وتأتي محطة 23 سبتمبر 2026 بعد أيام قليلة من صدور تقرير البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA) لدورة 2025، الذي احتل فيه المغرب المركز 82 من بين 90 دولة واقتصادا مشاركا، حيث أظهرت النتائج أن 73,2% من التلاميذ المغاربة بعمر 15 سنة لا يتقنون الكفايات الأساسية في المجالات الثلاثة مجتمعة: الاستيعاب القرائي؛ الرياضيات؛ علوم. هذه الأرقام وحدها كافية لجعل النقاش حول التعليم أكثر من مجرد فصل آخر في النظام الانتخابي، وأكثر إلحاحاً من اختزاله في وعود موسمية تتغير مع تغير مواعيد التأهل.
وفي هذا السياق، تبدو العودة إلى النظام الانتخابي للأحزاب السياسية المتنافسة على الأصوات في المغرب، بمثابة اختبار حقيقي لمدى جدية الخطاب السياسي فيما يتعلق بالمدارس. فهل للتعليم فعلا مكانة استراتيجية في المشروع السياسي، أم أنه يبقى مجالا من بين مجالات عديدة؟ فهل تقدم الأحزاب رؤية متماسكة للإصلاح المؤسسي، أم أنها تعيد تدوير قوائم مألوفة من الاختلالات والحلول؟ فهل نقرأ إذن التزامات سياسية قابلة للقياس وخاضعة للمساءلة في هذه البرامج، أم أنها مجرد وعود انتخابية بلغة ذكية تجتذب الناخبين؟
للإجابة على هذه الأسئلة، يركز هذا المقال على البرامج الانتخابية التي تقدمها تسعة أحزاب وتحالفات سياسية. الأصالة والحداثة. استقلال؛ العدالة والتنمية. حركة جماعية. التقدم والاشتراكية. اتحاد القوى الشعبية الاشتراكية. السند الدستوري. والائتلاف اليساري.
للوهلة الأولى، تظهر المقارنة أن التعليم موجود في تسعة برامج، لكن وجوده ليس له نفس الأهمية. البعض يضعها ضمن المفاهيم الأساسية للتنمية البشرية، والبعض الآخر يتناولها من منظور الخدمات العامة أو الدولة الاجتماعية، والبعض الآخر ينسب لها عدداً من الخطوات دون بالضرورة أن يعطيها مكاناً واضحاً ضمن بنية المشروع السياسي العام. ولا علاقة لهذه الملاحظة بعدد الصفحات المخصصة للتعليم، بل بما إذا كانت البرامج تتعامل مع التعليم كسياسة استراتيجية طويلة المدى أو كمجال تتجمع فيه المطالب والتوقعات.
وما يثير الدهشة هو أن الأطراف التسعة تكاد تكون مجمعة على تشخيص المشاكل الرئيسية. تحتاج المدارس العامة إلى استعادة الجودة، ولا بد من معالجة النفايات المدرسية، ولا بد من تعميم التعليم الابتدائي، ولا بد من تحسين ظروف المعلمين وتدريبهم، ولا بد من تأهيل المؤسسات التعليمية، ولا بد من مراجعة المناهج الدراسية، وتشكل الرقمنة واللغات جزءا من النقاش حول مستقبل المدارس. وفي هذه الحالة، من الصعب العثور على خلاف سياسي حقيقي حول وجود الأزمة. لكن السياسة تبدأ عند هذه النقطة بالذات.
وحيثما يتفق الطرفان على أن المدارس تعاني، تصبح مسألة الأولويات جوهر الخلاف. ولا يبدو البرنامج هنا واضح المعالم كما توحي كثافة الوعود. قد تبدو العديد من التدابير معقولة بشكل فردي، ولكن جمعها في برنامج واحد لا يؤدي تلقائيًا إلى خلق رؤية لسياسة التعليم. ولا تحتاج المدارس إلى بذل المزيد من الجهد فحسب، بل يتعين عليها أيضا أن تتفاوض على وجه التحديد بشأن ما ينبغي القيام به أولا، وما يمكن تأجيله، وما يمكن قياسه، وما ينبغي للبلاد أن تتوقف عن القيام به.
بالنسبة للمعلمين، على سبيل المثال، فإن الخطاب الحزبي موحد إلى حد كبير في الاعتراف بأهمية السياق المهني والاجتماعي، والتدريب، والاستقرار، وزيادة التحفيز. ومع ذلك، فإن هذا الإجماع حول أهميتها لا يجيب دائمًا على الأسئلة الأكثر صعوبة. أي نوع من المهنة التعليمية نريد؟ هناك فرق بين تحسين شروط ممارسة المهنة وبين إعادة هيكلة المهنة نفسها. من المرجح أن يترجم الأول إلى مطالب مالية وإدارية، والثاني هو الحاجة إلى تصور مسار مهني بدءًا من التوجيه إلى التدريب والتعيين والتنسيب الميداني والتدريب المستمر والتقييم والترقية وتحمل المسؤولية.
