في تقرير صادم أصدرته اليونسكو من باريس، لم يعد من الممكن إضفاء طابع رومانسي على واقع التعليم في المغرب أو تجنبه بخطابات مطمئنة. الأرقام قاتمة، لكن المؤشرات أكثر قسوة، مع تقدم بطيء في التعليم الأساسي، وفوارق واضحة في القدرات الأكاديمية، واستمرار المدارس في النزف بهدوء إلى نفايات. وهذه ليست أزمة قطاعية فحسب، بل هي أيضاً أزمة وطنية في واحدة من مسؤولياتها العميقة والمؤثرة: التنمية البشرية ولياقة الأجيال.
خمس سنوات من حكم ما يسمى بـ«الحكومة المختصة» بقيادة عزيز أخنوش كانت كافية لتوضيح أن الرهان لم يكن على إصلاح حقيقي، بل على إجراءات فنية قاسية تفتقر إلى الروح السياسية والجرأة الإصلاحية. ومما زاد الطين بلة أن قطاعاً معقداً مثل التعليم ترك في يد وزير مثل محمد سعد بردى، في وضع تتعدد فيه علامات الاستفهام حول منطق مقترحات الوزير وحدودها.
منطق “الثقة” وليس القدرة؟
عندما يتم تعيين شخص من عالم الأعمال أو العالم الشخصي على رأس قسم التعليم، يتم طرح أسئلة مشروعة ليس فقط حول قدرته الفنية ولكن أيضًا حول فهمه العميق للمدارس العامة ودورها في المجتمع. هل يمكن لمن لم يتخرج من جهاز التعليم أن يفهم عيوبه البنيوية؟ فهل منطق “الثقة” و”القرب” كاف لحكم قطاع من المفترض أن يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية؟ الواقع يقول لا.
والأكثر إثارة للجدل هو الصورة التي رسّخها الوزير في الوعي العام كـ«شريك الحلويات» قبل توليه مسؤولية القطاع الاجتماعي الأكثر تعقيداً. هذا التفسير الذي يتكرر في النقاش العام، ليس مجرد مفارقة لحظية، بل يعكس أزمة ثقة حقيقية في طريقة إدارة التعيينات، إذ يبدو القرب من دوائر صنع القرار أحيانا مقدما على الكفاءة والخبرة الميدانية.
“مدرسة الريادة”.. نموذج أم واجهة؟
ومن بين المبادرات التي تم الترويج لها كأحد ركائز «الإصلاح»، برز مشروع «مدرسة الريادة» كتجربة نموذجية لتنشيط المدارس الرسمية. لكن الواقع على الأرض يكشف عن اختلالات خطيرة تجعل هذا المشروع خالياً من المضمون.
أول هذه الاختلالات هو الطبيعة الانتقائية للمشروع، الذي يركز على عدد محدود من المؤسسات، وفي مقابل ضخ موارد إضافية، يترك المدارس المتبقية تعاني من نفس أوجه القصور القديمة. وهذا ينتج التعليم بسرعتين: “المدارس الرائدة” المتميزة والأغلبية المهمشة.
ثانياً، يعاني هذا المشروع من الافتقار إلى الوضوح التربوي الحقيقي. الشعارات حول “تحسين التعلم” و”ابتكار التدريس” ليس لها ترجمة حقيقية داخل الأقسام، حيث يشكو الأساتذة من ضغوط البرامج، ونقص التدريب الكافي، وإجبارهم على اتباع أساليب جديدة دون إعداد كاف.
ثالثا، هناك مسألة التقييم والشفافية. وقد تم تقديم المشروع على أنه حقق نجاحاً إعلامياً دون نشر بيانات دقيقة ومستقلة عن النتائج الفعلية، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هذا إصلاحاً حقيقياً أم إعلاماً كاذباً لتمجيد صورة قطاع يعاني من أزمة.
تقرير اليونسكو: تشخيص غير مدني
ولا يترك تقرير اليونسكو الأخير أي مجال للتفسير. يعاني المغرب من ضعف خطير في اكتساب الطلاب للمهارات الأساسية، وفوارق كبيرة بين التعليم الحضري والقروي، وتدهور الثقة في المدارس العمومية، واختلالات خطيرة في تركيبة الإطار التعليمي. هذه ليست بيانات فنية، بل تشير إلى فشل هيكلي في السياسة العامة.
المدرسة تموت بصمت
الأمر المؤلم في كل هذا هو أنه لا يعكس الأرقام فحسب، بل يعكس الحقائق اليومية للفصول الدراسية المكتظة، والمدرسين المنهكين، والطلاب الذين فقدوا الحافز والأمل. لم تعد المدارس المغربية مساحات للتقدم الاجتماعي كما كانت من قبل، بل أصبحت مرايا لإعادة إنتاج الاختلاف.
إنها ليست مجرد أزمة موارد، إنها أزمة رؤية.
وبينما يسعى الخطاب الرسمي إلى إرجاع الأزمة إلى نقص الموارد، فإن الحقيقة أعمق من ذلك. لا يعاني المغرب من نقص القدرات فحسب، بل يعاني أيضا من رؤية سياسية واضحة للتعليم. رؤية تجعل من المدارس أولوية وطنية وليست مجرد ملف إداري يدار بالصفقات الجاهزة والمنطق البرامجي.
عندما يقع الوزير في ورطة
ولم تعد القضية تتعلق بالسياسة فحسب، بل بمن سيديرها. وعندما يغيب الحس السياسي وتحل محله البراغماتية القاسية، يصبح الوزراء جزءاً من الأزمة وليس جزءاً من الحل.
هل ما زال هناك أمل؟
التعليم المغربي لا يحتاج إلى مسكنات، بل إلى صدمة إصلاحية حقيقية. تأثير يبدأ باستعادة مكانة المدارس العامة، وينتقل عبر الإصلاحات الأساسية في التعليم، وينتهي بالإرادة السياسية لوضع الناس في مركز السياسة. إن الاستمرار على نفس النهج هو ببساطة إعلان قبول غير مباشر لاختفاء المدارس.









