تم النشر في 26 مايو 2026
|
آخر تحديث: 14:06 (بتوقيت مكة)
ويمثل الحج في الوجدان المغربي انتقالا روحيا من ضيق الذنب إلى سعة المغفرة قبل أن يكون انتقالا جغرافيا من غرب العالم الإسلامي إلى شرقه.
ولذلك احتل الإسلام مكانة مركزية في المخيلة الجماعية المغربية منذ وصوله إلى الأراضي المغربية في القرن الأول قبل الميلاد. وتؤكد المصادر التاريخية وروايات الرحالة ومذكرات المستشرقين وكتب “الممالك والدروب” أن المغاربة كانوا يؤدون مناسك الحج سيرا على الأقدام، فرادى أو جماعات، ويقطعون مسافات “الرحلة المقدسة” على مدى أشهر وحتى سنوات، في مواجهة عقيدة الباحثين عن الله، وصعوبات الطريق، ومخاطر الطريق.
كما يواجهون مخاطر الموت والجوع والعطش والمرض والخسارة في اختبار قاس لقدرتهم على تحمل مشاق السفر، لا يقاس بحسابات الجغرافيا أو وعورة التضاريس، بل بالتغلب على مخاطر الصحراء وتقلبات البحر. وفي محاولة للاتصال والتآلف في رحلة القلب، تنطلق أرواحهم قبل أجسادهم إلى المشعر الإلهي، ويساعدهم ارتباطهم بالمقدس في التغلب على صعوبات الوصول إلى الوطن الإلهي القديم. تصبح الممالك والآثار طرقًا إلى المعنى، وتصبح الصحاري المفتوحة مساحات غنية برموز الطريق إلى الإلهية، ويصبح الحج “ولادة جديدة” تبلغ ذروتها في مشاق الرحلة حيث يعيد البشر بناء علاقاتهم مع أنفسهم ومع الرب.
تنظيم الحج في المغرب.. عندما لم يعد الحج واجبا على المغاربة
كان طريق الحج محفوفا بالمخاطر، لذلك كان لا بد من تنظيم القوافل إلى الأراضي المقدسة في مواكب جماعية تسمى “مواكب الحجاج المغاربة”، والتي أطلق عليها بعض المؤرخين “مواكب الحج”، و”مسيرات الحج”، و”المسيرات النبوية”. وسميت بعض مواكب الحجاج المغاربة بأسماء المناطق التي انطلقوا منها، مثل “الراكب الفاشي”، و”الراكب السجلماسي”، و”الراكب المراكشي”، بينما كانت رحلة الحج البحرية تسمى “الراكب البحري”.
أول “رحلة حج” مغربية معروفة كانت “رحلة الساري” من آسفي بالمغرب إلى مكة والعودة. وتأخذ اسمها من مؤسسها الفقيه الصوفي أبو محمد صالح الماجري، المولود عام 550 قبل الميلاد، الذي أنشأ زاوية وصلة بين المغرب والحجاز لحماية الحجاج. حصلت على اسمها بعد أن أخذ كثير من الناس قواعد “رفع الضرر” و”سلامة الحج”. وبعد أن زاد الخطر أصبح الطريق شرط الواجب.
كما ظهرت آراء فقهية، كتلك التي طرحها ابن رشد الجد وأبو بكر الطرطوسي، تقضي بإعفاء أهل المغرب والأندلس من وجوب الحج لخطورة الطرق وعدم سلامتها.
ثم استمر موكب الحجاج وفق تقليد عمره قرون. وتحولت “الطوافة المغربية” إلى منظمة اجتماعية تعبر الحدود الجغرافية والاجتماعية في آن واحد، وتضم حجاجا من فئات اجتماعية مختلفة، من الأمراء والعلماء والقضاة والسياسيين والتجار وعامة الناس. فهو تجسيد عملي لجوهر الحج، والاختلافات مجرد أقنعة له. والمساواة هي تجربة وجودية تعيد المرء إلى تلك اللحظة الأولى من الوضوح.
