في كل سنة يقف وزير التربية الوطنية أمام البرلمان ويقدم عرضا مفصلا عن ميزانية قطاع التربية. في كل عام، تنمو الأرقام المالية، مما يؤكد أهمية التعليم في استراتيجية الدولة، والعروض التقديمية مليئة بالنتائج الكمية وتحديثات الالتحاق بالمدارس. لكن خلف هذا المشهد الرقمي المشرق، انكشفت ارتباك استراتيجي عميق، كاشفاً أن بوصلة النظام في معرفة المسار الذي يجب أن يسلكه انكسرت.
إن المواءمة شبه المثالية لمقترحات ميزانية التعليم الوطني والتعليم الابتدائي لعامي 2026 و2027، رغم اختلاف المرجعيات الحكومية للوزيرين المشرفين على هذا القطاع، تقدم دليلا قاطعا على أن تسيير شؤون التعليم المغربي خضعت لعملية توحيد تكنوقراطية، مما ترك سياسة التعليم المشرعة فارغة. واستندت حكومتا أكانوش والمنصوري في رؤيتهما إلى أنقاض الإطار القانوني 51.17، الذي لم يرد ذكره على الإطلاق في أي من الوثيقتين، واختارتا الاعتماد على إدارة المشاريع المعزولة. وهذا ما يفسر كيف تحول مقترح الوزير الجديد إلى مجرد تحديث رقمي لاقتراح الوزير السابق. يكشف هذا التحديد المطلق عن اختلالات النظام التي تفسر الحالة الصعبة التي يعيشها نظام التعليم في البلاد والتي يمكن تفكيكها من خلال مجموعة من الأساليب.
أولاً: التغيرات في المعايير بين “نموذج التنمية” و”القانون الإطار 51.17″.
إن جوهر الأزمة يكمن في التدخل الاستراتيجي الناتج عن نموذج التنمية الجديد مع المعايير التشريعية الأصلية. هذه الازدواجية أدت إلى خطأ استراتيجي في «خارطة الطريق 2022-2026». وكانت خارطة الطريق هذه في الأصل خطة قطاعية ترجمت البرنامج الحكومي السابق 2021-2026 على حساب الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطاري الذي شكل ترجمتها القانونية، مفضلة الاعتماد على نموذج تنموي. ويبدو أن الحكومة الجديدة التي وعدت بتغيير الاتجاه، اختارت أن ترث هذه الخارطة وتعتمدها بالكامل من عرض الوزير أمام البرلمان، خاصة وأن برنامج الحكومة 2026-2031 نفسه اكتفت بالنموذج التنموي وأهملت الرجوع إلى القانون الإطار 51.17 كمرجع تنظيمي.
وبعيداً عن مسألة المرجعية إلى المضمون، فإن المقارنة بين الخطة الحكومية والقانون الإطار تكشف عن ثغرات جوهرية، إذ تفتقر إلى أحكام مهمة جداً تشكل جوهر الإصلاحات المنشودة، مثل:
1. استقلال المؤسسات التعليمية: ينص القانون الإطار على إرساء استقلالية المؤسسات التعليمية والتدريبية من خلال اعتماد “مشروع المؤسسة التعليمية” كأساس لتطويرها وتشغيلها بفعالية. وهذا الاستقلال لا يشكل ترفاً إدارياً، بل هو شرط لتحويل المدارس من منفذ مركزي للتعليم إلى وكيل تعليمي. لكن خطة الحكومة لم تذكر هذا المبدأ. بل على العكس من ذلك، فقد نصت على تعميم المدارس الرائدة التي أسست للسيطرة العمودية المباشرة من المركز.
2. إطار معايير الجودة: أنشأ القانون إطارًا هرميًا من مستويين (المواد من 53 إلى 56): “إطار معايير الجودة” للتقييم المنهجي لنظام التعليم والتدريب و”الدليل المرجعي لمعايير الجودة” لتقييم مكونات النظام. ويضمن هذا الإطار التقييم العلمي والمنتظم. لكن هذا الإطار لم يعتمده البرنامج الحكومي واعتبر تراجعا واضحا عن اتجاه القانون الإطار، حيث أنه اكتفى بإنشاء نظام رقمي وطني لقياس جودة كل مؤسسة تعليمية، يتماشى بشكل واضح مع تجربة “علامة الجودة” المرتبطة بالمدارس القيادية، والعلامة هي أداة لتمييز مؤسسة تعليمية عن أخرى، وليست بديلا عن نظام وطني إلزامي لضمان الجودة يشمل النظام بأكمله.
