تقرير لجنة الرقابة المالية والحوكمة بمجلس العموم حول مشروع قانون التصفية رقم 07.25 المتعلق بتطبيق قانون المالية 2023، عقدت اللجنة جلستين خصصتا ساعتين و44 دقيقة، تضمنت تقديم المشروع ومناقشته والتصويت عليه. وانتهت أعمال اللجنة بالموافقة على المشروع الذي أحالته الحكومة بأغلبية 10 أصوات ومعارضة عضوين وامتناع عضو واحد عن التصويت.
وبحسب التقرير، ناقش المشاركون قضايا مثل مستوى تنفيذ الإنفاق الاستثماري، وفعالية البرامج الحكومية، وجودة مؤشرات الأداء، ونطاق تنفيذ التوصيات الإشرافية. كما أشاروا إلى غياب المواءمة والانتقائية في الأهداف، ودعوا إلى اعتماد عقود الأداء، ورقمنة إجراءات متابعة المشاريع، وربط تنفيذ قانون المالية العامة بالنتائج الفعلية للبرامج الحكومية والسياسات العامة.
واستندت المناقشات في مجلس النواب إلى تقرير مراجعة الفعالية التشغيلية المرفق بمشروع قانون التصفية. وحذر أعضاء اللجنة من أنه بناء على البيانات المخبرية، فإن 81% من المؤشرات المتضمنة في العينة تفتقر إلى منهجية واضحة لجمع البيانات، كما أن 74% منها لا تخضع للعلاج المنهجي المناسب. وهي اختلالات تؤثر على موثوقية المؤشرات وقدرة الكونجرس على إجراء تقييمات موضوعية للبرامج. إلا أن هاتين النسبتين تتعلقان بالعينة العامة للقطاعات والبرامج التي يشملها الامتحان، وليس فقط بقطاع التعليم في الدولة.
ويتضمن الجزء الثاني من تقرير مجلس العموم أيضًا نتائج برنامجي “تحسين جودة التعليم والتدريب” و”مكافحة الأمية”. وقال التقرير إن خارطة الطريق 2022-2026 تحدد ثلاثة أهداف استراتيجية: مضاعفة نسبة طلاب المدارس الابتدائية الذين يديرون التعلم الأساسي، ومضاعفة نسبة طلاب المدارس الابتدائية الذين يستفيدون من الأنشطة الموازية، والحد من الهدر المدرسي بمقدار الثلث.
لكن في المناقشة العامة، لم تتم ترجمة هذه البيانات إلى مساءلة حكومية تفصيلية عن مستوى تنفيذ كل هدف، وتكلفة تحقيقه، والفجوة بين مؤشرات الهدف والنتائج المحققة. تمت مناقشة فعالية الأداء في سياق عام دون تحليل دقيق للعلاقات بين الإنفاق والنتائج والتأثير داخل قطاع التعليم الوطني.
أما بالنسبة لمجلس الشورى، فإن تقرير لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية حول مشروع قانون التصفية رقم 04.26 المتعلق بتطبيق قانون المالية لسنة 2024 يكشف أن اللجنة نظرت في المشروع وصوتت عليه في جلسة واحدة لا تتجاوز مدة العمل فيها الساعتين. وانتهى التصويت بموافقة 8 أشخاص ومعارضة شخص واحد وامتناع شخص واحد عن التصويت.
ويصبح المجال الزمني المحدود المخصص للمناقشة أكثر وضوحا إذا تذكرنا أن تقرير اللجنة الاستشارية يشير إلى أن نظام كفاءة الأداء لعام 2024 يشمل 37 إدارة وهيئة وزارية، و120 برنامجا للموازنة، و383 هدفا، و786 مؤشرا. هذا سؤال واضح. هل تكفي ساعتان لتقييم تنفيذ الميزانية على مستوى الولاية والنظر في العديد من البرامج والأهداف والمقاييس؟
ويشير تقرير اللجنة الاستشارية إلى أن بعض أصحاب المصلحة أشاروا إلى الانفصال بين المؤشرات والأرقام المنشورة والواقع، داعين إلى المساءلة والمسؤولية عن البرامج التي تم التخطيط لها ولكن لم يتم تنفيذها، وإلى التحول من منطق إنفاق البرامج إلى منطق تقييم النتائج وقياس الأثر. ومع ذلك، فإن الحجج المقدمة في التقرير كانت ذات طبيعة عامة ولم تتناول أسئلة تفصيلية حول فعالية الإنفاق في قطاع التعليم في البلاد.
وبالتالي فإن تقارير كلا المجلسين تكشف عن تناقض واضح. عند مناقشة قانون التصفية، يحق للبرلمان الاطلاع على تقرير تنفيذ الميزانية، وتقرير كفاءة الأداء، ونتائج تفتيش مكتب المفتش العام للخزانة، ونتائج المجلس الأعلى للحسابات العامة. ومع ذلك، فإن ضيق الوقت المخصص للمناقشة وسيادة النهج الشمولي يحولان دون استثمار هذه الوثائق في بناء مساءلة قطاعية دقيقة.
لا ينبغي أن يكون النقاش حول قانون التصفية إجراءً شكلياً بعد نهاية السنة المالية، بل لحظة مركزية في مساءلة الحكومات عن الأموال التي أنفقت، والميزانيات التي لم يتم تنفيذها، والأهداف التي لم تتحقق. ومن المتوقع أيضًا أن تترجم نتائج المجلس الأعلى للمحاسبة ونتائج اختبار فعالية الأداء إلى أسئلة قطاعية دقيقة، مع تأثير نتائج التنفيذ على خطط الإنفاق للسنوات اللاحقة.
لم تعد التحديات التي تواجه إصلاح التعليم في المغرب تتعلق فقط بحجم الموارد المخصصة، بل بقدرة السياسة العامة على الترجمة إلى نتائج ملموسة داخل المدارس والفصول الدراسية. وتتسع المسافة بين الجهود المالية المبذولة والنتائج المتوقعة بسبب زيادة الإنفاق، وانخفاض تنفيذ الاستثمار، واستمرار الاختلالات في الحوكمة، وضعف بعض المؤشرات لقياس الأثر.
ولذلك فإن إصلاح المدارس الحكومية يتطلب التحول من منطق إعلان الميزانيات والبرامج إلى منطق المساءلة عن التنفيذ الفعلي والنتائج. لأن قيمة الإنفاق العام لا تتحدد بمدى تخصيصه أو إنفاقه، بل بما يحققه من حيث تحسين التعلم، والحد من انقطاع المدارس، وتحقيق العدالة المكانية على نطاق أوسع. وعندها فقط يصبح تمويل التعليم استثماراً حقيقياً في الإنسان، وليس مجرد رقم يتزايد من قانون مالي إلى آخر.









