الرئيسيةفن وثقافةفن الشارع المغربي... بين الوضع والصراع

فن الشارع المغربي… بين الوضع والصراع

الدورات السابقة لمهرجان باغا للصباغة بالدار البيضاء (حمزة موينو)

اجتمع فنانون من جميع أنحاء العالم في مدينة أصيلة المغربية للرسم على الجدران البيضاء والزرقاء للموسم الثقافي الدولي الـ46، الذي اختتم أمس الأحد. ومنذ نهاية السبعينيات، أصبحت هذه الجداريات من أبرز المعالم المميزة للمدينة القديمة، حيث أضافت بعدا جماليا وجسدت ذاكرة حية تحافظ على تغيراتها. جدران أصيلة ليست النهاية، بل بداية حوار مفتوح بين الفن والمكان، مما يثبت أن فن الشارع المغربي ليس مجرد موضة، بل هو ممارسة متجذرة وفعالة.

وانتشر الفن الجداري من عصيرة إلى مدن أخرى في العقود الأخيرة، ومنذ بداية الألفية الثالثة، شهدت الدار البيضاء صعود موجة من الكتابة على الجدران في الأحياء الشعبية التي ترعاها مجموعات مثل “ذا بوليفارد”. هذه الجهود، التي بدأت كأنشطة شخصية في الضواحي، أصبحت فيما بعد ممارسات منتظمة مع إطلاق أول منصة رسمية لفن الشارع في المغرب، مهرجان باغا للصباغة، في عام 2013. هناك، لم تعد الجدران مجرد مساحات رمادية. لقد أصبحت مختبرات للابتكار الحضري ووسائل الإعلام لتجربة الرموز واللغة المرئية. كان هذا التحول بمثابة لحظة حاسمة رفعت الفن من تحت الأرض إلى فوق الأرض، ومن التهميش إلى المجال العام.

وفي عام 2015، أطلقت العاصمة الرباط مهرجان شارع جدار للكانفاس، الذي جمع فنانين من المغرب وخارجه، بهدف إعادة تنشيط العلاقة بين الفن ومنطقة العاصمة. وتتحول المدينة خلال المهرجان إلى ورشة عمل واسعة النطاق مفتوحة للجمهور، حيث تجتمع الجداريات الواقعية مع السريالية، بالإضافة إلى الأعمال النقدية والأعمال التي تمجد الذاكرة المحلية. جدار لا يجمل الفضاء فحسب، بل ينشطه ويعطيه بعدا إنسانيا وتاريخيا جديدا. كما أنها توفر لحظات من التفاعل بين الفنانين والمقيمين، مما يساهم في زيادة الشعور بالانتماء ويشجعنا على رؤية المدينة ككائن حي يمكن إعادة تشكيله.

بين الذاكرة والاحتجاج

في أواخر عام 1979، في المغرب، كانت بعض مناطق فاس مسرحًا للكتابات على الجدران والرموز التي تحمل توقيع “عبد الله” الرمزي. وفي عهد الإضرابات الطلابية وصعود الحركة النقابية المغربية التي تبنت المطالب الحقوقية لأعضائها، كانت رمزا مجهولا واسما مجازيا لم تعترف به اضطهاد السلطات التي واجهتها بالعنف والقمع. في هذه الأجواء، أصبحت النصوص الساخرة والمسيئة هي النبض اليومي، تنتقل من جدار ممحى إلى آخر.

وشكل الجدار مساحة للاحتجاج في أهم مرحلة في تاريخ البلاد

ومع اندلاع الربيع العربي، كشف هذا الفن الشعبي عن آفاق جديدة في المغرب من خلال تشابك الفضاء الرقمي مع جدار حي يحمل شعار “الشعب يريده”. أنشأ شبكة من الاتصالات الافتراضية والحقيقية التي أصبحت وسيلة لرفع مستوى الوعي العام بالقضايا الاجتماعية والسياسية.

وعلى النقيض من هذا الانفتاح، لا يزال فن الشارع المغربي يعمل في منطقة رمادية بين الاعتراف المؤسسي والملاحقة الأمنية. في حين أنه من الصحيح أن العديد من الجداريات يتم إكمالها بإذن مسبق، فقد تمت إزالة أو تقييد البعض الآخر بسبب محتواها أو رسالتها المهمة. كشف اعتقال يوسف الزاوي عام 2017 في الدار البيضاء، الشاب الذي ابتكر ملصقات صادمة جمعت بين رموز المال والإعلام والجنس، عن هشاشة العلاقة بين الفنانين والمؤسسات. وفي طنجة، تمت إزالة لوحة تحمل صورة للمصورة الراحلة ليلى علاوي في عام 2021، لكن السلطات سحبتها بعد موجة من السخط العام، مما أثار الجدل من جديد حول الرقابة على الأماكن العامة.

