سواء كنت تجلس في صالون فخم في أحد الأحياء الراقية بالرباط، أو في بيت طيني في قرية وسط جبال الأطلس، أو في خيمة على شاطئ رملي في الصحراء المغربية، فإن الشيء الوحيد الذي لا يمكنك تفويته هو كوب من الشاي المغربي. تعود أصول هذا السائل السحري إلى أكثر من 50 سنة، ويحتفل باليوم العالمي يوم 21 ماي من كل عام وهو لا ينفصل عن المزاج الجماعي للمغاربة. في الواقع، يعتبر رفض عرض الشاي وقاحة ضمنية في الثقافة الشعبية المحلية.
في المغرب، لا يعد الشاي مشروبًا يوميًا مفضلاً لكثير من الناس فحسب، بل هو أيضًا طقس اجتماعي يطرح القضايا الاجتماعية على الطاولة، ويبني الصداقات، ويحل المنافسات. يتمتع هذا المشروب بقدرة مذهلة على التكيف مع عواطف المغاربة، فهو موجود في أحزانهم وأفراحهم ويكون دائما الناطق باسمهم. كما يعتبر تناوله تعبيرا عن قبول الاندماج في الجماعة، وتحويله إلى أداة لتعزيز الروابط الاجتماعية والتضامن المجتمعي. ويتجلى ذلك في الأقوال المغربية الشهيرة مثل “عمر أتاي لا يأكل بدون جماعة” أو “تعال يا بلد الرضا.. لن تحل جلستك إلا بالراحة والجمع والتركيز”.
الطقوس والتحول
وقال خالد التوزاني، الأستاذ الجامعي ومدير المركز المغربي للاستثمار الثقافي: “إن الشاي والطقوس المرتبطة به في المغرب هي أكثر من مجرد وسيلة “لقتل الوقت”. الشاي هو مساحة احتفالية متميزة لخلق وتفعيل المناقشات العميقة. المقاهي الشعبية في التجمعات الاجتماعية والتجمعات الخاصة، يعد إعداد الشاي وشربه فرصة عظيمة لتحويل المواضيع اليومية إلى نقاشات سياسية ساخنة، أو تأملات اجتماعية، أو تبادل الذكريات الثقافية وتاريخ الآباء والأجداد. إنه “البرلمان الموازي” حيث تطرح القضايا. المجتمع حر، تتشكل التحالفات وتحل الخلافات. “
وقال التوزاني في تصريح لهسبريس: “للشاي في المخيلة المغربية مسؤولية نفسية واجتماعية فريدة. فالشاي صديق لجميع الفئات الاجتماعية، على اختلاف الأوضاع والأوضاع. ففي أوقات الفرح (أعراس، نجاحات، ولادات، زيارات)، يستخدم التمر والشاي للتعبير عن الكرم ومشاركة الفرح. ويقدم الشاي مع الحلويات. وفي أوقات الحزن (مواساة، شدائد، فراق) يعتبر الشاي “عزاء للوحدة” و”عزاء”. «شفاء الروح. إنها راحة تعيد التوازن النفسي وتذكر الحاضرين بأن الحياة مستمرة رغم الألم. هذه الازدواجية تجعل من الشاي وسيلة لاحتواء التناقضات».
وردا على سؤال حول فقدان طقوس تحضير الشاي الدقيقة في المجتمع المغربي بسبب تغيرات إيقاعات الحياة، قال نفس المتحدث إن “هيمنة الشاي السريع (التخمير بأكياس الشاي أو الغلايات الكهربائية) وتراجع الطقوس الدقيقة (تبخير الزهور، السكب من ارتفاع، الوضع في الثلاجة ثلاث مرات، ترتيب الأكواب بعناية، إلخ) تعكس التغيرات الهيكلية في المجتمع المغربي”.
وأضاف: «تشير هذه التغييرات إلى تسارع وتيرة الحياة بسبب ضغوط العمل وحياة المدينة والتعليم الحديث، والتحول في العلاقات الأسرية من العلاقات الأفقية الممتدة (أفراد الأسرة الممتدة والجيران) إلى العلاقات العمودية المنواة، حيث لا يكون الشاي بالضرورة مجموعة». إن القدرة على الشرب بمفردك أثناء التنقل، بدلاً من طقوس الشرب، تشير إلى زيادة في الاستهلاك الشخصي، وانخفاض في الزيارات الطويلة، وتأثير ثقافة العولمة والاستهلاك السريع الذي يجعل حتى الركود المؤقت موضوعاً للمنطق. “
يقول خالد التوزاني “إلا أن الطقوس التقليدية لم تمت تماما، فهي لا تزال تحيا في المناسبات الدينية والوطنية والعائلية الكبرى، كما يتم إحياء الطقوس بغرض إظهار الهوية. والشاي السريع لم يلغي الشاي العائلي أو الجماعي، بل خلق أساليب متنوعة تتناسب مع مختلف جوانب الحياة المغربية الحديثة. وهذا في حد ذاته يعكس مرونة الثقافة المغربية وقدرتها على التطور والتكيف مع أي ظرف وتطوره”.
العادات والمناسبات
يوضح عالم النفس الاجتماعي محمد حبيب: “للشاي وجلساته عادات وتقاليد وعادات عريقة. في الواقع، لا تقتصر مكانة الشاي عند المغاربة على مجرد مشروب يومي أو حالة إدمان، كما يصنفها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، بل هي ثقافة أعمق ترتبط بطقوس وجلسات اجتماعية خاصة ومميزة”.
وقال حبيب في تصريح لوكالة هيس برس: “القيمة الحقيقية تكمن في “جلسة الشاي” نفسها وما يصاحبها من تجمع عائلي وحوار ونقاش حول الطاولة”. في حين أنك قد تكون راضيًا عن كوب أو اثنين فقط، فإن الجلسة نفسها يمكن أن تستمر لمدة ساعة أو ساعتين أو حتى ثلاث ساعات. كما يعتبر تقديم كوب من الشاي لكل من يدخل منزلك ركيزة أساسية من ركائز الكرم وكرم الضيافة بين المغاربة. “
وتابع عالم النفس الاجتماعي: “الشاي هو أساس الجلسات في المجتمع المغربي، ويستخدم الشاي كوسيلة مثالية للم الشمل والتواصل وأحيانا لإدارة الصراعات والخلافات. كما أن الشاي حاضر بقوة في جميع المناسبات الاجتماعية، بما في ذلك حفلات الزفاف والجنازات”.
وأضاف: “كما أن الشاي غالباً ما يجمع جميع أفراد الأسرة أو المجتمع حول طاولة واحدة، بغض النظر عن الفئة أو الوضع الاجتماعي، كذلك يجتمع الفقراء والأغنياء على حد سواء حول طاولة واحدة، وتختفي هذه المواقف المختلفة وتتناغم المجموعات المختلفة، خاصة وأن هذا المشروب متاح للجميع، بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي”.
وشدد محمد حبيب على أنه “على الرغم من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وأحيانا الثقافية التي طرأت على المجتمع المغربي، فإن طقوس الشاي التقليدية لا تزال حية وبصحة جيدة. وحتى لو استقروا في المدن الداخلية، فإن سكان الصحراء يحملون معهم أباريق الشاي والأواني الخاصة وحبوب الشاي المفضلة لديهم، ويحافظون على طقوسهم ويحيونها أينما ذهبوا. وهذا يؤكد أن الشاي يرتبط ارتباطا وثيقا بكل تفاصيل الحياة اليومية”.
#يجمع #أتاي #المغربي #بين #الفقراء #والأغنياء #ويقيم #الصداقات #ويحل #الخصومات