وهو وضع مماثل لما أسماه عالم الأنثروبولوجيا البريطاني فيكتور تورنر “المجتمعات”، والذي يشير إلى المساواة والوحدة في الطقوس الدينية، حيث يشعر الأفراد أنهم يشكلون مجموعة متماسكة تتجاوز الطبقة، والاختلافات الاجتماعية، والانتماءات الضيقة، وترتفع نحو أفق روحي، حيث، على سبيل استعارة نهج كليفورد جيرتز في التعامل مع الطقوس والرموز الدينية كأنظمة، “تعمل الرموز المقدسة على توحيد الروح الأخلاقية للمجموعة”. يرسخ القيم الأخلاقية ويزود الإنسان بالمعاني التي تساعده على تمثيل العالم.
وبالتالي فإن “رحلة المغرب” تشكل فرصة لبناء التضامن الاجتماعي وإعادة إنتاج التفاهم المشترك بين الحجاج من مختلف المجموعات والانتماءات، حيث يتجدد كل من الإيمان والانتماء، وعلى حد تعبير دوركايم “تتجدد القوة الجماعية التي تقف وراءهما بانتظام”. وهذا يعني أن رحلات الحج تتناسب مع وصف تورنر للطقوس باعتبارها تكشف عن “أعمق مستويات القيمة”.
إرهاب جيش نابليون
ولم تقتصر هذه القيم في وجدان الحجاج المغاربة على تضامنهم الخاص، بل انطبقت أيضا على جميع إخوانهم الدينيين. وتشير المصادر التاريخية إلى أن جيوش صلاح الدين الأيوبي في حروبه ضد الصليبيين، خاصة في معركة حطين وتحرير القدس، كان يحرسها مغاربة كانوا من خير أجناد الأرض، وفي العبارة الشهيرة المنسوبة إلى حاج مغربي “صامدون في البر، شجعان في البحر”. صلاح الدين.
وبسبب هذه السمعة الممتازة والمشرفة للمغاربة في الشام، تطلع المصريون بعد الحملة الفرنسية إلى موسم الحج وطلبوا دعم الحجاج المغاربة الذين سافروا برا من القاهرة أو بحرا عبر الإسكندرية لمساعدتهم في مواجهة قوات نابليون، كما يحدثنا المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي عن هذا الوصول في عجائب الآثار في السيرة والأخبار. صور للحجاج المغاربة المتوجهين إلى الجيزة يوم 6 دوركادا 1213 هـ، 11 هجرية. وفي أبريل 1799، «ثم تحدث الناس، وزاد الارتباك، وقالوا إنهم 20 ألف شخص جاءوا لإنقاذ مصر من الفرنسيين». ويقول الجبرتي أيضًا إن أعضاء هذه القافلة أخبروا الفرنسيين أن الحجاج المغاربة «يأتون لمحاربتهم وشن حرب مقدسة، وأنهم ذاهبون لشراء خيول وأسلحة وإثارة الفتنة».
ومع العلم أن عدد أفراد القافلة، بحسب المصادر التاريخية، لم يتجاوز 700 حاج، فمن المفهوم أن عددا قليلا من الحجاج المغاربة أثار الخوف في نفوس قادة “جيش الشرق” الفرنسي. ويتجلى ذلك في رسالة كتبها الجنرال دوغوا، محافظ القاهرة، إلى نابليون بونابرت، أعرب فيها عن قلقه البالغ إزاء شائعات مفادها أن المغاربة المقيمين في مصر كانوا يعتزمون التحريض على الثورة ضد فرنسا بالتعاون مع “القافلة المغربية”، وعزلوا القافلة المغربية عن مصر وشعبها، وأجبروها على تسليم أسلحتها، مع احتجاز عشرة رهائن حتى تتمكن من العبور إلى مصر. وقرر الحجاز أن يكتبوا رسالة إلى سلطان المغرب، إلى الأمير “ركب”، يطمئنونه فيها بأن الفرنسيين يعاملونهم معاملة حسنة ولم يترددوا في مساعدتهم حتى وصلوا إلى مقصدهم.
