كشف عبد الناصر ناجي، مدير مؤسسة مكان لجودة التعليم، عن التراجع الكارثي الذي تعيشه منظومة التعليم في المغرب، استنادا إلى نتائج البرنامج الدولي لتقييم إتقان المتعلم (PISA) 2025، التي صدرت صباح أمس الثلاثاء 8 سبتمبر 2026. ورأى ناجي أن هذه الاستنتاجات ليست مجرد أرقام باردة من التقارير الدولية، بل هي ضربة أخرى كشفت عمق المشاكل البنيوية. ورغم المنافسات الإصلاحية المتعاقبة، تواجه هذه الصناعة أزمة.
وصنف ناجي المغرب في مرتبة متدنية للغاية، بالقرب من أسفل الترتيب العالمي، استنادا إلى بيانات مسح شملت 6978 طالبا، يمثلون حوالي 535800 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 عاما، موزعين على 179 مؤسسة تعليمية. وتعد هذه التصنيفات بمثابة مؤشر إنذار لانهيار جودة التعليم في مرحلة التأهيل الإعدادي/الثانوي، الذي من المفترض أن يكون قمة الهرم التعليمي قبل الالتحاق بالجامعة أو دخول سوق العمل.
وأوضح المصدر في مقال تحليلي تلقته صحيفة أعماق، أن الأرقام الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تظهر تراجعا مقلقا وانهيارا مستمرا في جميع مجالات الاختبار، حيث بلغت درجات التلاميذ المغاربة في المواد العلمية متوسط 358 نقطة، بفارق يزيد على 127 نقطة، مقارنة بمتوسط 485 نقطة في الدول الأعضاء في المنظمة، و355 نقطة في الرياضيات، مقابل متوسط 472 نقطة. وبلغ الفارق 117 نقطة، ومتوسط الفهم القرائي 321 نقطة، بينما بلغ المتوسط للدول الأعضاء 476 نقطة، وهو فارق صادم يصل إلى 155 نقطة. ولم يتجاوز متوسط درجة حل المشكلات الحاسوبية 374 نقطة، وهو أحد المجالات التي تعكس القدرة على التفكير المنطقي والتحليلي، ويسلط الضوء على قصور كبير في تكوين عقل قادر على تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وأضاف رئيس الجمعية في المقال أن مؤشر “الحد الأدنى من القدرة”، الذي يقيس نسبة الطلاب الذين يمكنهم الوصول إلى المستوى الثاني فما فوق في كل مادة، يعتبر الأكثر إثارة للقلق والأخطر من بين هذه المعدلات المنخفضة. ويرجع هذا إلى أنه، مقارنة بـ 23% فقط في العلوم، و16% في الرياضيات، و13% فقط في القراءة، يتراوح هذا المعدل من 65 إلى 74% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يعني بعبارات مجردة أن أكثر من 7 من كل 10 طلاب يتسربون من المدرسة. مجال. فهم غير قادرين على فهم النصوص البسيطة، أو حل المسائل الحسابية الأولية، أو استنتاج العلاقات العلمية الأساسية، مبرزين أن هذا التدهور ليس حالة طارئة، بل هو استمرار مقارنة بعام 2018، عندما خسر المغرب 38 نقطة في القراءة، و19 نقطة في العلوم، و13 نقطة في الرياضيات. وهذا يدل على منحنى تنازلي حاد يثبت أن السياسات التعليمية المطبقة في السنوات الأخيرة هي المسؤولة عن هذا التدهور وغير قادرة على تحسين الأداء.
وقال خبراء التربية إنه إذا قرأوا النتائج بعناية وقارنوها بالسياسات على الأرض، فإن معظم اللوم في هذا الانهيار يقع على الحفاظ على نموذج “المدرسة الرائدة” الذي تراهن عليه وزارة التربية الوطنية منذ 2022. واستبعدوا أن تكون جائحة كورونا والظروف الاجتماعية هي السبب الوحيد، وأشاروا إلى أن التراجع الحاد في نتائج المدارس الإعدادية حسب المسوحات الدولية السابقة والانخفاض الحاد في نتائج الدورة الثانية بسبب نتائج “PISA” تزامنا في التوقيت. ركزت الوزارة جهودها المالية والتعليمية فقط على التعليم الابتدائي للحفاظ على المهارات الأساسية، مما أدى إلى العزلة ونقص التمويل وغياب الرؤية الإصلاحية بين المستويات العليا، وخلق انفصال بين المستويات التعليمية، والتأثير سلبًا على أداء الطلاب في الاختبارات الدولية التي تقيس القدرة التراكمية.
