ويشهد المغرب اضطرابا كاملا في مجال التكوين النفسي، وبينما يتم تنظيم مجال الطب النفسي بعناية مثل أي تخصص طبي آخر، فإن مجال الأخصائيين النفسيين لا يزال يعاني من ضعف التنظيم القانوني، مما يساهم في زيادة كبيرة في عدد مدربي المساعدة الذاتية، الذين يستغرق تدريب بعضهم أقل من أسبوعين.
ولا يستطيع بعض المغاربة التمييز بين الأخصائيين النفسيين المدربين أكاديميا وبين أولئك الذين يدعون مؤهلاتهم عن طريق الحصول على شهادات تكوين مزورة. وقد أثار هذا الوضع مخاوف بين علماء النفس الأكاديميين لأنه قد يكون له تأثير سلبي على حالة الصحة العقلية في البلاد.
إحصائيات مذهلة
وكان وزير الصحة المغربي أمين الطهراوي، قال أمام البرلمان مطلع العام الجاري، إن عدد الأطباء النفسيين في البلاد لا يتجاوز 600 في القطاعين العام والخاص، ونسبة الأطباء النفسيين لكل 100 ألف نسمة هي 1.77، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تقل عن 10 أطباء لكل 100 ألف نسمة، موضحا أن هذا النقص لا يقتصر على الأطباء النفسيين، بل يشمل أيضا الأطباء النفسيين. المختصون، المساعدون الاجتماعيون، موظفو الدعم النفسي، هذا… له تأثير سلبي على جودة الخدمات، خاصة في المناطق النائية.
وفيما يتعلق بانتشار الاضطرابات النفسية والعقلية بين المغاربة، أشار الطهراوي إلى أن 26 في المائة من المغاربة يعانون من الاكتئاب، و9 في المائة يعانون من اضطرابات القلق، و5.6 في المائة يعانون من اضطرابات نفسية، في حين تبلغ نسبة المصابين بالفصام 1 في المائة.
الارتباك الكامل
وفي غياب الإطار القانوني، ارتفع عدد المؤسسات والدورات التدريبية التي تقدم العلاج النفسي وتدريب المدربين في مجال التنمية الشخصية. ويمكن لأي فرد أو منظمة إنشاء هذا النوع من المعاهد، حتى لو لم يكن لديهم التدريب العلمي اللازم. وفي ظل هذه البلبلة، يحذر مصطفى هدية، الأكاديمي المتخصص في علم النفس، من مخاطر هذه الظاهرة، لافتاً إلى أن هناك دورات تدريبية في المجال لا تتجاوز مدتها الأسبوعين.
كما اعترف جمال مجاهد، مدرب في مجال التطوير الذاتي، بهذه الحالة قائلاً: “هذا المجال مفتوح للجميع، فبغض النظر عن المستوى المعرفي والمؤهلات سواء كانت علمية أو عملية، يمكن لأي شخص أن يتلقى تدريباً في المركز، ويصبح مدرباً في تطوير الذات ويبدأ بتدريب الأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم نفسي، كما يمكنهم العمل على مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم النصائح أو تقديم دورات لتدريب مدربين آخرين”.
من ناحية أخرى، أكدت الخبيرة الإكلينيكية هناء مهدي، أن عمل الأطباء والأخصائيين النفسيين يرتبط بتشخيص الأعراض وعلاجها بطريقة علمية، بينما مدربي التنمية الذاتية لا علاقة لهم بالعلاج النفسي، موضحة أن مجال عملهم يقتصر على المساهمة في التحفيز وتنمية المهارات الشخصية، وأن تجاوز حدود النشاط المهني يمكن أن يعرض الأفراد لمضاعفات نفسية ضارة.
أحد مظاهر هذا الالتباس هو وجود حالات تم فيها القبض على أشخاص يتظاهرون بأنهم معالجين نفسيين في عيادات غير مرخصة. أحد الأسباب هو أن تشجيع مرضى الفصام على عدم الاستمرار في تناول أدويتهم ساهم في تفاقم الأعراض.