3. النموذج التعليمي: دعا القانون الإطاري إلى نموذج تعليمي يعزز الحساسيات النقدية والمواطنة. وهذا يتطلب تمكين المعلمين من خلال التدريب الأساسي والمستمر والالتزام بمتطلبات ممارسة الاستقلال التربوي المسؤول. ومن ناحية أخرى، فإن البرنامج الحكومي، رغم ما يتضمنه من بنود مهمة فيما يتعلق بتنمية الموارد البشرية وتقييم مهنة التدريس، إلا أنه لا يقدم أي شيء لتعزيز هذا الاتجاه للاستقلالية. بل إن اعتماد نموذج مدرسة القيادة أدى وسيؤدي إلى العكس: المعلمون الذين يمارسون نموذج التدريس الراسخ بدلاً من الباحثين والمعلمين المبتكرين، وسيستمرون في القيام بذلك. وفيما يتعلق بمسألة تعليم اللغة، تراجع الأداء العلمي للمغرب في صحيفة التايمز بشكل ملحوظ عندما تحول إلى التدريس باللغة الفرنسية، مما كلف نظام التعليم قدرا كبيرا من المال ومع ذلك تم تجاهله تماما من قبل البرامج الحكومية.
ثانياً، أزمة إعادة إنتاج الخطط والإجراءات الإستراتيجية
إن أخطر ما يؤثر على عرض موازنة قطاع التعليم لعام 2027 هو عدم وجود خطة قطاعية جديدة. إن خارطة الطريق 2022-2026 هي خطة تنفيذ كان من المفترض أن تنتهي صلاحيتها. لكن الحكومة الجديدة لم تقدم بعد خطة جديدة. بل هناك تمديد ضمني لخارطة الطريق لتشمل الفترة 2026-2031، دون أي إعلان سياسي واضح. وهذا يقودنا إلى مشكلة التخطيط الاستراتيجي. كيف يمكن للإدارات تقديم موازنات لعام 2027 دون وجود خطط إدارية محددة بوضوح؟ ومن دون خطة، تصبح الموازنة مجرد أداة لتخصيص الأموال، وليست أداة لتوجيه الأولويات والنتائج في سياق البرامج الحكومية التي نادراً ما تستخدم لغة الأرقام.
إن التطابق بين عرض الوزير برادة في 5 نوفمبر 2025 وعرض الوزير بن عبد الله في 3 نوفمبر 2026، متسق ليس فقط من حيث الخطاب ولكن أيضا من حيث المضمون. ويتشابه هيكل ميزانية عام 2027 مع هيكل عام 2026، مع استمرار انخفاض الميزانية الاستثمارية (من 6.35 مليار درهم إلى 6.08 مليار درهم، بنسبة -4%)، مع تضخم هائل في فاتورة الأجور يتماشى مع أداء المؤسسات الأساسية التي ورثتها الحكومة الحالية عن الحكومة السابقة. وعلى الرغم من وعد الحكومة بتغيير المسار كلما لزم الأمر، إلا أن نفس السياسات التي كانت تتبع في عهد الوزير السابق مستمرة.
ثالثاً: مقارنة تفصيلية للعروض لعامي 2026 و2027
وتكشف المقارنة الدقيقة بين العرضين عن استمرارية المنطق التكنوقراطي مع تغييرات شكلية لا تمس الجوهر.
· الميزانية والاستثمار: ارتفع إجمالي الميزانية من 102 مليار درهم إلى 106.95 مليار درهم. ومع ذلك، وللمفارقة، انخفضت الميزانية الاستثمارية (تخصيص الأداء) بنسبة 4% (من 6.35 مليار درهم إلى 6.08 مليار درهم). كيف يمكننا بناء تعليم جيد في مواجهة تراجع الاستثمار؟
· الموارد البشرية: سيتم توفير 20 ألف وظيفة في عام 2026، وفي عام 2027 سينخفض هذا العدد إلى 15590 وظيفة. والواقع أن وزير التربية الوطنية، قبل توليه الوزارة، اعتبر أن من أولوياته رفع وتيرة التشغيل في هذا القطاع. وعلى الرغم من أهمية الكمية، إلا أن مسألة الجودة لا تزال ذات صلة بكيفية تحسين عملية تدريب المعلمين، حيث لا يوجد التحسين النوعي للموارد البشرية، والذي يقتصر على عدد التعيينات.
