تحتل قضايا القيادة المدرسية والمساءلة مكانة بارزة في قلب الإصلاحات التعليمية التي يهدف المغرب إلى تحقيقها من أجل تحقيق نهضة تنموية مستدامة وشاملة. كيف يفسر الهيكل التعليمي أدائهم؟ كيف تتم دورة التحكم في النظام، من مرحلة التخطيط مروراً بمرحلة التنفيذ وانتهاءً بمرحلة التقييم والتحسين، لأداء المهام بالطريقة المثلى؟
يفرض المعيار 11.2 لتقييم النظم التعليمية المتطلبات الأساسية التالية: يجب على المنظمات التعليمية توفير المساءلة عن الأداء على جميع مستويات المسؤولية، ويجب أن تكون الإدارة مبنية على دورات منظمة وحقيقية. تقييم هذا المعيار سوف يكشف عن النتائج الدقيقة. ورغم أنه ليس هناك شك في أنه تم إحراز تقدم حقيقي في الإصلاحات على مدى العقد الماضي، إلا أن هناك ثغرات هيكلية تمنع الدورة الإدارية من تفعيلها بالكامل. إن العلاقة بين المساءلة على أساس الأداء وجودة التعليم ليست تلقائية، وهناك مخاطر كبيرة تهدد التطبيق الصارم للمساءلة.
تحسين القيادة والمساءلة في المغرب
ويقر تقرير اليونسكو لعام 2025، استنادا إلى دراسة استقصائية أجريت على 300 مدرسة ابتدائية، بأن المغرب حقق نتائج جيدة نسبيا في خفض مستويات المسؤولية لتحقيق أهداف محددة. المملكة العربية السعودية هي واحدة من دولتين فقط في أفريقيا، إلى جانب زيمبابوي، حيث تعمل سلطات التعليم المحلية على أساس أهداف تعليمية واضحة وقابلة للقياس وعقود أداء رسمية مع المدارس. يتيح النظام الرقمي “مسار” لمديري المدارس متابعة بيانات الطلاب ومراقبة الأداء ومقارنة النتائج في الوقت الفعلي. يشكل مشروع تكامل الوكالات هذا أداة للتخطيط والتتبع، لكنه لا يتم توزيعه على جميع الوكالات. يتم اختيار المدير من خلال عملية صارمة، مع اختبار كتابي وسنتين من التدريب الأساسي يتم تخفيضها إلى سنة واحدة.
وأظهر برنامج المدارس الرائدة الذي تم إطلاقه عام 2023، تقدماً ملموساً في إدارة التعلم الأساسي بفضل الدعم التعليمي المكثف للطلاب المتعثرين. لكن على الرغم من استخدام طرق التدريس الصريحة، فإن هذا التقدم ليس مستدامًا، حيث نفى التقييم الذي أجراه المجلس الأعلى للتعليم والتدريب والبحث العلمي أن يكون لطرق التدريس الصريحة تأثير على ذلك. يعتمد هذا النجاح النسبي على القيادة التنظيمية. أجرى 81% من مديري المدارس التجريبية زيارات أسبوعية للفصول الدراسية مقارنة بـ 51.4% من مديري المدارس غير الرائدة. تستفيد المدارس العليا من المرافقة الأكثر تنظيماً والمتابعة المنتظمة من قبل مفتشي التعليم. ويقوم مفتشو التعليم بمراقبة تقدم الطلاب من خلال اختبارات تحديد المستوى، وتجميعهم حسب مستوى تعلمهم وتوفير آليات الدعم والتحسين.
مساءلة الأساتذة بين المراقبة والحفاظ على الوضع الراهن.