الحاجة إلى التطوير الذاتي
لكن الاختصاصية في علم النفس الإكلينيكي أم كلثوم عزيزي قالت إن المبدأ هو إتقان المهنة مهما كانت، لافتة إلى أن هناك مدربين بمستويات أكاديمية ومهنية جيدة يلعبون دورا مهما في تخفيف الضغوط النفسية وإيجاد حلول عملية لبعض المشاكل التي يمكن أن تصبح خطيرة إذا لم يتم حلها في الوقت المناسب.
وشددت على أن هؤلاء المهنيين مطلوبون في هذه الحالة، نظرا لأن هناك حالات لا تحتاج إلى أطباء أو أخصائيين نفسيين، مثل الفشل الدراسي الذي يصيب بعض الطلاب، أو “الاحتراق النفسي” الذي يمكن أن يصيب الأشخاص الذين يعملون تحت الضغط. وأوضحت أن هناك خللاً في الجمع بين العلم والتفكير التجاري، لأن مبدأ الربح مقدم على مبدأ إعطاء الأولوية لمصالح المرضى.
مواقع التواصل الاجتماعي
تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بإعلانات دروس العلاج الروحاني وكذلك الدورات التدريبية مدفوعة الأجر في مجال الصحة النفسية والتنمية الشخصية. في حين تبث معظم المحطات الإذاعية في المغرب برامج دعم نفسي تقدم حالات اجتماعية يقودها خبراء، بينما يقوم المذيعون في بعض المحطات الإذاعية بدور “المشرفين النفسيين”، حيث يقدمون التوجيه والحلول للحالات التي ترتبط جزئيا بالصحة النفسية. بالإضافة إلى ذلك، تنتشر النصائح النفسية والسلوكية من “صناع المحتوى” على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي مع غياب تام للرقابة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة الموضوعة في (حقل العقد ذات الصلة).
ويشير جمال موحد، مدرب في مجال تطوير الذات، إلى أن التأطير النفسي في العالم الافتراضي هو الأكثر شيوعا، لأن “لكل فرد الحق في التأثير والنصح كما يشاء، حتى بدون تدريب أكاديمي في مركز معين”، لذا يمكننا إنشاء قنوات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لإعطاء الإرشادات والنصائح. يمكننا أيضًا توفير التدريب المتعلق بالصحة العقلية والتدابير السلوكية الخاصة ببيئات اجتماعية معينة لا يمكننا السيطرة عليها.”
ولفت السيد موحد إلى أن هذه المشكلة تؤدي إلى تفاقم الإرباك في قطاع الصحة النفسية بالمغرب، الذي يتلقى التوجيه من أشخاص لا يملكون الخبرة الكافية أو القدرة العلمية، الأمر الذي يمكن أن يكون له تأثير سلبي على الصحة النفسية للأفراد.
التدخل العلاجي الروحي
في المغرب، كما هو الحال في بلدان إسلامية أخرى، نعلم أن الجانب الروحي له حضور قوي في حل بعض المشاكل، سواء المتعلقة بالأمراض الباطنية أو الحديثة، لأن الكثير من الناس يلجأون إلى المعالجين الروحانيين، سواء السحريين الشرعيين أو المعالجين بالطاقة.
ولذلك فإن هذا المجال يشهد تداخلاً مع الصحة النفسية حيث وجد العديد من الأشخاص علاجاً لأعراضهم النفسية على أيدي هؤلاء المعالجين. وأوضحت الأخصائية النفسية أم كلثوم عزيزي أنه في ظل ارتفاع نسبة الأمية بين شريحة كبيرة من المغاربة وانعدام ثقافة تلقي العلاج النفسي، فإن المواطن العادي، حتى بدون تكوين في مجال علم النفس، سيتبع تعليمات المتعاطفين مع حالته، لافتة إلى أن دور الدين والثقافة الإسلامية في المجتمع العربي لا يمكن حصره، بل لا يمكن السماح بتداخل التخصصات.
#العلاج #النفسي #في #المغرب #فوضى #بحثا #عن #النظام









