بين المواطنة والحدود والذاكرة
المقدم: هل المواطنون المغاربة خارج التراب الوطني؟
تمثل سبتة ومليلية حالة استثنائية في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية. ولا يرجع ذلك فقط إلى الخلافات على السيادة، ولكن أيضًا إلى أن المدينتين تستضيفان سكانًا من أصل مغربي أو تربطهما علاقات عائلية وثقافية ودينية واقتصادية وثيقة مع المغرب. ومن هنا تبرز أسئلة تتجاوز الجغرافيا والسياسة الخارجية إلى جوهر مفاهيم القومية والمواطنة والهوية. هكذا تنظر الدولة المغربية إلى مغاربة سبتة ومليلية. كيف ينظرون إلى الدولة المغربية؟ فهل يكفي الشعور بالانتماء التاريخي والثقافي لتوليد شعور متماسك بالانتماء السياسي؟
والمسألة هنا لا تتعلق فقط بوجود “المغاربة” في مدينتين تحت الحكم الإسباني، بل تتعلق بمستويات متعددة من الانتماء. يمكن للأفراد أن يقيموا روابط عائلية وثقافية ودينية مع المغرب أثناء إقامتهم ضمن الأنظمة القانونية والإدارية والتعليمية والاقتصادية في إسبانيا.
ولذلك أصبحت سبتة ومليلية مختبرات مهمة لدراسة العلاقة بين الأمة والهوية والمواطنة والحدود.
أولا، العلاقة بين الجغرافيا والذاكرة في المغرب. تاريخياً، اعتبر المغرب سبتة ومليلية جزءاً من الأراضي المغربية، التي تم تقسيمها خلال الفترة الاستعمارية، لكن هذه الملكية لا يتشكلها التاريخ وحده. وتتشكل الهويات الجماعية أيضًا من خلال شبكات الأسرة، واللغة، والدين، والعادات، والذاكرة، والزواج، والتجارة، والهجرة. ولذلك فإن بعض سكان المدينتين من أصول مغربية تربطهم علاقات بالمغرب تتجاوز مسألة الجنسية القانونية.
ولذلك لا بد من التمييز بين ثلاثة أنواع من الانتماء:
1. الانتماء الإقليمي. وهذا ارتباط بما تعتبره الذاكرة السياسية والتاريخية حقولا مغربية.
2. الانتماء الثقافي الذي يتجلى في اللغة والعادات والدين والروابط الأسرية والذاكرة الاجتماعية.
3. الانتماء السياسي والقانوني. وهذا هو الأكثر تعقيدا فيما يتعلق بالجنسية والدولة التي توفر الحقوق والخدمات والحماية القانونية والمؤسسات.
هذه المستويات لا تتحرك بالضرورة في نفس الاتجاه.
ثانياً: الهوية المغربية في سبتة ومليلية. وتكمن خصوصية هاتين المدينتين في أن هويتهما المغربية لا تختفي عندما تنتقلان إلى الفضاء السياسي والإداري الإسباني. بل يمكن للهويات أن تتحول إلى هويات مزدوجة أو معقدة. الفرد هو:
عائلتي مغربية. وهي مرتبطة ثقافيا ودينيا بالمغرب. إسبانيا حسب الجنسية أو الإقامة القانونية.
وتم دمجها في المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والإدارية في إسبانيا. وهذا سيسمح لنا بتجاوز التصور التقليدي للهوية كخيار ثنائي بين “المغرب” و”إسبانيا”. بل إن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدا. وبالتالي فإن مسألة الهوية في سبتة ومليلية هي في الحقيقة مسألة:
كيف يمكن للفرد أن ينتمي إلى مكانين في نفس الوقت دون أن يرى في ذلك تناقضا؟ لذلك يمكننا أن نتحدث عن الهوية الحدودية. تتشكل كل هوية عند التقاء بلدين، وثقافتين، واقتصادين، وذاكرتين.