يتم تحديد تقييم المعلمين في المغرب من خلال آليتين رئيسيتين: التفتيش التربوي والامتحانات المهنية. يجب أن يخضع الأساتذة للتفتيش والامتحانات المهنية للترقية. ويقوم مفتشو التعليم بإجراء عمليات التفتيش ومراقبة الممارسات الصفية وتقييم مدى الالتزام بالتعليمات الوزارية. يقوم المديرون بتقييم الأساتذة وفقا لخمسة معايير: (1) الأداء الوظيفي، (2) الأداء، (3) السلوك المهني، (4) القدرة التنظيمية، و (5) البحث والابتكار. تحدد نتائج التقييم التقدم الوظيفي، والإجراءات التأديبية، واحتياجات التعليم المستمر.
ومع ذلك، يشير تقرير اليونسكو لعام 2025 إلى بعض الثغرات التي لا تزال موجودة. البيانات المتعلقة بتغيب المعلمين غير موثوقة، مما يحد من القدرة على معاقبة سوء السلوك أو تصحيحه. ربع معلمي المدارس الابتدائية ليس لديهم دليل تعليمي، مما يشير إلى نقص الدعم التعليمي.
وينبغي تعزيز مساءلة المفتشين
يتم تقييم مفتشي التعليم من قبل رئيسهم المباشر، والذي قد يكون مفتشًا عامًا أو مديرًا للأكاديمية أو مديرًا إقليميًا، اعتمادًا على منصب المفتش. ويركز تقييمهم على جودة عمليات التفتيش والتقارير الصادرة، وفعالية مرافقة المعلمين، والمساهمة في تحسين التعلم والامتثال للتعليمات الوزارية. ستحدد النتائج الترقية والانضباط والنقل.
ولكن لا تزال هناك بعض العقبات الرئيسية. وكشفت المقابلات التي أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2024 أن مفتشًا واحدًا يشرف على ما متوسطه 315 أستاذًا، وهي نسبة تجعل الإشراف الفردي الكافي شبه مستحيل. وتشير المنظمة أيضًا إلى أن عمليات التفتيش تستمر في التركيز على الامتثال الإداري بدلاً من تقييم ممارسات التدريس. ويؤكد المجلس الأعلى للتعليم (2021) أن تقارير التفتيش نادراً ما تستخدم لأغراض التحسين. إن ثقافة الإدارة التي تقاوم التغيير تحد من تأثير عمليات التفتيش على تحسين الممارسة. مما يعكس التوتر المتكرر داخل مؤسسات التفتيش،
لكن أزمة المفتش تخفي وراءها تناقضا وظيفيا أساسيا. وتتمثل مهمة المفتش في المراقبة في الوقت نفسه (مهام الوصول والدعم وبناء الثقة) والتقييم (المراقبة وقياس النتائج ومعاقبة المهام). هذا الغموض، الذي يمكن تصنيفه على أنه فصام وظيفي حاد، يخلق تواطؤًا تعليميًا متبادلًا. يقوم الأساتذة بتشويه ممارساتهم من أجل الإشباع، ويقوم الممتحنين بتزيين تقاريرهم لإثبات فعالية مرافقتهم. ولكسر هذا المأزق، نقترح فصلًا وظيفيًا واضحًا بين مفتشي المتابعة، الذين يقدمون تقاريرهم مباشرة إلى المفتشين العموميين، ومفتشي المتابعة، الذين يتمثل دورهم في بناء علاقات ثقة مع أعضاء هيئة التدريس ودعم تقدمهم. مفتش التقييم. ومن الضروري رفع التقارير إلى هيئة وطنية مستقلة ذات طبيعة تقديمية، يتمثل دورها في تقييم أداء النظام بطريقة موضوعية ومحايدة. وهذا الفصل يحرر المفتشين من “عقدة الذنب” في مهنتهم ويمنحهم “المسافة الحرجة اللازمة” للتقييم دون تواطؤ. وهذا يتماشى مع أحكام القانون الإطار 17-51 الذي يميز بين التقييمات الداخلية والخارجية في المادة 54.
