حذرت الشبكة المغربية للحق في الصحة والحق في الحياة من أن الوضعية الصحية النفسية والعقلية في المغرب تواصل تدهورا خطيرا، معتبرة أن ضعف الإمدادات الطبية المتخصصة وارتفاع تكاليف العلاج والفجوات التشريعية تساهم في مواجهة آلاف الأسر لاضطرابات نفسية في ظروف صعبة وزيادة خطر التشرد والانتحار والإدمان.
وقالت الشبكة، في بيان أصدرته أمانتها يوم 6 سبتمبر، إن واقع الصحة النفسية بالمغرب وصل إلى مستوى “مثير للقلق”، محذرة من أن المرض النفسي يتحول من مشكلة طبية قابلة للعلاج إلى أزمة اجتماعية وإنسانية، في ظل تخلي الأسر عن الدعم الكافي ونقص موارد العلاج المتخصصة التي تتناسب مع حجم احتياجاتها.
وتعتمد الشبكة على بيانات رسمية تظهر أنه في حين يعاني حوالي 6.5 مليون مغربي (منهم 2 مليون طفل وشاب) من اضطرابات نفسية، فإن نسبة الذين يتلقون العلاج لا تتجاوز 15%، بحسب المصدر نفسه.
وتعزو الشبكة انتشار الاضطرابات النفسية إلى عوامل متداخلة مثل الاكتئاب والقلق والضغوط الاجتماعية والبطالة والفقر والصراعات الأسرية والبطالة وتعاطي المخدرات والكحول، مع ضعف برامج الوقاية والعلاج مما يزيد الوضع تعقيدا.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، أشارت الشبكة إلى أنه بالنسبة لعدد سكان يقارب 37 مليون نسمة، هناك أقل من 450 طبيبا نفسيا في القطاعين العام والخاص، وأقل من 1000 ممرض وممرضة متخصصين في التمريض النفسي، مما يعكس نقصا كبيرا في الموارد البشرية المتخصصة.
وربطت الشبكة أيضًا بين ضعف الخدمات العامة وارتفاع تكلفة العلاج في القطاع الخاص، موضحة أن الأسر غالبًا ما تضطر إلى تغطية معظم تكاليف الاستشارة والعلاج والاستشفاء من أموالها الخاصة.
وأضاف أن بعض المستشفيات العمومية تواجه أيضا صعوبات كبيرة في العثور على أسرة للأمراض النفسية، مستشهدا بمستشفيات في سلا والدار البيضاء وطنجة ومراكش، وأشار إلى فترات انتظار يقول التقرير إنها يمكن أن تمتد إلى حوالي عام.
وبالنظر إلى أن العلاج النفسي لا ينبغي أن يصبح خدمة مرتبطة بالقدرة المالية للمرضى وأسرهم، ترى الشبكة أنه إذا استمر هذا الوضع، فإنه سيزيد العبء المالي على الأسر، خاصة في ظل ضعف تغطية الخدمات النفسية والتدخلات في نظام التأمين الصحي.
كما حذرت الشبكة من التبعات الاجتماعية لعدم قدرة بعض الأسر على مواجهة حالات الأمراض النفسية الشديدة، مشيرة إلى أن ضعف الإمدادات الطبية أدى إلى لجوء الأسر إلى الأضرحة والعلاجات الشعبية والشعوذة للعلاج، بينما عجزت أسر أخرى عن رعاية الشخص المريض، وفي بعض الحالات يمكن أن ينتهي الأمر بالتشرد في الشوارع.
وترى الشبكة أن وجود المرضى النفسيين في الشوارع لا يهدد سلامتهم فحسب، إذ قد يتعرضون للاستغلال والاعتداء والإقصاء الاجتماعي، بل يطرح أيضًا تحديات تتعلق بالسلامة العامة، ودعت إلى معالجة هذه الحالات من خلال التدخلات الصحية والاجتماعية المتخصصة.
وعلى الصعيد التشريعي، انتقدت الشبكة استمرار الاعتماد على إطار قانوني يعود إلى عام 1959 لتنظيم بعض جوانب الصحة النفسية، معتبرة أنه لم يعد يتوافق مع المعايير الحديثة فيما يتعلق بحقوق المرضى.
وأضافت أن الإطار، في تقديرها، يفتقر إلى متطلبات واضحة للموافقة المستنيرة والرقابة القضائية، مما يزيد من الحاجة إلى ضوابط واضحة على التدخلات الأمنية والصحية عند التعامل مع الحالات الحادة، فضلا عن القضايا المتعلقة بتحديد صلاحيات الأطباء والممرضين والسلطات المحلية والسلطات الأمنية.
كما انتقدت الشبكة ما وصفته بحجر عثرة في مشروع القانون 71-13 المتعلق بالصحة النفسية، مشيرة إلى أن المشروع متروك منذ أكثر من عقد دون إمكانية تحميله.
من ناحية أخرى، سجلت الشبكة بشكل إيجابي إدراج الصحة النفسية ضمن الأولويات السياسية من خلال إطلاق الخطة الوطنية للصحة النفسية 2030، مقترحة أن تتضمن الخطة ميزانية قدرها 4 مليارات درهم و86 علاجاً، لكنها أكدت أنه من وجهة نظر الشبكة فإن تقييم أي خطة يجب أن يرتبط بدرجة انعكاس الخدمات المقدمة للمرضى وأسرهم.
وسجلت الشبكة عددا من الملاحظات بشأن الاتجاهات الحالية، أبرزها أنها قالت إنه بدلا من إعطاء الأولوية والجداول الزمنية الكافية للوقاية والكشف المبكر، خاصة في إطار الرعاية الصحية الأولية، تم التركيز على بناء الهياكل والأسر.
كما دعا إلى الإسراع في تنفيذ الإصلاحات القانونية لربط الخدمات النفسية بشكل فعال بالتأمين الصحي الشامل، لضمان استفادة المرضى من الخدمات العلاجية ضمن نظام التأمين الصحي الإلزامي، ولضمان عدم تحول العلاج النفسي إلى امتياز مرتبط بالأداء.
وأشارت الشبكة إلى أن خدمات الصحة النفسية تعاني من تفاوت جغرافي وأن معالجة هذا الخلل يتطلب توزيعا أكثر عدالة للموارد والهياكل المهنية، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الأطباء والمتخصصين تتركز في المدن الكبيرة، في حين أن هناك نقصا واضحا في المناطق الريفية والنائية.
دعت الشبكة المغربية للحق في الصحة والحياة، وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى إعادة النظر في الأسعار المرجعية الوطنية للخدمات النفسية، وخفض التكاليف التي تتحملها الأسر وتعزيز الرقابة على القطاع الخاص لضمان العلاج بأسعار معقولة للأشخاص المؤمن عليهم.
كما دعت إلى ضمان توافر الأدوية النفسية الأساسية واستمرارية العلاج، وإعطاء الأولوية للوقاية والكشف المبكر، خاصة للأطفال والشباب وكبار السن.
واختتمت الشبكة تقريرها بالتأكيد على أن الصحة النفسية ليست “امتيازا لمن يستطيع تحملها”، بل هي جزء من الحق في الصحة والكرامة الإنسانية، ودعت إلى معالجة الموضوع كأولوية ملحة، خاصة مع إطلاق الخطة الوطنية للصحة النفسية 2030.
#الصحة #النفسية #في #المغرب #شبكة #حقوق #الإنسان #تنتقد #التركيز #على #العزلة #وإهمال #الناس