وتعمل بعض البرامج بطريقة أو بأخرى في هذا الاتجاه، فتقترح تخطيطاً استشرافياً للقوى العاملة، والربط بين التدريب المهني والمهني، وخلق الحوافز للمواقع النائية، وإعادة النظر في أنظمة التقييم. لكن الصورة لا تزال غير مكتملة، ويبدو أحيانا أن البرامج تعتمد على المعلمين لإصلاح كل شيء، رغم أنه ليس من الواضح دائما ما الذي سيتغير في ظروف عمل المعلمين أو في تنظيم المدارس لتمكينهم من القيام بذلك الدور.
يتم تقديم مثال آخر على المفارقة عندما يتعلق الأمر بالمناهج الدراسية. وتدعو البرامج الانتخابية في الوقت نفسه إلى التفكير النقدي، واللغات، والمهارات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتمويل، والإعلام، والتعليم البيئي، والمواطنة، وربط التعليم بسوق العمل… ورغم أن هذه كلها مطالب مشروعة، فإن المشكلة تكمن في أن المناهج الدراسية ليست قابلة للتوسيع إلى ما لا نهاية. عندما تضيف المدارس وظائف جديدة، فإنها تتطلب وقتًا للتعلم، وتدريب المعلمين، والموارد، والتقييم… لذا فإن السؤال الغائب نسبيًا عن المناقشات الانتخابية هو: “ما الذي يجب أن نزيله؟”
وتشكل نتائج البرنامج الدولي للطلاب (PISA) محيرة للخطاب السياسي، خاصة هنا، حيث إن المدارس المغربية مدعوة للاستعداد لعالم الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تزال تواجه صعوبات في ضمان السيطرة على الكفاءات الأساسية. الأولوية ليست الاختيار بين الماضي والمستقبل، بل بناء قاعدة معرفية تتيح الوصول إلى المستقبل. وتعترف بعض البرامج بذلك صراحة عندما تضع القراءة والكتابة والرياضيات في طليعة الإصلاح أو تضع أهدافا لتحسين النتائج في التقييمات الدولية. إلا أن هذا الوعي لا يظهر بنفس الشدة في جميع التصورات.
وعلى مستوى البنية التحتية، تم تقديم الوعود مراراً وتكراراً فيما يتعلق بالنقل والغذاء وإعادة تأهيل المرافق وتخفيف الاكتظاظ والاتصال بالإنترنت في المدارس وبناء المختبرات والمكتبات والمرافق الرياضية. وهي احتياجات حقيقية لا يمكن الاستهانة بها، خاصة في المناطق الريفية والجبلية. ومع ذلك، تميل المناقشات السياسية أحيانًا إلى التعامل مع المؤسسات التعليمية بالمنطق الحضري. بمعنى آخر، إذا قمنا بإصلاح المباني، وإعداد المؤسسات التعليمية، وربطنا بالإنترنت، فإن مدارسنا ستصل إلى الجودة.
المشكلة هي أن المدارس ليست مجرد مباني. يمكن تجهيز المؤسسات التعليمية بالأدوات الحديثة، لكن التدريس يظل ضعيفا. ومن خلال القيادة التعليمية الفعالة، والمعلمين المؤهلين، والبيئة التعليمية الجيدة، يمكن حتى للمؤسسات ذات الكفاءة المتوسطة تحقيق نتائج أفضل. وبالتالي فإن قيمة استثمارات البنية التحتية لا تقاس فقط بعدد الغرف أو الأجهزة، ولكن بالنتائج التي تقدمها داخل القسم.
وينطبق الشيء نفسه على المتعلمين. وقد حقق البرنامج هنا تقدماً ملحوظاً في تجاوز التصور الضيق الذي يساوي بين الحق في التعليم والحق في الالتحاق بالمدرسة. يعد النقل والغذاء والإعانات والإقامة والدعم والتعليم الشامل والإنذار المبكر وإعادة إدماج الأشخاص المعزولين جزءًا من رؤية تكافؤ الفرص. وهذا أمر مهم لأن الأطفال الذين يعيشون في القرى النائية والأسر الضعيفة لا يبدأون العملية التعليمية من نفس المكان مثل الأطفال الآخرين.
ومع ذلك، لا يظهر المتعلمون دائمًا في البرامج كأصحاب مشاريع تعليمية، بل كمستفيدين من الخدمات العامة. ولا بد من الحديث عن مكافحة الهدر والدعم والنقل والتغذية، لكن هذا لا يعفي سياسة التعليم من قضايا أكثر جوهرية. ما الذي يجب أن يتعلمه هذا المتعلم ويكون قادرًا على فعله في نهاية كل مرحلة؟ ويعد قياس التعلم أكثر أهمية هنا من مجرد قياس عدد المستفيدين من الخدمة.
ولعل الفارق الأكثر وضوحا بين الخطة السياسية والعقد السياسي هو المال. كلما ارتفع حد الوعد، زادت تكلفة تنفيذ الوعد تلقائيًا. التعليم الابتدائي الشامل. بناء المرافق. توظيف المعلمين. تقليل الاكتظاظ. التوسع في النقل والتغذية. تجهيز المدرسة بالمعدات . تطوير الرقمنة. دعم الطلاب. بناء إطار. إن إنشاء خدمة جديدة ليس إجراءً مجانيًا. إلا أن معظم البرامج التي تمت دراستها ظلت محدودة في تحديد الموارد المالية اللازمة.