المسؤولية السياسية: مطلب دستوري لا يزال ناقصا
المسؤولية السياسية منصوص عليها في الدستور المغربي 2011، الذي كرّس مبدأ العلاقة بين المسؤولية والمساءلة. تنص المادة 54 من القانون الإطار 17-51 على أن التقييم الخارجي لنظام التعليم يقع ضمن اختصاص المجلس الأعلى للتعليم والتدريب والبحث العلمي. إلا أن المجلس الأعلى هيئة استشارية وآراؤه وتوصياته غير ملزمة للحكومة. يمكنهم التقييم والتحذير والتوصية، لكنهم لا يستطيعون فرض الإجراءات التصحيحية. وهذا الوضع يعيق عملية المساءلة السياسية للجهات الحكومية، وخاصة في مكاتب الانتخابات والإحاطات البرلمانية. كما تفشل الشفافية في تحقيق كامل إمكاناتها. ورغم أن تقارير المجلس تنشر بشكل منهجي، إلا أن تعليق المادة 5 من قانون تنظيم المجلس، التي تلزمه بتقديم تقرير سنوي على الأقل عن إنجازات وآفاق أنشطته وعرضه على البرلمان، يحرم الشعب من فرصة أساسية لممارسة الرقابة الديمقراطية.
المساءلة على أساس الأداء وجودة التعليم: تحذير مهم.
ويقدم تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم 2017/2018 رؤى مهمة حول هذه العلاقة. ويؤكد أن فرض المحاسبة على أساس الأداء لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين جودة التعليم. وجدت دراسة استقصائية أجريت على 101 نظام تعليمي أن 51 منها تنشر نتائج الاختبارات وأن 17 منها تستخدم النتائج للعقاب أو المكافأة. يمكن أن يكون لهذه الآليات آثار سلبية مثل إعادة تنظيم مجموعات الامتحانات، وتقليص البرامج، والتحضير المحدود للامتحانات، والغش. ولذلك، فإن المساءلة على أساس الأداء يمكن أن تؤدي إلى سلوك انتهازي يقوض الجودة الحقيقية للتعليم.
ويشير التقرير إلى أن “نهج المساءلة لن ينجح إلا إذا توفرت بيئة توفر الموارد والقدرات والحوافز والمعلومات اللازمة للمشاركين”. ويجب أن تركز المساءلة على بناء نظام تعليمي أكثر شمولاً وعدالة وجودة، بدلاً من البحث عن كبش فداء.
وفي مدارس النخبة، يمكن أن يؤدي التركيز المفرط على نتائج الاختبارات إلى التدريس حتى الاختبار، والتلاعب بالبيانات، واستبعاد الطلاب المتعثرين، وفرض ضغوط غير مبررة على المعلمين. الخوف من العقوبات يمكن أن يؤدي إلى الإجهاد المهني وانخفاض الحافز. ويحذر تقرير اليونسكو لعام 2017/2018 من أنه “في الأنظمة التي تفتقر إلى الثقة، من المرجح أن يكون إصلاح التعليم بطيئا وسطحيا”. ولتجنب هذه المخاطر، يجب أن تكون المساءلة مصحوبة بقيادة تعليمية قوية، وبيئة تمكينية، وثقافة الثقة.
تحليل ثلاثة مؤشرات
المؤشر 11.2.1 – نسبة إنتاج واستخدام تقارير الأداء في سلسلة المسؤولية
يقيس هذا المؤشر نسبة المنظمات التعليمية التي تنتج تقارير الأداء وتستخدمها في سلسلة مسؤولياتها. المغرب لديه أدوات المساءلة (عقود الأداء، التصاريح، المشاريع المؤسسية المندمجة). ومع ذلك، فإن البيانات المتعلقة بالتعلم المبكر ضعيفة، مع شفافية محدودة، وتأثير ضئيل على الأداء. إن مساءلة الأساتذة الجامعيين موبوءة بثقافة المراقبة وعدم كفاية معدلات الفاحصين. إن الطبيعة الاستشارية للمجلس الأعلى تضعف مسؤوليته السياسية. الحكم: لم يتم استيفاء المؤشر.
