الرباط- مع بقاء أيام فقط على فتح باب التقدم للانتخابات البرلمانية المغربية في 23 سبتمبر 2026، تصاعدت التوترات بين طرفي الائتلاف، مع اندلاع حرب التصريحات بعد أن اتهم المجلس الوطني لحزب الحرية حليفه حزب الحداثة الأصيل علناً بـ “استخدام أساليب الإغراء والترهيب لإقناع النواب والمرشحين والقادة”.
وقال حزب رئيس الوزراء في بيان بعد الاجتماع السياسي إن “هذه التصرفات تنتهك أخلاقيات العمل السياسي وقواعد المنافسة الديمقراطية”. وأضاف: “محاولات تجنيد أعضاء المكتب السياسي تتجاوز المنطق الطبيعي للتحولات السياسية وتؤثر على أعراف العلاقات بين الأحزاب السياسية واستقلال التنظيمات الحزبية وقياداتها”.
وفي أغسطس/آب، أعلنت المحكمة الدستورية خلو 14 مقعدا في مجلس النواب بعد تقديم النواب استقالاتهم، كما تم استبعاد نائب آخر من العضوية بعد تغيير انتمائه الحزبي، حيث قرر أغلبية النواب الترشح عن حزب الحديث الحقيقي.
رداً على هذه الاتهامات، أصدر أربعة من مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة، الذين كانوا يشغلون في السابق مسؤوليات برلمانية ومحلية تحت راية المجلس الوطني غير الحزبي، بيانات منفصلة أكدوا فيها أن تغيير انتمائهم الحزبي لم يكن نتيجة ضغوط أو حكم ظرفي يتعلق بالانتخابات، بل “نتيجة لمعتقدات سياسية وتقييم لكيفية إدارة حزب الجمعية لعلاقاته مع ناخبيه وقاعدته”.
الاتهام المتبادل
وفي تصريح للجزيرة نت، قال محمد شوقي رئيس التجمع الوطني للمستقلين، إنه لكي تشارك في مشروع مجتمعي، لا بد من العمل عليه لمدة زمنية كافية، وليس قبل شهر فقط من يوم الانتخابات. “إذا لم يعد المشروع يلبي رغبات المرء، فمن حقه الطبيعي أن يراجع المرء معتقداته السياسية ويغير انتمائه الحزبي، ولكن ما هو غير عادي هو أن يتم الكشف عن ذلك قبل شهر من الانتخابات وبعد أيام قليلة من حفل الافتتاح”. وسيبدأ تجنيد المرشحين. “
وأوضح شوقي أن بيان الحزب الأخير يهدف إلى إعلام الرأي العام باستغرابه من هذه الممارسات السياسية، والتأكيد على احترام كافة الأطراف السياسية. وقال: “أحياناً عليك أن تقول الشيء الصحيح وتتنافس على أساس المشاريع والبرامج، وليس على منطق القوة أو من لديه القدرة على استقطاب المرشحين في اللحظة الأخيرة”.
في غضون ذلك، أدان حزب الأصالة والمعاصرة الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدا في بيان له أنه “لم يتم إجباره ولن يتم إجبار أي مواطن أو مواطن على الانتماء إلى الحزب”، ووصف هذه الممارسة بأنها “مجرمة قانونا ومنفرة أخلاقيا”.
وأضافت: “بفضل إيمانه الراسخ والمبدئي بحرية الاختيار وحرية الانتماء، ظل غير منزعج عندما رشح المجلس الوطني للحزب المستقل خلال انتخابات 2021 أكثر من 17 نائبا ينتمون سابقا إلى خمسة أحزاب سياسية، بينهم ستة أعضاء ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بالإضافة إلى العشرات المنتخبين في المجلس الجماعي ومجلس الشورى”.
وأضاف أن الحزب “لن يقبل الدروس من أي حزب سياسي فيما يتعلق باحترام القانون والالتزام بقواعد العمل السياسي والمؤسساتي”.

التحول والخصوصية
ويرى أمين السيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، أن الصراع المعلن بين طرفي التحالف الحكومي يكشف عن تغير في طبيعة التنافس الانتخابي نفسه. وقال للجزيرة نت إن سحب المنافسة الحزبية من ناخبي الأغلبية إلى المجال العام سيوفر خصوصية أكبر مقارنة بانتخابات 2011 و2016 و2021 خلال الفترة الحساسة التي تسبق الانتخابات البرلمانية 2026.
وأوضح أنه في حين شهدت الانتخابات السابقة استقطابات بدرجات متفاوتة تدور حول مشاريع وسياسات حزبية أكثر وضوحا، فإن المناخ الحالي يدور إلى حد كبير حول المرشحين والدوائر الانتخابية وقدرة الناس على الحفاظ على التوازن الانتخابي.
وهو يعترف بأن المنافسة بين الأحزاب المتحالفة تظل جزءًا طبيعيًا من الديمقراطية، لكنه يعتقد أن أهميتها السياسية تتغير عندما يصبح جذب المرشحين الراسخين أحد أبرز العناوين الرئيسية في الحملة الانتخابية.

