مع بداية كل عام دراسي، يُطرح موضوع الإصلاح التربوي.
ومرة أخرى، حدثت عمليات الترحيل منذ سنوات طويلة، لكن رغم المحاولات والتجارب العديدة، لم تتم وظلت لسنوات طويلة ملفًا دون حل على طاولة كل حكومة ووزير تولى وزارة التربية والتعليم.
كان ملف الإصلاح التربوي من الملفات التي كانت تطرح باستمرار في المناقشات العامة وفي وسائل الإعلام، وكان يعتبر من الأولويات وأحد النقاط الأساسية للحملات الانتخابية وبرامج المرشحين، وكذلك للخبراء والخبراء في المجال التربوي والنقابات، بعد ضرورة تغيير النظام والبرامج التعليمية المعتمدة، وتطوير النظام التعليمي والتكيف مع المتغيرات التكنولوجية والاقتصادية.. وبعد الثورة، أجريت العديد من التجارب بشأن الإصلاح التعليمي، لكنه بقي في مرحلة التجارب والبحث.
إن مسار الإصلاح التربوي في تونس ما بعد الثورة، نتيجة الحسابات السياسية والتوازنات الوضعية لحكومة ما بعد 2011، لم يسفر عن تحقيق إصلاحات جوهرية وشاملة، وشهد تعثرات متواصلة ونقاشات واسعة، ويظل ملفه الإصلاحي محل توتر بين السلطات القائمة والأحزاب الاجتماعية والمنظمات وعناصر المجتمع المدني والخبراء في مواجهة ضعف التمويل ونقص القدرة المالية.
إنطلاقا من آخر القرارات المتعلقة بإصلاح التعليم في تونس، نبدأ بالمجلس الأعلى للتعليم الذي عقد اجتماعه الأول في غشت الماضي، اعترافا بصدور مرسوم إنشائه وفقا لدستور 2022 وتنظيمه ليصبح مظلة لقطاعات التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني سنة 2024. ويتولى هذا المجلس صياغة سياسات شاملة تهدف إلى إصلاح وتطوير نظام التعليم والتشغيل في تونس، ومهمته الأهم هي التعبير عن الآراء وتقديم قراءات نقدية حول الخطط الوطنية الكبرى. نصائح إرشادية بشأن الخطط الحكومية الشاملة في مجالات التعليم والبحث العلمي والتدريب المهني وآفاق التوظيف. يقوم المجلس بوضع رؤية استراتيجية وإصدار تقرير سنوي لإصلاح المناهج التعليمية ومواعيد التسليم للمدارس والجامعات لضمان جودة التعليم.
ورغم أن المشاورة الوطنية حول إصلاح النظام التعليمي بدأت في 15 سبتمبر 2023 وانتهت في 15 ديسمبر 2023، فإن عدد المشاركين في المشاورة لم يتجاوز 580620 شخصا، ومن المهم أن نتذكر أنها بدأت في إطار الإعداد لتركيز المجلس الأعلى للتعليم.
وبحسب وزارة التربية والتعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا، ركز المشروع على خمسة محاور رئيسية هي: «التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وإشراك الأسرة»، «برامج التوجيه وأنظمة التقييم والساعات الدراسية»، «التنسيق والتكامل بين أنظمة التعليم والتدريب المهني والتعليم العالي»، «جودة التعليم والتكنولوجيا الرقمية»، و«تكافؤ الفرص والتعلم مدى الحياة».
وفي عام 2017، أعلنت وزارة التربية والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا التخلي تماما عن احتساب 25% من المعدل السنوي لامتحان البكالوريا، عائدة إلى طريقة الحساب السابقة التي اعتمدت فقط على نتائج الامتحانات الوطنية. ويأتي هذا القرار لتحسين موثوقية امتحان البكالوريا الوطنية، وتقليص التباين الكبير بين نتائج المراقبة المستمرة ونتائج الامتحان النهائي، ومواجهة ظاهرة التراجع العام في مستوى التعليم العالي.
وقبل ذلك وبعد انتخابات 2014، وبعد تعيين ناجي جلول وزيرا للتربية، انطلق عام 2015 حوار وطني لإصلاح منظومة التعليم بمشاركة وزارة التربية والنقابات التونسية والمعهد العربي لحقوق الإنسان…
وبعد ذلك، تم نشر “الورقة البيضاء” التي قدمت كوثيقة تحتوي على المقترحات والتوصيات، وأصبحت واحدة من أبرز مخرجات الحوار الوطني لإصلاح النظام التعليمي خلال هذه الفترة. وأكد وزير التربية والتعليم ناجي جلول أن الوثيقة أعدت بمشاركة خبراء وتم رفعها إلى الحكومة. وأعلن أنه سيعرض الكتاب على مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك أعضاء المجالس الشعبية والنقابات والأسر التربوية، بهدف توسيع دائرة النقاش حول محتوياته. لكن هذه العملية لم تؤد إلى تغييرات سريعة وشاملة في مختلف مكونات النظام، وأعادت إلى الواجهة مرة أخرى المشاكل القديمة المتعلقة بالفجوة بين قوة التشخيص والبحث، من ناحية، وقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات، من ناحية أخرى. وزارة التربية تحفظ “الكتاب الأبيض: مشروع إصلاح النظام التربوي في تونس” ضمن وثائق سياساتها وبرامجها، وكذا الخطة الاستراتيجية لقطاع التربية للفترة 2016-2020.
ومع ذلك، في السنوات التالية، أصبح من الواضح أن تنفيذ الإصلاحات واسعة النطاق في قطاع التعليم واجه عوائق وعقبات أكبر، بما في ذلك المالية والإدارية، فضلا عن العديد من التغييرات في الوزراء والحكومات في فترة قصيرة من الزمن، وتم التخلي عن الإصلاحات السابقة وإعادة تقديمها.
خلال السنوات الأولى للثورة وخلال فترة الترويكا، كانت هناك مناقشات وجهود من قبل اللجان المرتبطة بوزارة التربية والتعليم، لكن لم يتم تنفيذ أي قوانين أو برامج إدارية على أرض الواقع، وتم تأجيل الإصلاحات الفعلية إلى عام 2014، عندما اقتصرت على إدارة المرافق العامة، وبسبب التوترات السياسية آنذاك والمرحلة الانتقالية التي كانت تعيشها تونس، لم يتم تنفيذ أي برامج أو إصلاحات، لكن إلى يومنا هذا لم يتم الشروع في هذه الإصلاحات.