· المدارس الثانوية المؤهلة: على الرغم من كونها محوراً أساسياً للبرامج الحكومية، إلا أنها تكاد تكون غائبة تماماً عن عرض عام 2027. وبقي الاقتراح مقتصرا على المقاربة الكمية (بناء 67 مدرسة ثانوية وتقليص الاكتظاظ إلى 7%) دون أي التزام بإصلاح تعليمي حقيقي في هذا القطاع الذي يمثل همزة الوصل بين التعليم المدرسي والتعليم العالي.
رابعاً: عدم الالتزام الصارم بالإصلاح
أما الالتزامات التي لا يمكن إصلاحها بدونها، فهي إما لم يتم تضمينها في مشروع قانون الموازنة على الإطلاق أو تم حلها في بنود الموازنة الجافة. وهنا يكمن الخطر، فهذه الجهود هي جوهر الإصلاح. وفي إطار تفعيل المشاريع الإستراتيجية لإصلاح منظومة التعليم، تم التركيز على تفعيل دور اللجنة الدائمة لإبتكار وتطويع المناهج والبرامج. وذلك لأن الإطار المؤسسي الذي يرافق هذا التحول هو الذي يوجهه ويضمن استمراريته. خاصة وأن البرنامج الحكومي وعد بمراجعة البرامج الأكاديمية وتقليصها وإعادة تنظيم محتواها حسب الأولويات قبل بدء الدراسة عام 2027/202. بل وعد بإصدار دليل وطني للكفايات الأساسية في التعليم الابتدائي في غضون ستة أشهر، لكن هذا الوعد، مثل الوعود السابقة، لم ينعكس في عرض وزير التربية الوطنية.
وفي هذا السياق، تعهدت الحكومة بمواصلة تطوير وتوسيع نموذج “المؤسسات التعليمية” المرتبط بالتقييم الدقيق للبيداغوجيا المنبثق عن التجربة من أجل قياس أثرها الحقيقي على مستويات التعلم، وهو ما لم يظهر أيضا في عرض الوزير.
خامسًا، أربع مفارقات رئيسية يجب أن تكون على دراية بها.
إذا أردنا تحقيق إصلاح حقيقي ومستدام لنظامنا التعليمي، فنحن بحاجة إلى رصد أوجه القصور الهيكلية الرئيسية التي تتجلى في أربعة تناقضات رئيسية:
1. نقص التمويل والتأثير على التعلم: تؤدي الزيادة المستمرة في ميزانيات التعليم المطلوبة والنتائج الضعيفة لتقييمات الأداء الأكاديمي للطلاب، على المستويين الوطني والدولي، إلى خلق قضايا الكفاءة العامة التي تشكل أحد مكونات الحقائب الوزارية للحكومة الجديدة. ولا تكمن المشكلة الحقيقية في المبالغ الكبيرة من التمويل، بل في الافتقار إلى البحوث المؤثرة التي تربط هذا المبلغ الضخم من الإنفاق بتحسين الربحية الداخلية للمدارس العامة. ولذلك حان الوقت للانتقال من منطق «إنفاق الميزانية» إلى منطق «تحقيق الجودة».
2. التعميم المتسرع لمؤسسات تعليم ريادة الأعمال دون تقييم مستقل: يمثل الارتفاع السريع في تغطية “مؤسسات تعليم ريادة الأعمال” إلى 80% في المدارس الابتدائية و50% في المدارس الثانوية انزلاقًا من الإصلاح النوعي إلى الإنجاز الرقمي. وقد تم هذا التعميم السريع دون إخضاع النموذج للتقييم المؤسسي الخارجي المستقل، الذي يشرف عليه المجلس الأعلى للبحث العلمي في التعليم والتدريب. إن الاعتماد على الأساليب العلاجية مثل (TaRL) أو الحصول على المعدات الرقمية ليس بديلاً عن إصلاح شامل للمناهج والتدريب الأساسي للتدريس، ويخاطر بتحويل “القيادة” إلى مجرد طفل ملصق، يفتقر إلى شروط الإصلاح المحددة في الرؤية الاستراتيجية والمنصوص عليها في القانون الإطاري.