المؤشر 11.2.2 – معدل تنفيذ إجراءات التحسين الناتجة عن تقييم الأداء
يقيس هذا المقياس النسبة المئوية لإجراءات التحسين التي تم اتخاذها فعليًا بعد تقييم الأداء. وعلى الرغم من أن المدارس الرائدة أظهرت نتائج واعدة، إلا أن العبء الإداري كان هائلا. يتم إنفاق واحد وأربعين بالمائة من وقت مديري المدارس على الإدارة، ويقول 63٪ منهم إن الإدارة تلقي بظلالها على التعلم. 40% فقط من مديري المدارس يعقدون اجتماعات شهرية منتظمة مع أعضاء هيئة التدريس. ربع الأساتذة ليس لديهم دليل تدريسي وبحسب المجلس الأعلى للمحاسبين، فإن نسبة تنفيذ الإجراءات الموصى بها هي 18%. إن مخاطر المساءلة المفرطة على أساس الأداء حقيقية ويمكن أن تكون لها عواقب سلبية. الحكم: لم يتم استيفاء المؤشر.
المؤشر 11.2.3 – معدل إنجاز دورة التحسين المستمر على جميع مستويات المسؤولية
يقيس هذا المقياس النسبة المئوية للهياكل التي تنفذ دورة ديمنج الكاملة للتحسين المستمر. المغرب يمتلك أدوات التخطيط (مشاريع مؤسسية مندمجة، عقود الأداء، خطط الأكاديمية). ومع ذلك، فإن تنفيذه يعوقه نقص قدرات الأكاديميات المحلية والمجالس المحلية. البيانات الضعيفة حول التعلم المبكر وعدم انتظام تغطية الاختبارات تحد من التقييمات. وتواجه التحسينات عوائق بسبب انخفاض معدلات التنفيذ (18%) وافتقار المجلس الأعلى إلى سلطة اتخاذ القرار. الحكم: لم يتم استيفاء المؤشر.
التوصيات
لكي يعتبر المعيار 11.2 قد تم تحقيقه بالكامل، يجب على السلطات العامة:
1. تعزيز البيانات المتعلقة بغياب المعلمين والطلاب وتحسين البيانات المتعلقة بالتعلم المبكر لتمكين التدخل المبكر.
2. تخفيف العبء الإداري على مديري المدارس والسماح لهم بالتركيز على القيادة التربوية.
3. إعادة النظر في مهنة المفتش من خلال توضيح دوره في نظام ضمان الجودة وتوفير التدريب على أساليب فحص الجودة.
4. متابعة التوصيات الصادرة عن التقييمات إلزامية، مع تقديم تقارير منتظمة وعقوبات في حالة عدم التنفيذ.
5. نشر تقارير أداء المؤسسات والهياكل التعليمية لضمان الشفافية وتمكين الرقابة العامة.
6. لضمان جودة التعليم المدرسي، تحويل المجلس الأعلى إلى هيئة إدارية مستقلة تتمتع بصلاحيات اتخاذ القرار أو إنشاء هيئة مستقلة للدولة.
7. إنشاء دورة من التحسين المستمر على جميع مستويات النظام: التخطيط والتنفيذ والتقييم والتحسين.
8. التأكد من أن آليات المساءلة القائمة على الأداء لا تصبح سباقاً للمقاييس. بل يجب إدراج الجوانب النوعية (البيئة المدرسية، رعاية الطلاب، الممارسات التعليمية المبتكرة) لتجنب الآثار السلبية التي حددتها اليونسكو.
9. الجمع بين المساءلة المؤسسية وزيادة الدعم حتى تحصل المدارس التي تواجه مواقف صعبة على دعم مكثف بدلاً من العقوبات الحصرية. مع تطور ثقافة الثقة.
وإذا لم يتم البدء في هذه التدابير دون تأخير، فإن النتائج المحققة ستظل ضعيفة، وسيظل النظام التعليمي يعاني من أوجه القصور الهيكلية في الحوكمة والمساءلة، وسيكون مستقبل الشباب المغربي ومستقبل البلاد ككل في خطر.