ثالثا، الدولة المغربية ومغاربة سبتة ومليلية، وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية. ولا يمكن للدولة المغربية أن تعامل سكان المدينتين كجزء من سيادتها فقط. وذلك لأنهم مجموعة بشرية لها اهتمامات يومية واحتياجات اجتماعية واقتصادية وثقافية. ولذلك فإن السياسة المغربية تجاه سبتة ومليلية يجب أن تجمع بين مستويين. الأول هو السيادة والوحدة الترابية، وهو المستوى المرتبط بموقف المغرب السياسي فيما يتعلق بوضع المدينتين. ثانياً: الإنسان والمجتمع. وهذا يعني الاهتمام بالأفراد والأسر والروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تربط بين المدينتين المغربيتين. ولذلك فإن السؤال الأكثر إحراجا هو: هل يعتبر المغرب سكان سبتة ومليلية مجرد جزء من مسألة السيادة، أم كشعب أو مجموعة إنسانية لها حقوق ومصالح واحتياجات يجب أن يكون لها مكان في السياسة العامة المغربية؟
رابعا، من “القضايا الوطنية” إلى “القضايا الوطنية”. وفي هذا الصدد، ربما يكون أحد أهم التغييرات المطلوبة هو الانتقال من النهج الذي ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارها “قضايا إقليمية” فقط إلى نهج أكثر شمولاً يعتبرهما أيضاً “قضايا إنسانية واجتماعية”. ومن الممكن معالجة القضايا الإقليمية من خلال الدبلوماسية والسياسة الخارجية، ولكن القضايا السكانية تتطلب التواصل. ثقافة؛ تعليم؛ البحث العلمي;
وسائط؛ العلاقات الاجتماعية؛ حماية الذاكرة. فهم التغيير الديموغرافي. ومتابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن الدولة التي تريد حماية المجموعات البشرية وعلاقاتها مع بعضها البعض تحتاج إلى جعل هذه المجموعات تشعر بأن الدولة تراهم وتسمعهم وتهتم بهم.
إن الشعور بالانتماء لا يأتي من النقاش السياسي فحسب، بل من الشعور بأن لديك أمة تهتم بك.
خامسا، مسألة “المصلحة” في المغرب. قد يكون الشخص مرتبطا عاطفيا بالمغرب، لكنه في نفس الوقت قد يطرح أسئلة عملية ولكن مهمة جدا: ماذا يمكن أن يقدم لي المغرب؟ الهوية التي لا يمكن ترجمتها إلى اتصالات ومؤسسات وثقافة وتعليم واهتمامات يومية وما إلى ذلك، يمكن أن تصبح تدريجياً مجرد ذاكرة عائلية. وبالتالي، فإن قوة الروابط مع المغرب لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يحملون اسمًا مغربيًا، أو يتحدثون العربية أو الأمازيغية، أو المرتبطين بعائلات مغربية، ولكن أيضًا بمدى استمرار الشعور بالانتماء عبر الأجيال. وهنا تكمن إحدى أخطر مشاكل المستقبل. إذا كان الجيل الأول يحتفظ بذكريات قوية عن المغرب، فماذا يحدث للجيل الثاني والثالث والرابع؟ هل تنتقل الذكريات تلقائيا أم نحتاج إلى مؤسسات وبرامج وسياسات للحفاظ عليها؟
رقم 6: الجيل الجديد ومعركة الهوية. ولعل الشباب هم الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. ويعيش الجيل الجديد في سبتة ومليلية ضمن الأنظمة التعليمية والإعلامية والإدارية في إسبانيا، ويستهلك الثقافة الرقمية العالمية ويتفاعل يوميا مع مؤسسات الدولة الإسبانية.
وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يحافظ على الروابط العائلية والثقافية والدينية مع المغرب. وهذا يعني أن الهوية المغربية قد تتحول بالنسبة لبعض الشباب من هوية سياسية مباشرة إلى هوية ثقافية وعائلية وذاكرة جماعية. فهل لدى المغرب سياسة ثقافية وتواصلية قادرة على استيعاب هذا الجيل الجديد؟ وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الدولة تصل إلى مواطنيها عبر القنوات الرسمية فقط، بل أصبح التنافس على الذاكرة والهوية يدور في المجالات التالية:
مدرسة. وسائط؛ وسائل التواصل الاجتماعي. الثقافة الشعبية. سينما؛ الرياضة. لغة. والفضاء الرقمي.
سابعا: الحدود هي أكثر من مجرد حدود جغرافية. تقدم سبتة ومليلية أمثلة واضحة على أن الحدود الحديثة لا تمنع بالضرورة استمرار العلاقات الاجتماعية. قد تكون الحدود السياسية واضحة، لكن الحدود الاجتماعية والثقافية تظل مائعة. الأسرة، والتجارة، والزواج المختلط، والزيارة، واللغة، والدين، والذاكرة، وحتى الحياة اليومية، كلها يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية. وهذا يجعل المدينتين جزءا من الفضاء الحدودي المغربي الإسباني المعقد. ومن هنا يأتي المفهوم.
“المواطنة عبر الوطنية” هي مفهوم يسمح بدراسة العلاقة بين الأفراد والدول عندما تكون روابطهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية أوسع من أراضي الدولة نفسها.