3. مخاطر التعليم الابتدائي والمؤشرات الكمية: إن استهداف معدل الالتحاق بحوالي 90% للعام الدراسي الحالي 2026-2027 يشكل خطراً حقيقياً، وعلينا أولاً أن ندقق في الأرقام المنشورة المليئة بالغموض. وتظهر الأرقام الرسمية للوزارة، والتي أكدها المجلس الأعلى أيضا، أن نسبة الالتحاق للعام 2024-2025 تبلغ 70.4%، في حين أن الرقم الذي قدمه بن عبد الله إلى البرلمان هو 75.8%، بفارق يزيد عن 5 نقاط. وبحسب تعداد 2024، فإن عدد المعلمين الذين تم تسريحهم في 2025-2026 يظهر أن نسبة المعلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 4-5 سنوات لن تتجاوز 75%. ومن ناحية أخرى، فإن عدم دمج الإطار التربوي في التعليم الابتدائي في نظام أساسي موحد قد يسبب مشاكل جدية في إدارة هذه المرحلة المهمة، وبقائها بشكل واضح تحت سيطرة منظمات المجتمع المدني، مما يديم هشاشة الوضعية المهنية للمربيات ويعمق الفوارق الجهوية. خاصة في العالم الريفي، من حيث جودة التأطير. علماً بأن التطبيق العملي للقانون الإطار يتطلب التكامل العضوي والمالي المباشر تحت المسؤولية الوطنية.
4. الحد من المعالجة الكمية للنفايات المدرسية: إن الترويج لهدف القضاء على التسرب من المدارس يحتوي على طموحات لا يمكن تفسيرها والتي نتوقع الآن عدم تحقيقها. والأعداد المسجلة في الدول المتقدمة، التي فشلت في تحقيق هذا الهدف رغم قدرتها، كافية لتبرير هذا التوقع، ففي دول مثل كوريا الجنوبية وألمانيا وكندا، يتراوح عدد الأطفال خارج المدرسة من 100 ألف إلى 350 ألفاً. أما بالنسبة للمغرب، حيث يعتبر انخفاض الكفاءة في التعليم الأساسي السبب الجذري الأول للهدر المدرسي، فإن الادعاءات بالقضاء التام على الهدر المدرسي في غضون أربع سنوات ليست أكثر من مجرد أمنيات سياسية بعيدة كل البعد عن الواقع.
الخاتمة: انتصار النظام التكنوقراطي على الرؤية السياسية
وحقيقة أن الوزير الجديد قدم نفس العرض الذي قدمه سلفه تقريبا، تؤكد أن الفاعل الحقيقي في قطاع التربية الوطنية ليس فاعلا سياسيا، بل نظام تكنوقراط مركزي يسيطر على وزراء الوزارات. إنه نظام ينتج نفس الوثائق، ويصمم نفس الهندسة المالية، ويعيد إنتاج نفس المؤشرات الكمية، معزولاً عن أي تغيير في اللون السياسي للحكومة، ومعزولاً تماماً عن التوجهات الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتعليم والتدريب.
إن نظام التعليم عالق في حلقة مفرغة، حيث يتغير الوزراء وتستمر آلة الميزانية في تقديم نفس النتائج استنادا إلى الأوهام الرقمية، في حين تظل الربحية الداخلية للمدارس العامة، والعدالة الأكاديمية، والجودة الحقيقية للتعليم مؤجلة حتى يستعيد القانون الإطاري مكانته باعتباره البوصلة الوحيدة للإصلاح. التحدي الحقيقي الذي يواجه هذه الحكومة ليس زيادة الموازنة أو إضافة المزيد من أقسام التدريب المهني أو مكافحة الهدر في المدارس. بل ينبغي الخروج من الارتباك الاستراتيجي من خلال إصلاح القانون الإطاري رقم 51.17، وتحريره من رقابة “خرائط الطريق”، وإخضاع جميع البرامج، بما في ذلك القيادة والتعليم الابتدائي، لتقييم مؤسسي مستقل، وربط الميزانيات بالتأثير على التعلم، والانتقال من “التقليد” إلى “الابتكار التربوي”.
مراجعة موازنة التعليم وإعادة إنتاج خارطة الطريق والابتعاد عن الإطار القانوني
يُذكر أنه تم اليوم طرح مواضيع تتعلق بموازنة التعليم وازدواجية خارطة الطريق والانحرافات عن القانون الإطار ( ) متوفر في اليوم 24 (المغرب) لقد تم التحقق من صحتها من قبل قسم التحرير في Press Bee، ومن الممكن أن يكون قد تم تعديلها أو إعادة توجيهها أو اقتباسها بالكامل. يمكنك قراءة ومتابعة التحديثات حول هذه الأخبار والموضوعات من المصادر الأولية.
مزيد من المعلومات من المصدر – اضغط هنا
وفي الختام يسعدنا أن نقدم لكم التفاصيل والمعلومات من موقع Pressbee. الميزانيات التعليمية: إعادة إنتاج خارطة الطريق والانحرافات عن القانون الإطار.

آخر التحديثات :
أيضا على الموقع:









