استسلم إيمجوري
دق المغرب ناقوس الخطر بشأن الأوضاع التي يعيشها الأطفال في العديد من مناطق القارة الإفريقية التي تشهد نزاعات مسلحة، محذرا من الانعكاسات الخطيرة على هذه الفئة الضعيفة من السكان، لاسيما استمرار ظاهرة تجنيد القُصَّر في النزاعات المسلحة وما ينجم عنها من عواقب نفسية واجتماعية وتربوية قد تستمر لسنوات.
وقد رفع المغرب هذا الملف إلى مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، مؤكدا مجددا أن حماية الطفل لا يمكن أن تكون مجرد التزام قانوني أو شعار إنساني، بل يجب بدلا من ذلك تحويلها إلى سياسة عملية حاضرة منذ لحظة تعرض الأطفال للخطر وتستمر في مرحلة ما بعد النزاع من التعافي وإعادة بناء حياتهم.
ويأتي هذا الموقف في وقت لا تزال أجزاء من القارة الأفريقية تعاني من آثار الصراع المسلح الذي لم يعد يهدد حياة المدنيين فحسب، بل أصبح له أيضا تأثير كبير على مستقبل الأطفال. ويخرج العديد من الأطفال من المدارس، وينفصلون عن أسرهم، ويتعرضون للعنف والاستغلال، وفي بعض الحالات يضطرون إلى حمل السلاح والانضمام إلى الجماعات المسلحة.
وحذر المغرب من أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات يشكل انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي، نظرا لما يرتبط به من حرمان من الطفولة وتحويل القُصَّر إلى أدوات للنزاع دون القدرة على فهم سياقهم أو اختيار المشاركة. بالإضافة إلى ذلك، فإن آثار هذه التصرفات لا تنتهي بالضرورة بمجرد مغادرة الأطفال منطقة القتال، إذ يمكن أن تستمر الصدمة النفسية والاجتماعية لفترة طويلة.
وفي هذا الصدد، أكد المغرب أن التعامل مع الأطفال المرتبطين سابقا بالجماعات المسلحة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز مجرد إخراج الأطفال من مناطق النزاع. وتتطلب إعادة إدماج هؤلاء الأطفال توفير بيئة يمكنهم من خلالها استئناف حياتهم الطبيعية، بما في ذلك العودة إلى التعليم، والاستفادة من الدعم النفسي والاجتماعي، والحصول على فرص التدريب التي تساعدهم على الاندماج في المجتمع في المستقبل.
وتزداد أهمية هذا النهج بالنظر إلى أن العديد من الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع يواجهون ظروفاً اجتماعية واقتصادية صعبة حتى قبل اندلاع النزاع المسلح. ولذلك فإن معالجة الفقر والضعف والاستبعاد الاجتماعي جزء أساسي من السياسات الرامية إلى منع تكرار تجنيد الأطفال، لا سيما عندما تستغل الجماعات المسلحة نقاط ضعف الأسر ولا يكون لديها وسائل بديلة لتجنيد القُصَّر.
ويعتقد المغرب أيضا أن الوقاية ينبغي أن تحتل مركز الصدارة في الجهود التي تبذلها أفريقيا. وذلك لأن حماية الطفل لا تبدأ بعد حدوث الانتهاك، بل تبدأ قبل ذلك بتعزيز المؤسسات الاجتماعية والتعليمية، ودعم الأسر، وتوفير المساحات الآمنة للأطفال، وتعزيز آليات الكشف المبكر عن المخاطر التي يمكن أن تؤدي إلى التجنيد والاستغلال.
وفي هذا السياق، ذكر المغرب بإعلان الرباط الصادر عن المؤتمر الوزاري الإفريقي حول نزع سلاح وتسريح وإعادة إدماج الأطفال الجنود، المنعقد بالرباط في نونبر 2025، كخطوة تساهم في دعم الجهود الرامية إلى وضع حماية الطفل في قلب سياسات إفريقيا المتعلقة بالسلام والأمن.
ويعكس هذا الاتجاه رغبة في الانتقال من التعامل مع العواقب إلى مواجهة الأسباب، خاصة أن تجارب العديد من الصراعات تؤكد أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة نهاية معاناة الأطفال. وحتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر الأطفال في مواجهة حقائق مليئة بالفقر والخوف والاضطرابات النفسية ونقص التعليم، لذا فإن مرحلة ما بعد النزاع حاسمة في تحديد ما إذا كان الأطفال يستطيعون استعادة حياتهم أو الاستمرار في التعرض لمخاطر جديدة.
وفي هذا الصدد، دعا المغرب إلى الإدماج المنتظم لحماية الأطفال وإعادة إدماجهم في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وعدم معاملة الأطفال بشكل منفصل عن جهود بناء السلام. ووفقاً لهذه الرؤية، يجب إعطاء الأطفال في الصراع مكاناً خاصاً في أي عملية تهدف إلى تفكيك الجماعات المسلحة واستعادة الاستقرار في المجتمعات المتضررة.
وتتجلى أهمية هذه الدعوة أيضًا في حقيقة أن الأطفال يمثلون جزءًا أساسيًا من مستقبل المجتمعات التي أنهكتها الحرب. يمثل كل طفل يعود إلى المدرسة ويتلقى الدعم النفسي ويعيد التواصل مع أسرته وبيئته الاجتماعية فرصة جديدة لبناء مجتمعات أكثر استقرارًا يمكنها التغلب على آثار الصراع.
ومن ناحية أخرى، فإن الاستمرار في تجاهل هذه المجموعة يمكن أن يخلق دورات جديدة من العنف والضعف، خاصة إذا نشأ الأطفال دون تعليم أو حماية أو فرص اقتصادية. ومن ثم فإن إعادة التأهيل تبدو وكأنها استجابة إنسانية لضحايا الصراع واستثمار في السلام.
وأكد المغرب، من خلال موقفه، أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة مسؤولية مشتركة تتطلب التنسيق بين الدول والمؤسسات القارية والفاعلين في مجال السلام والتنمية، مع إعطاء الأولوية للوقاية وإعادة التأهيل وبناء مستقبل يسمح للأطفال المتضررين باستعادة حقوقهم الطبيعية في التعليم والأمن والحياة الكريمة.
وبينما تستمر الصراعات في تهديد أجزاء مختلفة من القارة، فإن المخاطر الحقيقية لا تزال تدور حول قدرة كل دولة على حماية الأجيال التي لم تختر الحرب ولكنها تدفع ثمنها. ولذلك فإن هناك حاجة إلى تحويل الالتزامات المعلنة لحماية الأطفال إلى برامج ميدانية مستدامة تضع الأطفال في قلب جهود السلام والتعافي وتمنحهم فرصا حقيقية لبدء حياة جديدة بعيدا عن الأسلحة والخوف والعنف.
#تعتبر #حماية #الأطفال #في #النزاعات #المسلحة #أولوية #قصوى #في #تحذير #المغرب