من موسم أصيلة الثقافي 2024 (العربي الجديد)

من الجداريات التي تعتمد على التقاليد المحلية إلى تلك المستوحاة من موسيقى الهيب هوب والخط العربي، فإن المشهد البصري في المغرب اليوم متنوع بشكل لا يصدق. يستخدم الفنانون الشباب، بعضهم علموا أنفسهم والبعض الآخر من ذوي الخبرة، الجدران ليس فقط كمكان للعرض، ولكن كصفحة مفتوحة للكتابة التعاونية. وفي مدن مثل مراكش وفاس وآسفي، ظهرت لوحات تجمع بين الزخرفة الإسلامية والأشكال الحداثية، لتحول الجدران إلى مساحات تشكك في الحاضر وتستحضر الماضي. ولا يقتصر الأمر على تزيين المكان فحسب، بل إعادة تفسيره وإضفاء معاني جديدة عليه تصب في الذاكرة الجماعية والهويات المتعددة التي تتقاطع داخل النسيج الحضري.

وعلى الرغم من الطبيعة المؤقتة لبعض هذه الأعمال، تبدو الجداريات المغربية بمثابة أرشيفات بصرية حية توثق خصائص المجتمع المتغيرة باستمرار. لا يعتمد الأمر على الحالة المزاجية للفنان فحسب، بل يعتمد أيضًا على تفاعل من يعملون معه، والبيئة التي يتم خلقه فيها، وهوية المنطقة التي تستضيفه. وفي غياب سياسة ثقافية واضحة ضد هذا النوع من التعبير، تبقى هذه الجداريات رهينة المبادرات الفردية والمهرجانات الموسمية، ولا تحظى دائما بالمتابعة أو الحماية اللازمة.

مدينة ليست فقط لمشاهدة المعالم السياحية

على الرغم من عدم قدرة الحركة المخصصة للفن الجداري على أن تظل مسعى شخصيًا وشبه عسكري بحت، فقد أثبت فن الشارع أنه يمكن أن يكون أداة تنمية حقيقية عند دمجه في النسيج الثقافي والاجتماعي للمدينة. من خلال ورش العمل، والحوار مع السكان، والندوات الفكرية التي يعقدها الخبراء (كما في حالة مهرجان أصيلة)، والسياحة الفنية المحلية، تخلق الجداريات اقتصادًا ثقافيًا صغيرًا وتمنح المجتمعات المهمشة شعورًا جديدًا بالانتماء والكرامة. هنا لم يعد الفن رفاهية، بل عمل مدني يساهم في تجديد المدينة، ويساهم في فتح حوار مفتوح بين الأجيال والخلفيات الاجتماعية المختلفة، ضمن مشهد فني يسعى إلى توسيع نطاقه خارج النخب والمؤسسات.

أرشيف مرئي حي يوثق خصائص المجتمع المتغيرة باستمرار

وعلى الرغم من كل هذه العقبات، يصر فن الشارع المغربي على التوسع باعتباره جمالية يومية، وصوت احتجاج، ووسيلة للتعبير البصري. وتتحول الجدران الخالية من الروح إلى لوحات تنقل الاهتمامات الاجتماعية والسياسية والبيئية، مما يزيد من قيمة النقد والوعي لدى السكان. ورغم غياب سياسة ثقافية شاملة، تبقى الجداريات محاولة صادقة للتغلغل وإضفاء بعد إنساني على جدران المدينة الرمادية. إنها رسائل صغيرة في الفراغ، لكنها تمثل رغبة كبيرة في أن تُرى وتُسمع. بين الاحتفالات الرسمية لبعض المهرجانات والقيود المفروضة على تعبيرها العفوي، يبقى فن الشارع المغربي ورشة مفتوحة، يرسخ تساؤلاته الخاصة حول الجمال والمجتمع والحرية.

اليوم، تظهر المدن المغربية وجها جديدا من خلال عدد متزايد من الجداريات. الرباط مثل كتاب مفتوح، والدار البيضاء مرآة تعكس تموجات المجتمع، وعصيرة صفحة بلاستيكية تزداد عمقا كل عام. لكن هذه الطفرة الفنية في الشوارع تثير أسئلة جوهرية. فهل حان الوقت للبناء على هذا الفن من خلال تشريعات واضحة ودعم عملي، حتى لا يصبح رهينة الجهود الفردية أو يبقى مجرد زخرفة مؤقتة؟ وفي انتظار إجابة قاطعة، يواصل فن الشارع المغربي لعب دوره المزدوج. إنه جمال بث الحياة في الجدران، والصوت الذي لا يزال يتردد صداه في مدينة لا تُسمع فيها أصوات الكثير من الناس.

*كاتب من المغرب

#فن #الشارع #المغربي.. #بين #الوضع #والصراع

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات