الرئيسيةالتربية والتعليمالتعليم الابتدائي في المغرب ما نحتاج إليه هو ثورة في التعليم في...

التعليم الابتدائي في المغرب ما نحتاج إليه هو ثورة في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وليس سباقا في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.

هناك أسئلة يجب أن نتحلى بالشجاعة لطرحها عندما نتحدث عن الإصلاح المدرسي في المغرب. إنها مسألة ما إذا كنت تريد تعليم طفلك بسرعة أم أنك تريد تعليمه جيدًا. هل فتح المزيد من كليات التعليم الابتدائي كافي لضمان جيل جاهز للمستقبل؟

لقد أصبح التعليم الابتدائي أحد مشاريع الإصلاح التربوي الكبرى في المغرب، وتستحق هذه المبادرة التقدير نظرا لأهميتها في توسيع فرص التعلم وتقليص الفوارق الاجتماعية. إلا أن التحديات الحقيقية لم تعد تقتصر على عدد المؤسسات المسجلة أو عدد الأطفال، بل أصبحت تتعلق بالدرجة الأولى بما يحدث داخل تلك القطاعات ومدى احترام الممارسات التربوية لطبيعة النمو النفسي والروحي والاجتماعي للأطفال.

وبحسب معطيات فترة الالتحاق بالمدارس 2025-2026 الصادرة عن وزارة التربية الوطنية، فقد بلغت نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي حوالي 85%. وعلى الرغم من أهمية هذا التقدم الكمي، فإن جودة الخبرات التعليمية والمساواة في الوصول إليها لا تزال قضية تستحق النقاش العام المستمر.

عندما تتحول الطفولة إلى سباق إلى المدرسة

أحد الأخطاء التعليمية التي يجب الانتباه إليها هو إرجاع النجاح في التعليم المبكر إلى قدرة الطفل على كتابة الحروف أو حفظ الأرقام أو تكرار الكلمات والجمل أمام البالغين.

إن تعلم هذه المهارات ليس أمرا سلبيا في حد ذاته، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هدفا يهيمن على تجربة الطفل على حساب اللعب والحركة والاستكشاف والتفاعل الاجتماعي.

الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 أو 5 سنوات ليسوا طلابًا صغارًا في المدارس الابتدائية، ولكنهم يعيشون مرحلة تنموية ذات احتياجات نفسية ومعرفية فريدة من نوعها. يتعلم عندما يلعب، ويكتشف عندما يتحرك، ويطور اللغة عندما يتفاعل، ويبني الثقة عندما ينجح في تجارب بسيطة، ويتعلم التحكم في انفعالاته عندما يجد شخصاً بالغاً يساعده على فهم عواطفه والتعبير عنها.

وهكذا، فمن خلال تحويل التعليم الابتدائي إلى نسخة مصغرة من التعليم الابتدائي، قد نتمكن من اختزال المراحل الغنية من التنمية البشرية في مجموعة من الممارسات والإنجازات المدرسية.

نريد أطفالاً يفكرون، وليس فقط يحفظون.

لا تقاس جودة التعليم الابتدائي بعدد الأوراق التي يكملها الطفل أو مقدار الواجبات المنزلية التي يأخذها إلى المنزل.

ومن وجهة نظر علم النفس التنموي، تتطلب هذه المرحلة الاهتمام باللغة والتفاعل الاجتماعي، والاستقلالية ومرونة الفكر، والقدرة على الانتباه وتنظيم السلوك والعواطف.

التعلم الجيد لا يعني الاختيار بين المعرفة واللعب، بل يعني الجمع بينهما في أنشطة تعليمية هادفة تحترم إيقاعات نمو الأطفال وقدراتهم المختلفة.

الأطفال الذين يتعلمون طرح الأسئلة والتعاون مع أقرانهم والتعبير عن احتياجاتهم ومواجهة التحديات البسيطة يكتسبون موارد تنموية لا تقل أهمية عن التعرف المبكر على الحروف والأرقام.

نحن هنا بحاجة إلى إعادة النظر في بعض تمثيلاتنا الاجتماعية للنجاح في المدرسة. خاصة عندما يتم الإشادة بالأطفال الذين يقرؤون مبكرًا، في حين أن الأطفال الذين يتمتعون بالفضول والإبداع والقدرة على التواصل لا يحصلون على نفس التقدير.

لا يحفظ المعلمون القسم، بل يلعبون دورًا مهمًا في تنمية شخصية الطفل.

لا يمكننا أن نتحدث عن إصلاح جدي للتعليم الابتدائي دون استعادة الاحترام لمعلمي ومعلمي المرحلة الابتدائية.

