تم النشر في 31 يناير 2026
|
آخر تحديث: 22:12 (بتوقيت مكة)
القصر الكبير- بعد ثلاثة أيام من فيضانات وادي اللوكوس، بدت مدينة القصر الكبير شمالي المغرب وكأنها تعود إلى الحياة ببطء وحذر مع انحسار المياه عن معظم شوارعها، تاركة شوارع أخرى مغمورة بالمياه، لكن القلق بقي على وجوهها.
أولى سكان المناطق التي غمرتها الفيضانات اهتمامًا أكبر بالسماء والتنبؤات الجوية أكثر من الساعات. وقبلت بعض الأسر في الأحياء المتضررة الانتقال إلى ملاجئ مؤقتة داخل المؤسسات التعليمية والاجتماعية، في حين فضل البعض الآخر البقاء بالقرب من منازلهم خوفا من فقدان ممتلكاتهم.
وقالت فاطمة التي أمضت الليلتين السابقتين في المدرسة الابتدائية للجزيرة نت: “قدرنا أن نعيش خارج المنزل هذه الأيام ونريد العودة إليه في أقرب وقت ممكن”. أما عبد الرحمن فقال بصوت أجش: “أفكر الآن في الانتقال للعيش مع عائلتي في مدينة أصيلة القريبة. يبدو أن حياتي تغيرت وعلي أن أتأقلم مع الوضع حتى تعود الأمور إلى طبيعتها”.
الدعم رغم الخوف
مثل عبد الرحمن وفاطمة، تتذكر أحمد الساعات الأولى بعد أن غمرت المياه منزلها في البلدة القديمة على طول وادي النهر. وأشار إلى أن مكبرات الصوت المختلفة دعت السكان إلى مغادرة منازلهم عند منتصف الليل، إلا أن الوضع لم يكن واضحا تماما حينها.
وأضاف: “استيقظنا على الصوت وجمعنا وثائقنا وموادنا الأساسية، لكننا لم نعرف هل نغادر أم نبقى. كان الخوف أكبر من الفيضان”.
ومع ارتفاع منسوب المياه، تحولت الأزقة إلى مجاري مؤقتة، مما سمح للمياه بالتدفق إلى المنازل والشركات، وخاصة في المناطق المنخفضة بالقرب من قنوات الوادي. وكشف الضغط الهائل على شبكة الصرف الصحي عن نقاط ضعفها وأعاد إلى الواجهة ذكريات الفيضانات التي شهدتها المدينة في الماضي.
ووسط الفوضى التي أحدثتها المياه، برز مشهد إنساني يخفف من قسوة الزمن، حيث تطوع مواطنون لنقل العائلات المحاصرة في قوارب مطاطية ومركبات مؤقتة، وآخرون عرضوا نقل العائلات المهددة بالمجان إلى المدن القريبة مثل العرائش ووززان. وتم تداول أرقام هواتف لترتيب أماكن الإيواء ووسائل النقل على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تم فتح المنازل لاستقبال الضحايا.

وأضافت فاطمة أن هذه الجهود رغم طابعها التطوعي لعبت دوراً مهماً في تخفيف القلق، وعلقت بأنها عكست تشابك المعاناة الإنسانية مع تفاصيل الحياة اليومية، وحرص بعض السكان على إخراج الماشية والقطط والكلاب من المناطق التي غمرتها الفيضانات، حتى لا تترك الحيوانات وراءها.
وعاد الخوف إلى المنازل التي بدأت للتو في إزالة آثار المياه في مواجهة دعوات جديدة للإخلاء الاحترازي ليلتي الجمعة والسبت.
ويقول المواطن عبد الله للجزيرة نت وهو يستعد لعبور طريق غمرته المياه في طريقه إلى منزله “كنا نخاف من المياه، لكن خوفنا أكبر من ترك منزلنا خاليا”.
وقال مسؤولون من المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، في تصريح صحفي، إن الدعوة للإخلاء هي احترازية وتهدف إلى إنقاذ الأرواح، وإن أي إجراءات تتعلق بسد وادي المخزن تخضع لمعايير فنية دقيقة وتنسيق وثيق.
التعلق بالمأوى
ويشكل إجلاء السكان المتضررين من الكوارث مصدر قلق كبير. ولا يعود ذلك فقط إلى تزايد عدد الأسر التي اضطرت إلى ترك منازلها في الأحياء القريبة من قنوات الوادي، بل أيضا بسبب المخاوف بشأن مدة وظروف مراكز الإجلاء وضمان كرامة المتضررين، خاصة الأطفال والمسنين والمرضى، في انتظار العودة إلى السكن الآمن أو إيجاد حلول بديلة أكثر استقرارا.
ورأى إدريس سدراوي، رئيس الجمعية المغربية للحقوق المدنية وحقوق الإنسان، أن الحادثة “كشفت عن ضعف الحزم وغياب التواصل التنظيمي الفعال في الساعات الأولى، مما ساهم في تضخيم الخوف، خاصة مع انتشار الشائعات”.
وقال للجزيرة نت: “إن مخاوف السكان مشروعة، فهي تمس سلامتهم وسكنهم وكرامتهم، ولا يمكن معالجتها إلا بالمعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب”.
وشدد المدافع عن حقوق الإنسان على أن حماية الحياة لا تنفصل عن الحفاظ على الكرامة، داعيا إلى توفير السكن الملائم والتغذية والدعم الصحي والنفسي، والتواصل اليومي الشفاف مع الجمهور.

قبل الكارثة
في حين قال الخبير البيئي مصطفى بن الرمل للجزيرة نت إن التعامل مع الفيضانات لم يعد يحتمل الارتجال، إذ أدى التغير المناخي إلى نمط من الأمطار الغزيرة المتكررة على مدى فترات زمنية قصيرة.
وشدد على ضرورة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التنبؤ والتخطيط بعيد المدى بما يضمن أمن المواطنين ويحمي مصالح التنمية في مناخ يتسم بعدم اليقين وتزايد الأحداث المتطرفة.
وأوضح بن الرمل أن فيضانات القصر الكبير “لم تكن حالة معزولة، بل كانت بمثابة نداء للاستيقاظ”، مشددا على ضرورة الانتقال من التدخل بعد الكارثة إلى الوقاية من خلال إصلاح البنية التحتية ومنع البناء في المناطق المعرضة للفيضانات وإدماج الجوانب المناخية في التخطيط الترابي.
وعلى الأرض، أعلن الدفاع المدني استنفار الفرق لضخ المياه وفتح القنوات وإغلاق الطرق، فيما تدخل الجيش البريطاني بنصب خيم في ملعب قريب في المرتفعات على مشارف المدينة لحماية العائلات المتضررة وأولئك الذين فروا من منازلهم كإجراء احترازي.
كما تم تقديم المساعدات العينية والغذائية والعلاج الأولي للمرضى، وقد لاقى هذا التدخل استحسان السكان الذين رأوا فيه استجابة عملية للتخفيف من مخاوف التشرد التي تنتظرهم في المستقبل.
#الجزيرة #نت #ترصد #شدة #الفيضانات #لسكان #القصر #الكبير #المغربي









