حذر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة التربوية بالمغرب، معتبرا أن وتيرة انتشاره في أوساط الأطفال والتلاميذ والطلبة ستكون أسرع بكثير من سرعة خلق الأطر القانونية والتربوية القادرة على تنظيمها، وأن الممارسات الرقمية الجديدة تهدد بالتحول إلى واقع دائم يصعب تحسينه في المستقبل، وأن التدخل العمومي العاجل مطلوب لإرساء إطار وطني موجه لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. التدريب والبحث العلمي.
ويرى المجلس في توصيته رقم 2026/1 أن عالم اليوم يشهد تحولاً تاريخياً غير مسبوق، يستهله تطبيق الذكاء الاصطناعي، وهو لا يقتصر على التغيرات في وسائل الإنتاج والاتصال، كما حدث في الثورات الصناعية السابقة، بل يمتد إلى مجال العقل والمعرفة والتعلم نفسه، وأن المدارس، باعتبارها مؤسسات مكلفة بإعداد أجيال المستقبل، هي بالتالي في قلب هذا التحول.
وشدد المجلس على أن المسألة لم تعد تقتصر على كيفية مواكبة التكنولوجيا، بل أصبحت تتعلق بكيفية توجيه التكنولوجيا وتطويعها لخدمة مشروع تعليمي وطني يضمن الحق في التعليم الجيد ويعزز التفكير النقدي والاستقلال الفكري والقدرة على فهم العالم والتأثير فيه، بدلا من تحويل المتعلمين إلى مجرد مستهلكين لمخرجات الأنظمة الذكية التي تولد المعرفة تلقائيا.
وبحسب الوثيقة، تستند التوصيات إلى التزامات المغرب الدولية في مجال التحول الرقمي وحقوق الطفل، فضلا عن سلسلة من المرجعيات الوطنية والدولية، بما في ذلك الدستور المغربي، والرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم والتكوين 2015-2030، والقانون الإطار 51.17، والتوجيه الصادر عن اليونسكو بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، والذي يؤكد على أولوية حماية المعطيات الشخصية. ويؤكد على العدالة ولا يعوض المعلمين عن دورهم التربوي.
ويرى المجلس أن سبب إصدار هذه التوصية هو التواجد المتسارع للذكاء الاصطناعي في البيئة الرقمية للأطفال والمراهقين المغاربة، حيث أصبحت الهواتف الذكية والمنصات الرقمية ومحركات البحث التوليدية والتطبيقات التعليمية جزءا من الحياة اليومية للمتعلمين، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها.
وأوضح أن هذه الأدوات لم تعد مقتصرة على تقديم المعلومات فحسب، بل يمكنها الآن إنشاء نصوص وإجابات وحلول جاهزة، مما يغير بشكل كبير علاقة المتعلم بالمعرفة والجهد الذهني المطلوب لاكتسابها.
وتشير الوثيقة إلى أنه تم بالفعل إدخال الذكاء الاصطناعي في الفضاء التعليمي بالمغرب، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل التلاميذ والطلبة عند إنجاز المهام المدرسية والبحث عن المعلومات وإنشاء النصوص، أو من خلال اعتماد المعلمين على أدوات رقمية جديدة في إعداد الدروس والموارد التعليمية. لكن، بحسب المجلس، فإن هذا الانتشار يحدث في ظل غياب إطار مؤسسي واضح ومتكامل يحدد حدود الاستخدام وشروطه وآثاره التعليمية المحتملة.
وحذر المجلس من وجود “فجوة مثيرة للقلق” بين الإقبال المتسارع والأطر المؤسسية المتخلفة، موضحا أن الأطفال والشباب يتعرضون بشكل متزايد للمنصات والتطبيقات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في وقت لا تملك أنظمة التعليم أطرا تربوية مؤسسية لتحديد كيفية التعامل مع هذه الأدوات أو ضمان الحد الأدنى من الحماية التعليمية للمتعلمين. وكان يُعتقد أنه إذا استمر هذا الوضع، فمن الممكن ترسيخ الممارسات التي سيكون من الصعب السيطرة عليها لاحقًا، مما يؤدي إلى تعميق الفجوات التعليمية والرقمية بين مختلف الفئات الاجتماعية والمكانية.
ورغم هذه التحذيرات، أكد المجلس أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات واعدة لتطوير التعليم والتعلم. وتفترض هذه الورقة أن هذه التقنيات يمكن أن تساهم في تنويع المناهج التربوية، وإضفاء الطابع الشخصي على التعلم، ومساعدة المعلمين على معالجة الفروق الفردية بين الطلاب، وتوفير موارد تعليمية عالية الجودة، وتعزيز التعلم الذاتي، وتحسين أساليب التقييم، وحتى دعم الإدارة التعليمية واتخاذ القرارات القائمة على البيانات. إلا أن تحقيق هذه النتائج يظل مرهونا بوجود استراتيجية وطنية متكاملة تؤطر التشغيل وتوجهه نحو تحقيق أهداف إصلاح التعليم.
وتناولت التوصية عددا من المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي على نظام التعليم في المغرب، خاصة تلك المتعلقة بطبيعة التعلم نفسه. وينبه المجلس إلى أن الاعتماد غير المقيد على الأدوات التوليدية يمكن أن يضعف العمليات العقلية الأساسية مثل التحليل والتركيب والتجريب والتفكير المنطقي، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال قدراتهم المعرفية واللغوية في طور التكوين. كما أنهم يشعرون بالقلق من أن الاعتماد المتكرر على الإجابات الجاهزة يضعف الجهد العقلي ويؤدي إلى التعلم السطحي والسريع. هشة وضعيفة التأسيس.
وفي الوقت نفسه، دعا المجلس إلى اتباع نهج تدريجي على أساس المستوى التعليمي. وفي التعليم الابتدائي، نؤيد منطق تعظيم حماية الأطفال والحفاظ على التعلم الأساسي في القراءة والكتابة والحساب. بالنسبة للتعليم الثانوي، نؤكد على ضرورة تطوير الحساسيات النقدية ومساعدة الطلاب على فهم كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدودها وتحيزاتها، بينما نعتقد أن التعليم العالي يمكن أن يستفيد بشكل أكبر من هذه التقنيات في البحث العلمي وتحليل البيانات والوصول إلى المعرفة، حيث يحتاج إلى معالجة مخاطر الانتحال الأكاديمي وضمان النزاهة الأكاديمية ومصداقية الشهادات الجامعية.
كما أولى المجلس أهمية خاصة لدور المعلمين، رافضا أي تصور للذكاء الاصطناعي كبديل للذكاء الاصطناعي، وأكد أن دور المعلمين سيصبح أكثر مركزية في عصر الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كناقلين للمعرفة، ولكن أيضا كمرشدين للتعلم، وأطر للتفكير النقدي، ومساعدين في مساعدة المتعلمين على بناء المعنى، وفهم حدود الأدوات الرقمية، واستخدامها بوعي ومسؤولية.
كما أثارت الوثيقة مخاطر استراتيجية تتعلق بسيادة المغرب الرقمية واللغوية. وحذر المجلس من أن معظم النماذج العالمية للذكاء الاصطناعي تم تطويرها بالدرجة الأولى بالاعتماد على اللغة الإنجليزية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهميش اللغتين العربية والأمازيغية وإعادة إنتاج الاختلالات الثقافية والمعرفية داخل الفضاءات التعليمية. كما يحذر من مخاطر الاعتماد التكنولوجي على الخدمات والمنصات الأجنبية والقضايا التي تثيرها فيما يتعلق بحماية البيانات الشخصية وإدارة البيانات التعليمية والسيادة الرقمية الوطنية.
وفي هذا الصدد، دعا المجلس إلى اعتماد إطار وطني شامل لتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي، يرتكز على مبادئ الحوكمة الرشيدة وحماية الطفل وتعزيز العدالة الرقمية وضمان تكافؤ الفرص والحفاظ على خصائص المغرب الثقافية واللغوية، مع إشراك الأسرة والمربين والمتعلمين أنفسهم في تطوير هذا المسار الجديد.
وخلص المجلس في توصياته إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تكنولوجي عابر، بل أصبح عاملاً في إعادة تشكيل طبيعة المعرفة وأنماط التعلم وعمل المدارس نفسها. وبالتالي فإن الاندماج الناجح في أنظمة التعليم لن يقاس بدرجة تغلغل الأدوات الرقمية، بل بقدرتها على تحسين جودة التعلم، وزيادة العدالة، وتكوين مواطنين قادرين على الفهم والتمييز واتخاذ القرارات في بيئة رقمية سريعة التغير، مع الحفاظ على الدور الإنساني للمعلمين وإنشاء المدارس كمواقع لإنتاج المعرفة، أي البناء، والسيادة المعرفية الوطنية.