أزعج مرور الحجاج المغاربة إلى مصر نابليون وجنرالات الجيش الشرقي. وعلى وجه الخصوص، تطوع العديد من المغاربة في حركة المقاومة الشعبية العنيفة ضد قوات نابليون في كل من البحيرة والصعيد، والتي قادها العلامة المغربي الشيخ محمد الكيلاني، أو أيا كان، بحسب الجبرتي، “الشيخ محمد الجيلاني”. جاء ذلك في اتصالات من القادة العسكريين الفرنسيين.
ولذلك، أصدر نابليون، في رسالة مؤرخة 14 أغسطس 1799، إلى محافظ القاهرة، أوامره الصارمة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد الحجاج المغاربة الذين أرادوا البقاء في مصر، معربا عن مدى الخوف الذي فرضه الفرنسيون على الحجاج. وتأكيدًا لرغبتهم في طردهم من مصر دون تأخير، أمر نابليون “بالقبض على كل من سقط من القافلة المغربية، والاحتفاظ فقط بالمغاربة الذين قدموا إلى القصير”. يومًا ما، واستمر في السير على هذا الطريق. إلى بلدهم دون المرور بالإسكندرية.
إلا أنه في اليوم التالي (15 أغسطس 1799)، أثناء مروره من القاهرة، استقبل أمير “المغرب” وسلم رسالة إلى مورا سليمان، سلطان المغرب آنذاك، أعرب فيها للسلطان عن أسمى تعبير، يبدأ بالبسملة والشهادتين: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”. الاحترام والتبجيل: وقال: “لحضرتك الكريمة، سلطان المغرب، القوي بين الملوك والمخلص لتنفيذ شريعة الرسل، نغتنم فرصة عودة الحجاج المغاربة لنكتب لك هذه الرسالة لإعلامك بأننا قدمنا لهم كل ما نستطيع من مساعدة، حيث أن همنا الرئيسي هو القيام بكل ما يقنعك بامتناننا لك”.
ولذلك كان حج القدم المغربي جزءا من تاريخ مغاربة “المشرق” وجزء من تاريخ التواصل المستمر بين المغرب والمشرق. وذلك لأن رحلة الحج، بالإضافة إلى أداء الواجبات الدينية، كانت لها أهداف نبيلة أخرى بالنسبة للعديد من الحجاج المغاربة، مثل التبادل العلمي من خلال العلماء وطلبة العلم، والاجتماع مع إخوانهم الدينيين من مختلف أنحاء المعمورة، والاستفادة من إمكاناتهم العلمية ومهاراتهم الدعوية وخبراتهم العسكرية. ولغرس الغيرة في نفوسهم وحماية أرضهم، أصبح بعض الحجاج جزءًا من النسيج الاجتماعي والحياة العلمية والثقافية لمصر والحجاز وفلسطين والشام بأكمله.
إنهم يساهمون بشكل فعال في التفاعل الثقافي والتبادل العلمي والاجتماعي والاقتصادي، بحيث يصبح الحج سيرا على الأقدام رحلة دينية، حيث تحمل الأقدام المتعبة نور المعنى في أحلك الأماكن، عندما ينتصر معنى الصبر والرحمة والانقطاع والتواضع والتضامن والمساواة وإنكار الذات والقرب من الله، ويصبح الحج في فضاء العالم الإسلامي مدرسة روحية، وحركة تعلم حضارية وإنسانية. العيش من أجل الآخرين وليس من أجل نفسك، وبذلك تكتشف طبيعتك الحقيقية. في جغرافية الروح التي لا يعليها إلا الله.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
#عندما #أرهب #الحجاج #المغاربة #جيش #نابليون









