مأساة عائلية وقعت مساء أمس الاثنين 2 تشرين الثاني/نوفمبر في منطقة تابلكت بمدينة صالح، انتهت بوفاة أم وطفليها أحدهما رضيع والآخر طفل مصاب باضطراب طيف التوحد، داخل منزلهم، مما صدم الرأي العام. ورغم أن السلطات الأمنية أطلقت تحقيقا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة المختصة من أجل توضيح تاريخ الحادثة وملابساتها، إلا أن هذه المأساة تتجاوز الحادثة نفسها، وتدفع إلى الواجهة قضايا تتعلق بواقع الصحة النفسية في المغرب ومدى قدرة النظام الصحي على الوقاية والكشف المبكر والاستجابة للحوادث التي تتطلب مساعدة مهنية.
القضية يجب أن تنتظر نتيجة التحقيق ولا داعي لانتظار كشف الدافع، لكنها تضع ملف الصحة النفسية أمام اختبارات جديدة، خاصة أن التقارير الرسمية الصادرة في السنوات الأخيرة لم تخف حجم التفاوت الذي يدركه القطاع، بما في ذلك انتشار الاضطرابات النفسية، وضعف المستلزمات الطبية المتخصصة، وغياب خدمات الوقاية والتشخيص المبكر.
أرقام صادمة: الفجوة بين الاحتياجات والقدرات
وفي هذا الصدد، وبحسب البيانات التي سبق أن نشرتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية: 17 بالمئة تشير التقديرات المستندة إلى الأبحاث حول العبء العالمي للمرض إلى أن 80 مغربيا يعانون من مشاكل في الصحة العقلية، في حين تظهر بيانات الدراسات الوطنية القديمة التي أجريت بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ما يلي: 48.9% وكان الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فما فوق والذين شاركوا في الدراسة يعانون من مرض عقلي واحد سابق على الأقل.
ولهذه الأرقام أهمية خاصة نظرا للحاجة المتزايدة إلى خدمات الصحة العقلية، مقارنة بمحدودية توافرها. ووفقا للبيانات التي أفاد بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن النظام الوطني لديه عدد محدود من المستشفيات، في حين أن الموظفين المتخصصين وأسرة المستشفيات المخصصة للعلاج لا يزالون أقل من مستوى الاحتياجات المسجلة.
“أقل من 20 بالمئة من المراكز الصحية قدمت خدمات متعلقة بالصحة النفسية خلال عام 2022، رغم أنه من المفترض أن تشكل هذه المراكز خط الدفاع الأول لرصد الاضطرابات النفسية وتوجيهها للعلاج”.
وتتجاوز الاختلالات الأرقام المتعلقة بالأطباء وأسرة المستشفيات: فقد كشف تقريرا المجلس الأعلى للحسابات العامة لعامي 2023 و2024، المنشورين في الجريدة الرسمية في ديسمبر 2024، عن المزيد من أوجه القصور المتعلقة بالوقاية والتدخل المبكر.
وبحسب التقرير نفسه، مكنت هذه الخدمات من تشخيص أكثر من 38 ألف شخص يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية. إلا أن المجلس لاحظ أن مساهمة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية في هذا المجال لا تزال محدودة، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة النظام على الاستجابة للحالات التي لا تصل إلى المؤسسات الاستشفائية المتخصصة أو التي لا تملك أسرها المعرفة أو الوسائل اللازمة لطلب المساعدة.
وفي السياق نفسه، لاحظ قضاة المجلس أنه بالإضافة إلى عدم وجود استراتيجية اتصال شاملة تساهم في تعريف الاضطرابات النفسية وتشجع على طلب العلاج دون خوف من الوصمة الاجتماعية، فإن ضعف المعرفة العامة حول الأمراض العقلية والقوالب النمطية المرتبطة بها، فضلاً عن المساهمة المحدودة للمهنيين الصحيين غير المتخصصين في الكشف المبكر، تساهم أيضًا في تعقيد الوضع.
منع الانتحار…أسئلة التخطيط والتنفيذ الورقية
البيانات الأكثر إثارة للإعجاب في تقرير المجلس الأعلى للحسابات العامة تتعلق بملفات الوقاية من الانتحار وعلاج الأزمات النفسية. ويشير التقرير إلى أن الإدارة لم يكن لديها خطة عمل وقائية خاصة بالصدمات النفسية أثناء الأزمات وحالات الطوارئ والكوارث. كما بينت أن استراتيجيات الوقاية من الانتحار الواردة في الخطة الصحية 2025 لم تترجم إلى خطة متكاملة ومعتمدة، على الرغم من الانتهاء من الدراسة التحليلية في عام 2019.
والأهم من ذلك، كشف التقرير أن وزارة الصحة قالت في ردها إنها وضعت خطة استراتيجية للوقاية من الانتحار في عام 2022، إلا أن هذه الخطة لم يتم الإعلان عنها حتى وقت كتابة التقرير، على الرغم من بدء تنفيذ بعض إجراءات الوزارة، بما في ذلك برنامج سد فجوة الصحة النفسية (المختصر باسم منع الانتحار). com.mhGAPبرامج تنمية المهارات النفسية والاجتماعية للمراهقين والشباب في المؤسسات التعليمية.
كما لاحظ المجلس أن هناك محدودية في دمج فحص الاضطرابات النفسية في برامج الصحة المدرسية، مع بقاء الاختبارات تركز بشكل أساسي على الجوانب الجسدية، ونقص الأدوات المتاحة للأطباء للكشف عن المؤشرات النفسية لدى الطلاب.
وبعيدًا عن مجرد توثيق أوجه القصور في الهياكل والمعدات، تكشف هذه الملاحظات عن قضايا أعمق تتعلق بمدى وجود الوقاية النفسية داخل نظام الرعاية الصحية وقدرته على الانتقال من منطق قبول الحالات فقط بعد تدهور الأوضاع إلى منطق المراقبة والتدخل والمتابعة المبكرة.
جزيرة جيجو تواجه إرثًا ثقيلًا.. ما الذي سيتغير في المرحلة الجديدة؟
تضع هذه البيانات وزير الصحة والحماية الاجتماعية الجديد. يونس فيجوويواجه تحديات ثقيلة ورثها عن النظام السابق، خاصة أن توليه هذا المنصب في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026 يتزامن مع بدء مرحلة حكومية جديدة بقيادة فاطمة الزراعة المنصوري، والتي من المفترض أن تقدم إجابات واقعية على الاختلالات التي وثقتها تقارير القطاع العام منذ سنوات.
وفي أبريل 2025، أعلن الوزير السابق أمين الطروي عن البدء في وضع استراتيجية وطنية للصحة النفسية والعقلية خلال اجتماع للجنة الاستشارية، مبرزا أن الوزارة تعكف على مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي وتعمل على تطوير بروتوكولات علاجية للاضطرابات ذات الأولوية.
| الفئة المهنية المتخصصة | القطاع العام | القطاع الخاص |
|---|---|---|
| دكتور متخصص في الطب النفسي | 319 | 274 |
| طبيب نفساني طفل | 62 | 14 |
| ممرضة الصحة العقلية | 1700 | – |
وكشف الطهراوي في عرضه أمام المجلس التشريعي، أن إجمالي الكادر المهني سيصل إلى 3230 مهنيا طبيا عام 2025. كما تحدث عن تخصيص 123 وظيفة مالية (34 للأطباء و89 للتمريض) في 2024-2025، وأعلن التوجه نحو تعميم خدمات الصحة النفسية المتكاملة في المستشفيات العامة.
لكن هذه الجهود تثير أسئلة جوهرية أمام الوزير الجديد. والسؤال هو: ما الذي حققته هذه البرامج فعلياً؟ فهل انتقلت الاستراتيجيات المعلنة إلى مرحلة التنفيذ على أرض الواقع أم أن القطاع يواصل مراكمة الإعلانات والتوعية في انتظار تقديم الخدمات التي يحتاجها السكان؟
ولا تقتصر احتياجات اليوم على زيادة عدد الأطباء النفسيين أو إنشاء مرافق استشفائية جديدة، بل تشمل أيضا تعزيز دور مراكز الصحة العامة، وإتاحة الخدمات النفسية للأسر، وتطوير آليات الإحالة، ومعالجة الحالات التي تتطلب متابعة مستمرة، بالإضافة إلى توفير فرق متخصصة للتدخل في الأزمات.
“مأساة صالح هي مجرد شجرة يمكن أن تكون مختبئة خلف غابة من الفوارق المتعلقة بالصحة النفسية والحماية الاجتماعية ورعاية الفئات الضعيفة، دون نتائج لا تفسر الأسباب أو السياق”.
وبالتالي تصبح هذه القضية فرصة لإعادة طرح الملف الذي كان موجوداً في التقارير الرسمية والبرلمانية، من دون أن تترجم كل التوصيات المعلنة بشأنها إلى خدمات ملموسة في حياة الناس.
وفي ظل الحكومة الجديدة، يشعر يونس بيجوجو أنه أمام فرصة لتحويل الملف من فئة الاستراتيجيات والوعود إلى ورشة صحية واجتماعية يمكن قياسها ومحاسبتها. وعلى وجه الخصوص، لا يمكن أن يظل منع الأزمات والكشف المبكر عنها وإدارتها رهينة لحدوث المآسي حتى تستعيد مكانتها في الخطاب العام.
#الصحة #النفسية #بالمغرب. #جزيرة #جيجو #تواجه #إرثا #ثقيلا #وتقرير #يكشف #عيوب #النظام #تحقيق









