تم النشر في 27 يونيو 2021
|
آخر تحديث: 14:53 (بتوقيت مكة)
كان داود فاي، 25 عاماً، غارقاً في أفكاره حول أكثر من عام قضاه في العاصمة المغربية الرباط. داود، وهو مهاجر غير شرعي من السنغال، تمكن أخيرًا من الهبوط في هذا البلد بعد العديد من الصعوبات. تعد البلاد نقطة انطلاق للمهاجرين واللاجئين من شمال وغرب إفريقيا المتجهين إلى أوروبا القارية. أدرك فاي مدى صعوبة البقاء هنا ومدى قوة الأمن المغربي في الأرض، العقبة الأخيرة في الرحلة الصعبة شمالا. لكن، في منتصف شهر مايو/أيار، عندما كنت أحقق حلمي بأن تطأ قدمي العاصمة الفرنسية باريس للدراسة في الجامعة، سمعت شيئًا لم أصدقه في البداية. في تلك اللحظة بالذات، سمح حرس الحدود المغاربة أنفسهم للمهاجرين بدخول سبتة، وهي مدينة صغيرة مسيجة ومحتلة من قبل إسبانيا على الساحل الشمالي للمغرب. سبتة هي الآن جيب أوروبي على ساحل القارة الأفريقية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، قال داود إنه تواصل مع مجموعة من الشباب الذين أصروا على النوم على ساحل سبتة من أجل البقاء الأقرب إلى “أوروبا”. وعلم منهم أن أحد حرس الحدود المغربي نادى عليهم: “تعالوا يا شباب”. ثم قدموا النصائح حول آليات عبور النهر، بل وشرحوا الطريق الصحيح إلى الجزيرة، مما يسمح للمهاجرين المغاربة والأفارقة بالدخول بشكل غير عادي إلى الجيب الأوروبي. وبطبيعة الحال، هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 80 ألف نسمة مليئة بالشباب، لذلك لم يتردد داود في حزم أمتعته المحدودة، وأخذ جواز سفره وجهاز الكمبيوتر الخاص به، وركوب سيارة أجرة إلى نقطة قريبة من الحدود. وبعد فترة وجيزة، تمكن الشاب السنغالي من السباحة مع أكثر من 6000 آخرين من المغرب إلى سبتة المجاورة.
وفي اليوم التالي، تدفقت موجات من الناس إلى الجيب الحدودي، مستخدمين الأطواق والقوارب المطاطية للوصول إلى بر الأمان. في هذه الأثناء، بدأ استدعاء الوحدات العسكرية الإسبانية لاستعادة النظام، وواجهت مئات اللاجئين في البحر، الذين تقطعت بهم السبل مع عائلات بأكملها وأطفال دون سن العاشرة، نصفهم مغاربة. وفي نهاية المطاف، تكدس المهاجرون بالآلاف في المستودعات والمرافق غير الكافية في المدينة، أو لجأوا إلى المتنزهات. ومن الناحية السياسية، لم يكن المشهد أقل صدفة. بدت الأمور منطقية حينها، حيث كانت ورقة اللاجئين سلاحا قويا في بروكسل والرباط. وبدلا من انتزاع التنازلات المالية، استغل المغرب ذلك بكل بساطة. وقد تلقى المغرب بالفعل ما يقدر بنحو 13 مليار يورو من أموال التنمية من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2007 مقابل فرض ضوابط صارمة على الحدود، لكنه يسعى هذا العام لمزيد من تحويلات التمويل، والأهم من ذلك، يريد من الدول الأوروبية أن تعترف بمطالبات المغرب بالسيادة على الصحراء الكبرى. (1)


وتحقيقا لطموحات المغرب في الحصول على اعتراف أكبر بسيادته على الصحراء، وافقت الرباط العام الماضي على تطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة بسيادتها على الإقليم، مما يجعلها أول دولة غربية تعترف بسيادة المغرب على الإقليم وتفتح قنصلية لها في مدينة الداخلة. وبعد سنوات من المعاناة في الدبلوماسية المغربية، حقق المغرب مكاسب سياسية كبيرة في ظل إدارة ترامب، حيث اعترفت حوالي 50 دولة، بالإضافة إلى الاتحاد الإفريقي، بسيادة الساقية الحمراء والجبهة الشعبية لتحرير وادي الذهب (البوليساريو) على الإقليم. وسبق للرباط، وهي عضو في الاتحاد الإفريقي منذ 1984، أن انسحبت من المنظمة دون تردد. غضب من موقف الاتحاد من قضية الصحراء الغربية، التي انضم إليها من جديد عام 2017 بعد قطيعة دامت أكثر من 30 عاما.
وفي نهاية المطاف، شكل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء نقطة تحول رئيسية في طموحات المغرب الدولية. ثم تحولت أنظار الرباط إلى مدريد، التي قيل إن موقفها من هذا الاعتراف الأمريكي غامض، الأمر الذي أثار غضب المؤسسة الرباطية. ونتيجة لذلك، رفض المغرب دعم مطالب إسبانيا بالانفصال عن إسبانيا بشأن القضية الإقليمية الكاتالونية، مما دفع رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني إلى الحديث عن إمكانية الإفراج يومًا ما عن ملفات المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية المحتلتين من قبل إسبانيا، الأمر الذي أثار غضب مدريد.
وكانت الرباط تنتظر اعتراف المزيد من دول العالم بسيادتها على إقليم الصحراء الغربية، لكن الأخبار السيئة جاءت عندما وصل إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو والعدو الأول للرباط، إلى إسبانيا على متن طائرة طبية خصصها الرئيس الجزائري، حاملا جواز سفر دبلوماسيا للعلاج الطبي. وشكل وصول غالي إلى الأراضي الإسبانية في 18 أبريل من العام الماضي نقطة تحول كبيرة في الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا. وأكد المغرب أنه قبل قائد الجبهة لأسباب إنسانية فقط، حيث كان غالي مصابا بفيروس كورونا وكان في وضعية حرجة.

واعتبرت السلطات المغربية إدخال غالي إلى الاتحاد الأوروبي “قرارا عدائيا للغاية”، خاصة في حالة إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة للصحراء الغربية، وشعرت أن مطالبتها بالسيادة على الصحراء أصبحت موضع شك مرة أخرى، بعد الثقة التي عززها اعتراف الولايات المتحدة. ولذلك لم تتردد الرباط كثيرا في الانتقام، حيث تشير الأرقام إلى أن تدفق المهاجرين إلى سبتة قد تضاعف في الوافدين مقارنة بنفس الفترة من عام 2020، وبعد تعمدها تقليص عدد قوات الأمن في المدينة الساحلية لإغراق المنطقة بالمهاجرين، فتحت حدودها مع سبتة كما ذكرنا أعلاه.
وسعت إسبانيا إلى الحفاظ على ما يشبه الحياد في نزاع الصحراء المغربي، وذلك ردا على دعوتين لمحاكمة غالي أمام محاكمها الخاصة. الأول، الذي رفعه فاضل بريكة، وهو إسباني انشق عن جبهة البوليساريو، اتهم غالي بالتورط في عمليات “تعذيب” داخل مخيم اللاجئين الصحراويين في تندوف، والثاني، رفعته الجمعية الصحراوية لحقوق الإنسان ومقرها إسبانيا، واتهم غالي بارتكاب “إبادة جماعية”. “الإرهاب” و”التعذيب” و”الاختفاء القسري”.
والواقع أن غالي مثل أمام السلطات القضائية الأسبانية للتحقيق في مزاعم التعذيب والإبادة الجماعية، وهو التحقيق الذي أجري عبر تقنية الفيديو من مستشفى لوجرونيو في شمال أسبانيا، حيث يتلقى العلاج. إلا أن الجلسة المغلقة انتهت دون رفع أي دعوى ضد السيد غالي، حيث رأى أحد قضاة المحكمة الوطنية العليا في مدريد أن النيابة لم تقدم أي دليل يثبت أي مسؤولية جنائية من جانبه. وفي 2 يونيو، بعد 41 يوما في أحد المستشفيات، غادر السيد غالي إسبانيا على متن طائرة فرنسية، ودفعت الجزائر نفقاته.


خلال ما يسمى “مؤتمر الكونغو” عام 1884، تم تقسيم معظم أفريقيا بين القوى الاستعمارية الأوروبية، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الصحراء الكبرى تحت السيطرة الإسبانية. لكن مع انسحاب القوى الاستعمارية السابقة من المنطقة عام 1976، طالب كل من المغرب وموريتانيا بالحكم المشترك للمنطقة، رغم أن موريتانيا تخلت لاحقا عن هذا المطالبة، في حين رسخت المغرب نفوذها فعليا في معظم أنحاء المنطقة، استنادا إلى اعتبارات تاريخية وثقافية اعتبرت المنطقة جزءا لا يتجزأ من المغرب.
ومع ذلك، فإن سيطرة المغرب على الصحراء الكبرى لم تتزعزع. وفي عام 1973، تأسست الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وادي الذهب، المعروفة باسم البوليساريو، بهدف إقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية. وأطلقت الجبهة على المنطقة اسم “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، لكن المغرب رفض ذلك، وبدأ الصراع المسلح مع الجبهة عام 1975 وما زال مستمرا حتى يومنا هذا. واقترح المغرب، الذي يسيطر على ثلثي المنطقة الصحراوية، الاعتراف باستقلاله السيادي، لكن البوليساريو، بدعم من الجزائر، تطالب بإجراء استفتاء بموافقة الأمم المتحدة حول تقرير المصير على أمل أن يؤدي إلى الاستقلال الكامل للمنطقة. ونجح المجتمع الدولي في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين البلدين في عام 1991، لكن الأعمال العدائية عادت إلى الظهور أواخر العام الماضي، حيث نفذت السلطات المغربية عملية على الحدود الجنوبية للصحراء الغربية تهدف إلى وقف ما وصفته الحكومة بأنه “استفزاز” من قبل جبهة البوليساريو.
وفيما يتعلق بموقف إسبانيا بشأن الصحراء الغربية على وجه الخصوص، سعت مدريد إلى حد كبير إلى النأي بنفسها عن الصراع، مدركة التداعيات التي يمكن أن تترتب عليه على علاقتها التجارية والأمنية المعقدة مع المغرب. ويدعو المغرب حاليا إسبانيا إلى اتخاذ موقف أكثر تعاطفا بشأن قضية الصحراء الغربية، لكن مدريد متمسكة بموقفها في ظل غياب حل نهائي للأمم المتحدة يصنف الصحراء، التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة، على أنها “منطقة غير تتمتع بالحكم الذاتي”.

وفي ضوء ذلك، أصبح المغرب يعتقد أن النظام الإسباني منحاز دبلوماسيا لخدمة ما يسميه “المشروع الانفصالي” للجبهة. وبالفعل، ترى الرباط أن جيران إسبانيا ما زالوا ينظرون إلى العلاقات مع المغرب على أنها علاقة أمر طرف وطاعة الطرف الآخر، دون مراعاة مبدأ السيادة المتبادلة. ومن الطبيعي أن يعززه الصراع على سبتة ومليلية.
لكن تطور الأزمة بين البلدين لم يقتصر على فتح الحدود أمام تدفق اللاجئين إلى سبتة. وبدلا من ذلك، أثيرت مخاوف من أن يمتد الحريق إلى العديد من الاتفاقيات والتفاهمات بين البلدين، بما في ذلك، على سبيل المثال، اتفاقية الصيد البحري، التي تسمح لـ 90 سفينة صيد إسبانية باستخدام الساحل المغربي، وفقا لبروتوكول يتم تحديثه كل أربع سنوات. وفي تصعيد غير معلن، أفادت صحف إسبانية أيضا أن المغرب قرر إنهاء المفاوضات بشأن تجديد امتياز خط الغاز الذي سينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية، والذي ينتهي في نوفمبر المقبل، فيما يعتبر تصعيدا غير مسبوق في العلاقات الثنائية.

على بعد حوالي 300 متر فقط من سواحل المغرب، قبل يوم من محاكمة قادة جبهة البوليساريو، أجرت إسبانيا مناورات وتدريبات، وأصدرت البحرية الإسبانية مقطع فيديو لعملية تجديد عمودي بين السفينة المساعدة مار قريب (مقرها بشكل رئيسي في قادس) وحامية صغيرة متمركزة في جزيرة النخور المحتلة، الواقعة وسط خليج الحسيمة. في زمن السلم، ربما كانت مثل هذه العملية تعتبر إجراءً تقليديًا، لكن هذه المرة نظر إليها المغرب بشكل مختلف وكإجراء مضاد في المقام الأول. وقال محمد الطاير، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، في تصريح لموقع هسبريس المغربي: “إسبانيا أبدت استعدادها للتخلي عن التعاون مع المغرب في المجال الأمني، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، والمجال الاقتصادي، مقابل التمسك بالمشروع الانفصالي”.

ولعل مخاوف المغرب لها ما يبررها. ويبدو أن مدريد لديها بعض الشكوك حول خطط إعادة التسلح المغربية، وخاصة بعد اعتراف الولايات المتحدة بالصحراء المغربية، لأن هذا يشكل تحدياً لسلامة أراضي أسبانيا والمصالح الاقتصادية الأوروبية، ولأن نفوذ الرباط المتنامي يقوض نفوذ أسبانيا وفرنسا المستمر على منطقة المغرب العربي. وعبرت مدريد عن غضبها برفضها المشاركة في مناورات “الأسد الأفريقي 2021” (الأكبر في أفريقيا) التي أقيمت بالمغرب في الفترة من 7 إلى 18 يونيو الجاري وحضرتها ثماني دول من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
قوة المغرب الإقليمية في منطقة الصحراء تتزايد تدريجيا، وبعد اعتراف الولايات المتحدة بها، تزداد أطماع المغرب وثقته في موقفه. فمن ناحية، فهي نقطة صراع بين المغرب والقارة الأوروبية، وهي الدولة التي تربطه بها علاقة معقدة، ومن ناحية أخرى، يبدو أن إسبانيا، المستعمر السابق الذي لا يزال يسيطر على جيبي سبتة ومليلية على سواحلها، تبدو أهم دولة أوروبية، خاصة فيما يتعلق بالرباط وبروكسل. وجود بطاقة اللاجئين ودورها الحيوي الذي لا يقل أهمية في الدول الغربية. عن تركيا واللعب ضد الاتحاد الأوروبي في الشرق. وستكشف الأيام القليلة المقبلة وحدها كيف سيتطور الوجود المغربي المتزايد، وما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى حل لقضية عمرها عقود وتفتح بابًا أوسع للرباط لزيادة نفوذها السياسي والعسكري على غرب إفريقيا وأوروبا، أو ما إذا كان الوضع سيظل متوترًا لفترة طويلة قادمة.
———————————————————————————-
مصدر المعلومات
- هيا يا أولاد: لوحوا أيديكم وتبدأ حرب الهجرة بين إسبانيا والمغرب.
#من #سبتة #إلى #بروكسل. #ماذا #وراء #الأزمة #الدبلوماسية #بين #المغرب #وإسبانيا









