ورغم الانتقادات المتكررة من قبل المهتمين بهذه الكنوز الموروثة حول عدم اهتمام المؤسسات العمومية التي توفر أسباب بقاء هذه الفنون وتطورها، فإن ما يميز المغرب هو استمرار حضوره القوي في الحياة الاجتماعية والطقوس الاحتفالية للمغاربة، وإن كانت التغيرات الكبيرة التي تنطوي عليها أجواء الحياة المعاصرة مع التحديث والعمران تتجه نحو حشد المزيد من الجهود لحماية إبداعات تراثه الخالد ودعم أسراره وحاملي أسراره. الشيء الذي يضمن استمراريته.
ويعتبر المهرجان الوطني للفنون، الذي تستضيفه مدينة مراكش سنويا منذ عدة عقود، متحفا حيا، وسجلا فنيا تاريخيا يسجل تعبيرات فنية تتسع لآثار وتأثيرات عربية وأندلسية وأمازيغية وإفريقية، تظهر بأشكال فريدة أو في اندماج متعدد الألوان للثقافات.
لوحات جذابة
وعلى مدار ثلاثة أيام، تمت دعوة العشرات من الفرق الفلكلورية لتقديم عروضها وإيقاعاتها وأناشيدها أمام جمهور محلي ودولي مجتمع في المدينة الحمراء، الوجهة السياحية الأولى في المغرب.
هذه اللوحات الرائعة، التي أنتجها فريق شعبي عفوي ومتقن في الوقت نفسه، لا تحجب الحقائق السلبية. وأهمها التهديد بالانقراض الذي تواجهه بعض أشكال التعبير الفني التي فقدت قاعدتها الاجتماعية أو لم تتمكن من إيجاد جيل جديد يحافظ على أسرار فنها الثقافي، والوضع الاجتماعي والاقتصادي الهش الذي يعيشه الفنانون العاملون في هذه الأشكال من الترفيه، والذين لا يستفيدون من التسويق اللازم والذين يتم التقليل من قيمتهم الثقافية والفنية في بعض الأحيان من قبل الأشخاص والمؤسسات.
ويتطلع المعنيون بمصير هذه الآثار الفنية إلى تكريس أنفسهم حقًا لتطوير نظام حماية يعزز صلابة هذه الآثار في عصر العولمة ويشجع مبدعيها وحافظي أسرارها على تطوير أدائهم ومواصلة مشاريعهم الفنية بكرامة واحترام. كما ابتعدت هذه الفنون عن شكل المعارض الفولكلورية الساكنة، وأصبحت بالتالي أقرب إلى بطاقات بريدية الماضي منها إلى مكانة المشهد الفني الحديث بكل عناصره.
ولعل الإعلان عن إحداث مؤسسة وطنية للفن الشعبي، بمناسبة مهرجان مراكش المنعقد بساحة جامع الفنا الشهيرة بقلب المدينة الحمراء ما بين 26 و28 سبتمبر، يشكل خطوة مؤسسية في هذا الاتجاه، من حيث أنه يطالب بالحفاظ على تراث الفن الشعبي من جهة، ويؤهل هذا التراث، من جهة أخرى، للمشاركة في المنظومة الحديثة للإنتاج الفني والثقافي.
وإدراكا للطبيعة الأفقية لهذه الفنون من حيث ارتباطها بعدة قطاعات مركزية وجهوية ومحلية، تضم المؤسسة وزارة الثقافة والسياحة وممثلين عن المجالس المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني المهتمة.
وبحسب وزارة الثقافة، فإن دور هذه المؤسسة هو متابعة ودعم وتوجيه المجموعات الشعبية والفنانين المتخصصين في هذا التراث الوطني، وتحسين أدائهم مع الحفاظ على الخصوصية الإبداعية المحلية.

مدينة الفن
ومن النتائج العملية لهذا المشروع إنشاء “مدينة الفنون الشعبية المغربية” في مدينة مراكش ابتداء من عام 2015. ويتم ذلك في إطار تصميم حضري جديد يعيد التفكير في مرافق المدينة والمعالم الحضرية والثقافية وتخطيط المناطق.
وستتضمن مدينة الفنون الشعبية سكنًا لفناني الفرق المسرحية الشعبية، وتوفير مساحة للممارسة، وورش عمل للتدريب المستمر، وقاعة عروض، ومكتبة متخصصة. كما تم تكليفها بتوثيق التعبيرات الفنية الشعبية حفاظاً على ذاكرة الجمعية العريقة.
ولا تنفصل هذه التحركات الرامية إلى الحفاظ على الفن الشعبي المغربي عن الاستراتيجية التي وضعتها وزارة الثقافة تحت عنوان “التراث في أفق 2020”. وتتضمن الاستراتيجية تدابير تشريعية وإجرائية تهدف إلى حماية مختلف أشكال التراث غير المادي.
ويتعلق ذلك بمراجعة قانون الحفاظ على التراث الثقافي، ووضع ميثاق وطني للحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي، ونظام الكنز الحي بالمغرب، وهو آلية للحفاظ على التراث غير المادي.
وتهدف مراجعة قانون الحفاظ على التراث الثقافي إلى التعريف بجميع مكونات التراث الثقافي ووضع القواعد العامة لحمايتها وتقييمها.
أما الميثاق الوطني للحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي، فيشمل التدوين وإكمال عملية الجرد، والإدراج في السجل الوطني للتراث الثقافي، وتصنيف التراث الثقافي، وإنشاء لجنة التراث الوطني.
ويرتكز نظام الكنز البشري على استعادة الاحترام لحاملي وممارسي التعبيرات الفنية القديمة، باعتبارهم ضامنين لاستدامة هذه الفنون وتناقلها بين الأجيال.
#الفن #الشعبي. #شاهد #على #أصالة #المغرب #وتنوعه