وأشار كاتبا المقال إلى مخاطر النهج البيداغوجي المعتمد في هذه المدارس، القائم على البيداغوجيا التعويضية والتدريس الصريح، الذي يحول الفصل الدراسي إلى فضاء للحفظ والتكرار، وهو نموذج يفرض نصوصا جاهزة يعدها البيروقراطيون على المعلمين، وهو ما يتناقض تماما مع مبدأ الاستقلال التربوي الذي كرسته الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار، ويقول إن هذا النهج يظهر أنه يكلف الأرواح. يؤدي التركيز على الإبداع من جانب كل من المعلمين والطلاب إلى ظهور طلاب لديهم القدرة على التكرار تلقائيًا ولكنهم غير قادرين على التفكير النقدي أو حل المشكلات المعقدة أو الإبداع. ويقاس ذلك في اختبار بيزا، الذي يحذر من أن التركيز فقط على المهارات الأساسية باستخدام تقنيات صارمة على حساب القدرات العليا يعد خطأ منهجيا جسيما وسيؤدي إلى المزيد من الإخفاقات في المستقبل عندما يصل طلاب مدارس القيادة إلى السن الذي يسمح لهم باجتياز هذا الاختبار الدولي، على الرغم من الاستثمارات الكبيرة المخصصة.
وشدد المتحدث على أن السياسة اللغوية التي تروج لها الوزارة هي العامل الأكثر تأثيرا وإهمالا في هذه الكارثة، وأنه ليس من قبيل الصدفة أن 87% من الطلاب الذين سيبلغون سن 15 عاما في عام 2025 لن يتمتعوا بالحد الأدنى من القدرة على القراءة، بل هي نتيجة حتمية للانفصال الحاد بين التعليم الابتدائي الذي يدرس باللغة العربية والتعليم الثانوي، حيث تتحول جميع المواد العلمية والتقنية فجأة إلى اللغة الفرنسية دون طلاقة كافية. ومستشهدا ببيانات دولية تؤكد أن البلدان العشرين الأولى في تصنيفي “PISA” و”TIMES” تقوم بتدريس العلوم بلغاتها الرسمية، أكد الطالب أن المغرب يدفع ثمنا باهظا لإصراره على خيار مخالف لهذا التوجه العالمي، الذي يتجلى في التراجع الدولي، وزيادة معدلات التسرب من المدارس، وتعميق الفجوة الاجتماعية بين الجماهير المحكوم عليها بالفشل والنخب القادرة على توفير التعليم الخاص الذي يناسب خصائصها.
ومضى ناجي إلى أبرز المعوقات المؤسسية المتمثلة في المركزية الجامدة التي شلت الحركة الإصلاحية محليا، وجمدت دور الأكاديميات الجهوية للتعليم والتدريب منذ نشأة “المدارس الرائدة”، مما أزال مجال المناورة لمواءمة السياسات مع الخصوصيات المحلية، وحولها إلى إدارات تنفيذية جامدة تشرف على إملاءات المركز، مضيفا أن هذه المركزية الخانقة أهملت تعليم أكثر من 12 ألف نسمة. المؤسسات التعليمية غير ملتزمة بنماذج القيادة وتعاني من نقص الموارد. تسببت الهياكل المتدهورة، وضعف التدريب، والافتقار إلى الرؤية، في تحرك النظام التعليمي بسرعة في الاتجاه الخاطئ بالنسبة لبعض النخب، ولكن ببطء شديد تقريبًا بالنسبة للأغلبية الساحقة.
وخلصوا إلى أن نتائج 8 سبتمبر كانت بمثابة إنذار أخير وفشل منهجي، يعكس خللاً بنيويًا خطيرًا في الأولويات مع التركيز على المدارس الابتدائية وإهمال المدارس الإعدادية والثانوية، فضلاً عن الخلل في التربية واللغة والحوكمة، وهو خلل فاقمته “المدارس الرائدة” القائمة على التوجيه والرقابة وليس التحرر. وشددوا على أنه إذا استمر هذا النهج، فإن المغرب سيواصل تراجعه وسينتج جيلا كاملا من الأشخاص الذين لا يتمتعون إلا بالحد الأدنى من الكفاءة. مراجعة أساسية. حول خيار الابتعاد عن الإصلاحات الخيالية لإصلاح المناهج الدراسية بشكل شامل، واستعادة كرامة المعلمين، ومراجعة سياسة اللغة تدريجياً، وتحرير الأكاديمية من المركزية القمعية من أجل بناء مدارس تنصف الناس وتهيئهم للحياة.