يتطلب العمل التربوي مع الأطفال بعمر 4 سنوات مهارات متخصصة في علم نفس النمو والتواصل وإدارة السلوك والتعليم الشامل ومراقبة النمو والتفاعلات الإيجابية.

وبالتالي فإن التدريب المستمر وحده لا يكفي ما لم يكن مصحوبًا بمؤهلات مهنية راسخة، وظروف ممارسة محسنة، وتوفير الموارد التعليمية المناسبة، والإشراف التربوي الداعم.

إن جودة العلاقة بين الأطفال ومقدمي الرعاية ليست ثانوية. الأطفال الذين يشعرون بالأمان والاحترام داخل الفصل الدراسي هم في وضع أفضل للمشاركة في أنشطة التعلم، ولكن الممارسات القائمة على التخويف أو الإذلال أو الضغط غير المبرر يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على علاقتهم بالمدرسة.

ومن غير العدل أن نطالب المعلمين بتحقيق أهداف تعليمية معقدة دون توفير متطلبات العمل والتأهيل اللازمة.

تحتاج العائلات أيضًا إلى إعادة النظر في طريقة تفكيرها بشأن التعليم الابتدائي.

والمؤسسات ليست مسؤولة وحدها عن بعض الاختلالات. ويربط بعض الآباء جودة التعليم الابتدائي بعدد الحروف والأرقام التي يتقنها الطفل، أو عدد الملاحظات والأنشطة التي أكملها.

يمكن لهذا التصور أن يشجع عن غير قصد عادة إعطاء الأولوية للتقدم الأكاديمي السريع في المدرسة على التعلم التدريجي المناسب للعمر.

تعتبر الأسر شركاء أساسيين في التعليم، ولكنها تحتاج أيضًا إلى الدعم لفهم احتياجات الأطفال التنموية، وأهمية اللعب والنوم والحركة والتواصل العاطفي، وتجنب المقارنات المستمرة بين الأطفال.

ليس كل الأطفال الذين يكونون بطيئين نسبيًا في تعلم مهارات معينة يعانون من اضطراب في النمو. كما أن التقدم المبكر في مهارة معينة لا يعني بالضرورة وجود ميزة عامة في المجالات التنموية المتبقية.

ما هو نوع الثورة التعليمية التي نحتاجها؟

وفي رأيي أن ما يحتاجه المغرب ليس مجرد إعادة التفكير في البرامج أو إضافة أنشطة جديدة إلى الجدول الزمني للمدرسة، بل يحتاج إلى تحول في فلسفة تنظيم التعليم الابتدائي.

تحول يجعل الطفل محور العملية التعليمية، ويعطي مساحة للعب والاستكشاف والتعبير الفني والرياضي، ويعزز المؤهلات المهنية للمعلمين، ويجعل من جودة التفاعل داخل الأقسام معيارا أساسيا للتقييم.

ويتطلب هذا التحول أيضًا تطوير آليات علمية لتتبع النمو، وتوفير الظروف الشاملة للأطفال ذوي الإعاقة، وتقليص الاختلافات بين المؤسسات والمناطق، وبناء شراكات فعالة مع الأسر.

ولعل المقاربة العملية لذلك هي تجربة النموذج التربوي المغربي، المبني على المعرفة من علم النفس التنموي والتربية، وإخضاعه لتقييم مستقل قبل نشر الممارسة لإثبات فعاليتها.

إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بطموحاتنا المعلنة. سيتم الحكم علينا أيضًا بناءً على ما يمكننا إظهاره فيما يتعلق بتحسين تجارب الأطفال وفرص النمو والتعلم.

الطفولة المبكرة ليست مرحلة ينبغي اختصارها.

نحن لا نريد أن يدخل الأطفال المدرسة وفي جعبتهم الكثير من المعلومات، ولكننا نحتاجهم أن يدخلوا المدرسة بفضول وثقة ورغبة في الاكتشاف والتعلم.

إن الرهان على التعليم الابتدائي لا يعني فقط رهانا على السنتين السابقتين للمدرسة الابتدائية، بل أيضا على علاقة المغاربة بالتعلم منذ الطفولة المبكرة.

إذا أردنا إصلاح التعليم الأساسي، علينا أن نبدأ بتغيير الأسئلة التي نطرحها. وبدلاً من أن نسأل عما يجب أن يعرفه الطفل قبل دخول المدرسة، ينبغي لنا أن نسأل عما ينبغي للمدرسة أن تقدمه لمساعدة الطفل على النمو والتعلم في أفضل الظروف الممكنة.

إن الثورة الحقيقية في التعليم الابتدائي ليست في استباق عمر الطفل، بل في تعليم الطفل بطريقة تحترم عمره.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات