
السفير 24 – عبد السلام انويكا
فهي ليست مجرد آثار حضارية وذاكرة محلية، بل هي أيضاً ركائز ذات أهمية كبيرة لتراث الوطن والإنسانية. تلك هي مباني تازة التاريخية وتراثها، والتي تحتاج إلى مزيد من العناية والاهتمام لاتخاذ خطوات إضافية على مستويات متعددة للحفاظ عليها. لدرجة أن المدينة تتطلب دعوة/اجتماع لجميع الأطراف المنظمة ذات الصلة، مثل وزارة الثقافة واليونسكو واللجنة الفنية المحلية التي تعمل منذ سنوات على ملف تصنيف تازة كموقع للتراث الوطني، وكذلك أولئك الذين يمكنهم المساهمة في إثراء قدراتهم من خلال التعليقات والاقتراحات والقراءات وما إلى ذلك. نظرا لأهمية الإشارة إلى الزيادة غير المسبوقة في الوعي والمشاركة والعناية بالتراث المسجل في المغرب أو في جميع أنحاء العالم على مدى العقدين الماضيين، مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى المزيد الإشراف والحفظ والبحث والتطوير المتكامل. ولعل الوسائل المتاحة محليا ستؤكد وتحمي التراث المتنوع الموجود هناك (الأبواب، الجدران، الخزائن العلمية والمخطوطات، المنابر الأصيلة، الثريات الفريدة، المدارس، الآثار الروحية الصوفية، المؤسسات والنقوش المحبسة… الأدب الشفهي…). ولعل المنطقة العتيقة لهذه المدينة (تازة العليا) تتمتع بزخم أثري، بقدر ما تتحدث عن العصور منذ العصور الوسطى، وتقف هنا وهناك شاهدا موثقا على ملاحمها ومشاهيرها وأمجادها وحقائقها وأحداثها، والتي منها تاريخ متجذر في القدم. يشمل التراث، بمستوى تنوعه وأهميته وتفرده، تحصينات ودفاعات دينية وصوفية وسياسية وكذلك علمية وتربوية وتربوية، يتم التعبير عنها في المدارس التاريخية الأصيلة وملاجئ الطلاب المقدمة برعاية وروعة ملكية.
ومن المعروف لدى المهتمين بتراث وتاريخ تازة أن من المعالم العلمية والتربوية المرتبطة بولاية بني مرين في القرون الوسطى المدرسة الحسانية التي تحمل اسم أبي الحسن المريني، وذلك حسب شهادة ابن مرزوق الترمساني الذي قال: (أبو الحسن المريني) ‘المدرسة الحسنية‘، حسب لوحة خشبية مثبتة على إفريز بابها، كتبت عليها قصيدتان بالخط المغربي . وهي شعرية كالتالي: ليس مثلي في حياتك لا في الشرق ولا في الغرب.. ولا بناء يفوق جمال مناظري الجميلة.. خلقني لدراسة العلم وطلبه.. الأجر من الله الأمير أبو الحسن. وكانت المدرسة، التي تقع وسط حي مشور تازة الشهير، بها مرفق خدمي، وتم تسجيلها على أنها لا تقع بجوار المسجد الكبير بالمدينة، بل على مسافة منه. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المدرسة الحسنية بتازة المرينية جمعت بين رسالة التعليم والإسكان للطلبة، وكان لها إيقاع ومناخ التعليم شكلا ومضمونا وممارسة وخلفية فكرية، وقد تحدث الأستاذ القبلي وأسهب في الحديث عن إشكاليات المدرسة المرينية وملاحظاته وتأملاته هناك.
أما التأثير المادي والعلمي والتربوي في تازة فهو يتعلق بـ«المدرسة» التي يسميها البعض «المدرسة اليوسفية» نسبة إلى السلطان المريني يوسف بن يعقوب. وعلى هذا المستوى أجد صعوبة في التصديق ولا يوجد أي دليل على أنه بني بالتوازي مع بناء الجامع الكبير (الجزء المريني) من المدينة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن “ابن أبي زرعة” صاحب روض القلطاس والمعاصر لهذا الحدث، لا يقول شيئًا يتعلق بهذه (المدرسة)، بل يذكر الجامع الكبير بتازة فقط، ولا شيء غيره، مشيرًا إلى أنه في رمضان 687 ق.م، غزا السلطان يوسف بن يعقوب مدينة تلمسان وحاصرها، وكان متجهًا من هناك. فهل يمكن أنه كان ينوي الجهاد نحو بلاد الأندلس واستقر في قلعة “يحيى” أثناء رحلته؟ أشير إلى أن هذا هو المكان الذي بني فيه مسجد تازة. وفي شهر رمضان من نفس العام حاصر مدينة طريف واستولى عليها في شهر شاور عام 691 ق.م. ولم يذكر أنه تم بناء مدرسة بجانب هذا المسجد أو مقابله وأسميناها “المدرسة اليوسفية”. ولذلك تبقى كل الروايات عن الأخيرة (المدرسة اليوسفية) بلا أساس أو سند علمي. وتبقى دون سند علمي أو أساس معرفي تاريخي، أسوة بما ورد عن الاعتبار الذي حظي به المولى رشيد عندما اختار تازة انطلاقا لتوحيد البلاد (هل نسميها المدرسة الرشيدية؟).
تجدر الإشارة إلى أن الالتباس حول موضوع مدرسة تازة التاريخية بولاية بني مرين، تأثر بكون الحسن الوزان، في كتابه وصف إفريقيا، أشار إلى أن المدينة تحتل المرتبة الثالثة في البلاد من حيث المكانة والحضارة، ويوجد بها مسجد أكبر من مسجد فاس، وثلاث مدارس، وحمامات، وفندق، وسوق عادي. كيف هي هذه المدارس الثلاث من حيث الموقع والخصوصية؟ هل كان هناك أي شيء مذكور؟ وبالإضافة إلى المدرسة الحسنية المرينية بتازة، والتي لا جدال فيها لقوة الأدلة التاريخية، هناك حديث عن مدرسة عمورية تحمل اسم وادي عمري، خارج الجانب الشرقي من سور تازة. لقد كثر الحديث بين المهتمين عن اسم المدرسة الحنانية نسبة إلى مؤسسها السلطان أبو عنان المريني. ولا أعتقد أن المقصود هنا المدرسة، بل الزاوية المعروفة بركن أنموري على خريطة العمارة الدينية في بني مارين. وكغيرها من الزوايا التي أسسها هذا السلطان في المدن المغربية التاريخية مثل فاس وسلا وسبتة، فقد تم بناؤها على ضفاف وادي العامري الذي ينبع من عين العامري، المدخل الشرقي لتازة، لسهولة الوصول إلى المياه ومجاريها.
ما أود الإشارة إليه هو العمارة التعليمية التاريخية لتازة في فترة دولة بني مرين، مع الإشارة بشكل خاص إلى (المدرسة) التي يعرفها البعض بـ (اليوسفية) أو (الراشدية)، وهي بناء يقع مقابل البوابة الرئيسية للجامع الكبير بتازة، والذي ربما كان على جوانبه أعمدة منذ سنوات طويلة. ووفقا للأدلة التاريخية وما يمكن أن نتعلمه منه، فإن هذا المبنى كان سكنا للطلاب الذين يحضرون دروس الجامع الكبير. وعندما زار تازة مع رفقة كيناتة بنت بكار، زوجة السلطان مولا إسماعيل، في منتصف القرن الثامن عشر، ذكر رئيس الوزراء الإسحاقي هذه المدرسة في مذكراته الخاصة بالحج، وليس المدرسة المجاورة للجامع الكبير، والتي ربما لم تكن موجودة في ذلك الوقت. بل كان يقصد المدرسة المرينية الحسنية في المشوار، التي لا تزال أبياتها بارزة إلى اليوم، بدليل قصته عن الآيات المنقوشة على أبوابها، كما سبق ذكره في هذا الكتاب. يتجمد هذا الباب. ونعتقد أن المبنى الأثري المغلق الآن المقابل للبوابة الرئيسية لمسجد تازة تم بناؤه لاحقا، كما ورد في المصادر التاريخية المغربية. ويقال إن السلطان محمد بن عبد الله قد بنى مدرسة مع مسجد بتازة، وهو ما يتماشى مع ما يمكن الاستدلال عليه من مصادر البناء والترميم الأخرى التي يعرف بها الأخير، وربما كان ما حدث بتازة في عهده هو ترميم لواحدة موجودة. ولا أود أن أعتبر ما قاله “خوانو” في تقرير “تازة وغياتا” عن المصالح المدنية للقنصلية العامة الفرنسية بالمغرب خلال فترة الحماية. وقال إن بناء هذا المعلم الأثري تم عام 1764م. وحتى في المراجع ذات الصلة المذكورة في الأبحاث الأثرية الأخيرة عن تازة، يبدو أن هذه (المدرسة) كانت مجرد سكن للطلبة الذين يتابعون دراستهم بالجامع الكبير بالمدينة، وأنها كانت بناء ملحقا بهذا المسجد، فلا يبدو أن معمارها ومرافقها منشأة تعليمية. وحتى المصادر التاريخية التي تتحدث عن الجامع الكبير بتازة لا تكشف شيئا عن هذه (المدرسة) التي أصبحت الآن مجرد خراب.
تجدر الإشارة إلى أن اهتمام بني مرين بعمارة التعليم العلمي المغربي في العصور الوسطى كان راجعا إلى عدة اعتبارات فكرية وسياسية. وكانت المدارس التي أقيمت هنا وهناك في مدن البلاد مثل تازة، تحيط بها رعاية ملكية خاصة لضمان استمرارها، إضافة إلى سجون مخصصة لتغطية تكاليف خدمتها وأجور معلميها وسكن وإيواء تلاميذها… ومن هنا انطبع عليها الإشعاع والرنين وهي تعلم أنها مجانية. وفي الختام، فبالإضافة إلى الاهتمام الذي أولاه للعلم والاعتبار للعلماء والفقهاء والمؤسسات التعليمية وبرامجها، يبقى من المهم الإشارة إلى إحياء الحركة العلمية والتعليمية التي شهدها المغرب في عهد السلطان محمد بن عبد الله في نهاية العصر الحديث (القرن 18 الميلادي). وكان يحرص خلال أسفاره بالبلاد على مراقبة حالة التعليم والعلماء والمدارس والمهاجع ومجالس العلم، حتى أنه أصدر في عام 1789 مرسوما خاصا بإصلاح التعليم، وقد أكسبه حماسه للعلم والعلماء والتعليم لقب “السلطان العالم”. ولعل في هذه الديناميكية والإيقاع السلطاني ولدت إنشاء “مدرسة” لإنشاء جامع تازة الكبير للطلبة.آه وكان ينبغي أن يكون ذلك جزءًا من ورشة ترميم وترميم تشمل المناطق المحيطة به (المسجد الكبير) من أجل استعادة الاحترام للجامع الكبير وقيمته التراثية الرمزية والاستثمار الكامل في التنمية الإقليمية لمنطقة متكاملة.
مدير مركز ابن باري للبحوث والأبحاث وحماية التراث*
#من #أرشيف #التربية #المغربية #أمس #المدرسة #الجامع #الكبير #بتازة #جريدة #السفير #العصافير