وحذر أمين السيد من تأثير هذه القضية على الساحة السياسية والمشاركة الانتخابية، قائلا: “عندما يهيمن الاستقطاب على الساحة الانتخابية، يقل النقاش حول السياسة العامة وتعطى الأولوية للنقاشات حول الأفراد، وبالتالي تضيق مساحة التصويت السياسي”، الأمر الذي يمكن أن يؤثر على الثقة والرغبة في المشاركة في الانتخابات.
ويرى عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن المنافسة المتزايدة بين التحالفين “المتنافسين” ستؤثر على المشهد السياسي، متوقعا أن تكون الأحزاب التي خسرت بشدة في الانتخابات الأخيرة، أكبر المستفيدين من الصدام الأخير.
واعتبر أن ما يحدث في الأوساط الحزبية “غير صحي”، خاصة أنه يمثل سابقة لإصدار حزب الأغلبية بيانات ضد حلفائه، الأمر الذي قد يؤثر على استقرار السياسة والهياكل الحزبية في البلاد. وأكد أن المواجهة الحالية بين المرشحين سيكون لها تأثير سلبي على كلا المرشحين، وأنهما “سيدفعان ثمناً سياسياً باهظاً” في الانتخابات المقبلة في 23 سبتمبر/أيلول المقبل.
السفر السياسي
ويحظر الفصل 61 من الدستور ما يعرف في المغرب بـ “السياحة السياسية”، أو تغيير الانتماء الحزبي خلال الدورة البرلمانية، استجابة لمطالب سياسية وعامة واسعة النطاق بوضع حد لهذه الممارسة التي قوضت المصداقية السياسية.
وأقر عقوبات صارمة في هذا الشأن، حيث أن تغيير الحزب أو الفريق البرلماني سيؤدي إلى الحرمان الفوري من العضوية.
ورغم صرامة النص الدستوري، إلا أن تطبيقه عمليا اصطدم بعدة ثغرات يستغلها المرشحون لتغيير ألوان الأحزاب قبل الانتخابات. يقدم بعض المرشحين استقالاتهم قبل أسابيع من الانتخابات، أو يعلنون عن تغيير انتمائهم الحزبي دون الاستقالة. ولهذا السبب قضت المحكمة بتجريد النائب من مقعده كعقوبة رادعة، لعدم رغبته في خسارة مقعده إلا لأسابيع قليلة مقابل تأمين مقعده. وسوف نرشح حزبا أقوى للفترة المقبلة.
ويرى عباس الوردي في حديث للجزيرة نت أن ظاهرة تغيير الانتماءات الحزبية لا تزال تحكمها ضوابط أخلاقية وليست قانونية، إذ أن مغادرة المرشحين للحزب في نهاية فترة ولايتهم والترشح نيابة عن حزب منافس، بغض النظر عن خروجهم أو انضمامهم، يؤثر سلبا بشكل مباشر على الصورة العامة للحزب ويرسل إشارات سلبية للناخبين تمنعهم من الرهان على مشاركة سياسية أكبر.
ويتطلب هذا العلاج، بحسب الوردي، دمج البعد الأخلاقي في إطار قانوني ملزم، والاستعانة بآليات قانونية حاسمة لمنع اللبس في الترشيح والتنصل منه، وتجنب “الممارسات غير المقبولة التي تستنفد فيها الأحزاب ضوابطها الداخلية” باختيار مرشح معين ثم معارضته أو التخلي عنه في اللحظة الأخيرة لصالح رهانات انتخابية أخرى.
وأقر الوردي بأن الانتماء السياسي حق دستوري، إلا أنه يرى أن هذه الحرية يجب أن تكرس بنص قانوني صريح يمنع التلاعب على الأرض، مشيرا إلى أنه في ظل عدم وجود نص قانوني يمنع الانشقاقات أو سحب التوصيات في نهاية الفترة التشريعية، فإن الموضوع لا يزال مرهونا بالمسؤولية الأخلاقية للفاعلين السياسيين.

مدخل الإصلاح
ويميز أمين السيد بين تغيرات الانتماء بأنها تغيرات في المعتقدات السياسية والانتقالات التي تحركها في المقام الأول حسابات الترشيح والمقاعد.
ولذلك يرى أن النهج الأول للإصلاح يجب أن يكون داخل الأحزاب السياسية نفسها، من خلال مراجعة قوانينها الأساسية ولوائحها الداخلية، ووضع قواعد ترشيح واضحة وشفافة، واعتماد معايير منشورة لاختيار المرشحين تتعلق بالكفاءة، والحضور التنظيمي، والقدرة على تمثيل المشروع السياسي، والالتزام بالقواعد الحزبية.
وشدد السيد على ضرورة البدء بالمناقشات على المستوى التشريعي، وخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات، حول تنظيم الترشيحات والتنقلات الحزبية في فترة ما قبل الانتخابات، بما في ذلك النظر في الفترة بين ترك الحزب والاستفادة من ترشيحات الأحزاب الأخرى.
ويعتقد أن هذا الخيار يظل موضع نقاش دستوري دقيق يضمن التناسب، ويحافظ على حرية تكوين الجمعيات والترشح، ويستهدف السيولة الانتخابية الانتهازية دون تقييد الحريات السياسية.
لكنه يشير إلى أن هذه الإجراءات ستبقى محدودة ما لم يتم حل جذور المشكلة، وهي ضعف قدرة الأحزاب السياسية على إنتاج النخب. ويقول إن الأحزاب القوية تنظيمياً والتي تضم شباباً نشطين وناشطين مؤهلين تأهيلاً عالياً وموهوبين، تكون أكثر قدرة على تقديم مرشحيها، كما أن حاجتها أقل لجذب مرشحين مؤهلين.
ويؤكد السيد ضرورة استعادة سمعة الحزب كمدرسة لإنتاج النخب وتوجيه الشعب وتدريب الشباب وصياغة البرامج.
#السفر #السياسي #يثير #خلافات #داخل #الأغلبية #قبل #الانتخابات #المغربية