رقم 8: هل الانتماء مسألة قانونية أم عاطفة؟ تقليديا، يرتبط الانتماء بالجنسية. ومع ذلك، يُظهر علم الاجتماع السياسي أنه يمكن للناس أن يكون لديهم دوائر متعددة من الانتماءات. قد يكون مواطنًا إسبانيًا من الناحية القانونية، ومغربيًا ثقافيًا، ومن شمال البحر الأبيض المتوسط اجتماعيًا، وأوروبيًا اقتصاديًا. ليس هناك ضرورة منطقية لدورة واحدة لإلغاء الأخرى. ولذلك، فإن الدولة المغربية بحاجة إلى تطوير مفهوم أكثر مرونة للانتماء.
وهذه المقامرة لا تجبر بالضرورة سكان سبتة ومليلية على الاختيار بين هويتين، بل تهدف إلى الحفاظ على متانة الروابط المغربية ضمن هوية مركبة.
المركز التاسع: المغرب وإسبانيا.. من الخلافات على السيادة إلى إدارة الذاكرة. إن القضية بين سبتة ومليلية تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية. إنها أيضًا معركة مع الذاكرة.
للمغرب قصة تاريخية عن مدينتين، أما إسبانيا فلها قصة تاريخية وسياسية مختلفة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الذاكرة أداة سياسية.
لكن الأسئلة التي يجب أن يطرحها المغاربة هي:
فهل يمتلك المغرب استراتيجية علمية ومؤسسية لدراسة ذكريات سبتة ومليلية وساكنيهما؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى برامج بحثية جامعية متخصصة في المجالات التالية: التغيرات الديموغرافية. الهوية والذاكرة.
العلاقات بين المغرب وإسبانيا. المجتمعات الحدودية
اقتصاد الحدود. الهجرة والتنقل. والسياسة الثقافية.
الحلقة 10: نحو سياسة مغربية جديدة تجاه مغاربة سبتة ومليلية. تحتاج السياسة المغربية إلى التحول من “سياسة المطالب” إلى “سياسة المطالب والمعانقات”.
أي المجموعات التالية:
الأول هو حماية حقوق وسيادة الدول.
ثانيا، بناء سياسة إنسانية وثقافية للأشخاص الذين لهم علاقات بالمغرب.
ثالثا، إنشاء قنوات تنظيمية للحوار والتواصل.
رابعا، سندعم البحث العلمي في المجتمعين المحليين.
خامساً: تطوير البرامج الثقافية والتعليمية للأجيال الجديدة.
سادسا: الاستثمار في الدبلوماسية الثقافية والإعلامية.
سابعا، دراسة احتياجات الناس بعيدا عن العمل السياسي الظرفي.
فالسياسة الذكية لا تنتظر لحظات الأزمة حتى تتذكر سبتة ومليلية، بل تعمل على بناء علاقات مستمرة وطويلة الأمد.
المركز 11: سبتة ومليلية اختبار للأمة المغربية،
ويمكن النظر إلى المدينتين على أنهما اختباران لثلاثة مفاهيم أساسية:
1. اختبار مفهوم السيادة: هل تستطيع الدول الحفاظ على نزاعاتها الإقليمية التاريخية من خلال سياسات طويلة المدى تتجاوز مجرد ردود الفعل؟
2. اختبار مفهوم المواطنة: كيف تتعامل الدول مع المجموعات البشرية المرتبطة بالدولة ثقافيا وتاريخيا ولكنها تتواجد خارج سيادتها الإقليمية المباشرة؟
3. اختبار مفهوم الهوية: هل يمكن للهوية المغربية أن تستمر خارج الحدود السياسية للمغرب؟
الإجابات على هذه الأسئلة لا تحددها الشعارات، بل تحددها قدرة المؤسسات المغربية على جعل الروابط مع المغرب حية وفعالة ومفيدة وذات معنى للأجيال الجديدة.
الخلاصة: من “الانتماء الموروث” إلى “الانتماء الجديد”، فإن مستقبل العلاقة بين مغاربة سبتة ومليلية والدولة المغربية لن يتحدد فقط بما تقوله الوثائق التاريخية أو ما يقوله الخطاب السياسي، ولكن أيضا بما يمكن للدولة والمجتمع المغربي أن يبنيه من روابطهما الإنسانية والثقافية والمؤسسية. يستطيع التاريخ أن يؤسس للانتماء، لكن التاريخ وحده لا يستطيع أن يحافظ عليه. تنتقل الهوية من الآباء إلى الأبناء، لكن هذا يتطلب مؤسسات وذكريات وثقافة. أما بالنسبة للاهتمام، فالسؤال الحقيقي ليس فقط “هل سبتة ومليلية مغربيتان؟”، لأن هذا ربما يكون العامل الأكثر حسما. بل “كيف يحافظ المغرب على الشعور لدى شعوبه بأن للمغرب بعض الأهمية في حياتهم، في الحاضر، وفي المستقبل؟”
#العلاقات #بين #مغاربة #سبتة #ومليلية #والدولة #المغربية. #قضايا #الانتماء #والهوية #والمصالح