وهنا يتم التأكيد على أهمية الجهود المختارة لتحديد حصة التعليم في الناتج المحلي الإجمالي، كما فعل تحالف اليسار والتحالف التقدمي الاشتراكي بنسب مختلفة ولفترات زمنية مختلفة. وقد تختلف الحجج حول العدد المناسب، ولكن مجرد تحديده ينقل الوعد من عالم الخطابة إلى عالم حيث يمكن محاسبة أصحابه. وبالنسبة لبرنامج وعد بكل شيء تقريباً من دون إخبار الناخبين بحجم التكلفة أو من أين سيأتي التمويل، فإن هذا يعني أن الأجزاء الأكثر حساسية من الوعد تُركت خارج البرنامج.
وهذا ينطبق على الجميع بدرجات متفاوتة. البرامج ذات الأهداف المتعددة دون مقاييس أو مواعيد نهائية تكون ضعيفة عندما تواجه مشكلات تتعلق بالمساءلة. وتظل تلك التي تقدم أرقامًا دون الإشارة بوضوح إلى تكاليف التنفيذ ومصادر التمويل غير مكتملة. فهو يجمع عددًا كبيرًا من الإجراءات دون تحديد أولوياتها، مما يعطي صورة غنية عن النوايا ولكن طريقة سيئة للاختيار بينها. فحتى البرنامج الأكثر تفصيلاً لن يكون بالضرورة متسقًا إذا لم تكن أهدافه ووسائل تحقيقه مرتبطة بنتائج قابلة للتحقيق.
ومن هذا المنظور، لا يبدو أن البرامج التسعة مختلفة عن بعضها البعض كما تقترح الحملة. وتوجد اختلافات في مستوى التفاصيل، وبعض الأولويات، وحجم الأعداد، ودرجة الوضوح بشأن التمويل والحوكمة والتقييم. لكن أوجه التشابه أكبر. فالجميع تقريبا يريدون مدارس عامة جيدة، ومناصب أفضل للمعلمين، وتعليم ابتدائي أوسع، وهدر أقل، ومناهج دراسية أفضل، والمزيد من الرقمنة، ولغات أقوى.
والمشكلة هي أنه لا يكفي الاتفاق على الشكل الذي ينبغي للتعليم أن يكون عليه. ويحتاج الناخبون إلى معرفة ما الذي سيتم القيام به أولاً، وكم سيكلف ذلك، ومتى ستظهر النتائج، ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم يتم تحقيق ذلك. ولابد أن تدور المنافسات السياسية حول التعليم، وليس حول من يستطيع أن يتضمن أغلب الالتزامات في خططه.
علاوة على ذلك، لا تعمل المدارس دائما وفقا لتوقيت الانتخابات، لأن الإصلاحات التعليمية تستغرق وقتا أطول من التفويضات الحكومية، كما أن نتائج تغييرات المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين، وإصلاحات التعليم الابتدائي، ومبادرات التعلم الأساسي لا تظهر دفعة واحدة. ولهذا السبب فإن الاستمرارية في سياسة التعليم ضرورية، وتجاوز منطق التغيير الحكومي. والمطلوب ليس إلغاء التنافس السياسي على المدارس، بل إخراجها من منطق استمرار الانشقاق، حتى لا تبدأ كل حكومة من جديد في بناء مدارس جديدة على إرث سابقتها.
في الختام، لا تقول البرامج الانتخابية التسعة إن الأحزاب السياسية لا تهتم بالتعليم، لكنها تقول شيئًا أكثر إثارة للقلق. ورغم أن المناقشة السياسية المحيطة بالمدارس غنية إلى الحد الذي يجعل من الصعب العثور على حزب سياسي لا يملك إجابة عامة، فإن الإجابات الدقيقة حول الأولويات، والتكاليف، والمواعيد النهائية، والمساءلة تظل بعيدة المنال.
وهذا تناقض يجب أن يهتم به الناخبون أكثر من أي شخص آخر. لا تعاني المدارس المغربية من نقص المفردات اللازمة لوصف الإصلاحات، بل من الحاجة إلى سياسات قادرة على الصمود أمام اختبار الواقع. في أعقاب برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) 2025، لم يعد من الممكن اختزال المناقشة حول التعليم في مجرد مسابقة للوعود. تحتاج المدارس إلى شخص ما ليقرر ما الذي يجب إصلاحه أولاً، وما الذي يمكن تمويله، وكيفية قياس تأثيره، ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم ينجح.
تنتهي الانتخابات بإعلان النتائج، لكن مسألة إصلاح التعليم لا تنتهي بانتهاء التصويت. وهناك مسؤولية سياسية بين الطرفين. جعل المدارس قضية وطنية وسياسة عامة طويلة الأمد، وليست مجرد ورقة أخرى في موسم التصويت.









