المغرب هو أحد البلدان القليلة في العالم العربي التي نجت جزئيا من اضطرابات الربيع العربي. ومع ذلك، فإن التغييرات الأخيرة في النظام في الجزائر والسودان، إلى جانب استمرار السخط الداخلي، تشير إلى أن المغرب بحاجة إلى إعادة النظر في استجابته السابقة للنسخة المحلية من الربيع العربي، أو حركة 20 فبراير. ولم تكن هذه الاحتجاجات تدعو إلى الإطاحة بالنظام الملكي المغربي؛ وبدلاً من ذلك، دعا القادة المغاربة إلى الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية والقضاء المنهجي على “المخاوف” الوطنية مثل الفساد والمحسوبية والسرقة وإساءة استخدام السلطة.
شمل رد النظام الملكي الفوري على الاحتجاجات وضع دستور جديد في عام 2011 نقل بشكل رمزي بعض صلاحياته الواسعة إلى رئيس وزراء منتخب وسمح للإسلاميين المعتدلين في حزب العدالة والتنمية بالحصول على السلطة في الحكومة المركزية في المغرب. ومع ذلك، يظل الوضع السياسي في المغرب مشابهًا للوضع الذي هيمن على البلاد خلال العقود القليلة الماضية، مما يعكس عملية الاستقطاب السياسي التي تقوم بها الدولة بدلاً من الديمقراطية التدريجية، والدولة تعمل بشكل متزايد على تشكيل الاقتصاد والسياسة والصحافة والدين في المغرب من أجل تأكيد شرعيتها.
إن سيطرة الاستقطاب على الحياة الدينية هي في الواقع سمة ميزت التاريخ المغربي دائما. ولفترة طويلة، كان الملك الممثل الوحيد للإسلام في البلاد بصفته “أمير المؤمنين”. تقليديا، كان مقر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دائما ملاصقا للقصر الملكي (المشور)، مما يسمح للملك بالسير إلى مبنى الوزارة لتفقد الشؤون الروحية للبلاد. بالإضافة إلى ذلك، قدم الملك ولا يزال يقدم تبرعات نقدية سنوية للطوائف الدينية الإسلامية الصوفية المعتدلة في جميع أنحاء البلاد لضمان الدعم. واليوم، أصبح المحفل الصوفي القوي للطريقة البوسيسية، الواقع بالقرب من مدينة بلكان شرق المغرب، موطنا لملايين الأشخاص ذوي المهارات العالية والمهنية العالية من المغرب والخارج، وجميعهم أعضاء مخلصون للطريقة. في الواقع، خلال الربيع العربي عام 2011، نظم هؤلاء المؤمنون مظاهرات واسعة النطاق في الدار البيضاء لدعم ملك المغرب والنظام الملكي وللتعبير علانية عن ولائهم للنظام التقليدي، المعروف باسم المخزن.
خلال فترة الخلاف والصراع الكبير في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تعززت العلاقة بين الدولة والدين عندما تم تقسيم البلاد إلى بلاد المخزن (أرض خاضعة للحكومة) وبلاد السبع (أرض المنشقين). تتكون بلاد السبع بشكل عام من ضواحي المغرب التي يسكنها الأمازيغ. ورغم أن هؤلاء الأشخاص اعترفوا بسلطة الملك الدينية وصلوا باسمه، خاصة خلال خطبة الجمعة، إلا أنهم رفضوا الاعتراف بوضع الملك السياسي، ونتيجة لذلك، رفضوا دفع الضرائب للملك.
ولذلك فإن المواطنين المغاربة عمومًا لا ينكرون العلاقة بين الدولة والدين داخل المملكة. وذلك لأنه مرادف للاستقرار والتسامح والاعتدال. عندما يتعلق الأمر بالدين، فإن معظم المغاربة يلتزمون بأيديولوجية “الوسطية”، وهو نمط من المعتقدات يؤكد على النهج “الوسطي والمعتدل” في التعامل مع الدين، ويدعو بشكل خاص إلى نبذ العنف والتطرف. ومع ذلك، فإن الاستقطاب السياسي الذي نفذته البلاد مؤخرًا هو موضوع مختلف. ويعترف المغاربة ويرفضون على نحو متزايد جهود الدولة الرامية إلى السيطرة على المجال السياسي في البلاد باعتبارها تشجيعاً للفساد والمحسوبية والقبلية والنظام الأبوي وإساءة استخدام السلطة.
ولذلك، فإن الوعد الدستوري بالديمقراطية التدريجية من حقبة “الربيع العربي” لم يسهم بشكل كبير في تغيير التحديات الحقيقية للحياة المغربية التي سعت “حركة 20 فبراير” في البداية إلى معالجتها. وبمجرد وصولهم إلى السلطة، أثبت الإسلاميون في حزب العدالة والتنمية عجزهم عن معالجة هذه المشاكل بسبب عدم وجود خطة اقتصادية متماسكة. وحتى على المستوى الأخلاقي، فقد قوض الإسلاميون شرعيتهم مع أعضاء بارزين متورطين في فضائح جنسية، وفساد، ومحاباة، وإساءة استخدام السلطة، وبالتالي شوهوا سمعتهم في نظر عامة الناس.
وبالتالي فإن التحديات الاقتصادية المستمرة التي يواجهها المغرب تشبه في كثير من النواحي المظالم الاقتصادية التي أشعلت موجات الاحتجاجات الأخيرة في السودان والجزائر، إلى جانب الفجوة الاجتماعية الواسعة بين “من يملكون” و”من لا يملكون”.
وكما هو الحال في السودان والجزائر، فإن الفرص غير متكافئة في المغرب. وبدلا من ذلك، ينتشر عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية على نطاق واسع في المغرب، مع وجود حالات يشغل فيها الأفراد وظائف ذات رواتب جيدة جدا أو يشغلون مناصب مؤثرة داخل نظام الدولة لأسباب لا علاقة لها بقدراتهم، وهو ما يعرف بالقفز بالمظلات. إن الانتماء إلى عائلة مؤثرة قريبة من مؤسسات الدولة، تسمى “المخزن”، هو أحد السبل لتحقيق ذلك. أما ما إذا كانت هذه العائلات تحصل على عمل مقابل الخدمات المقدمة فهي مسألة أخرى. الفساد هو، بطبيعة الحال، الطريقة الثالثة التي يتم من خلالها وضع ظاهرة “الإنزلاق المظلي” موضع التنفيذ، ومن خلال هذه الأساليب الثلاث يشغل أعداد كبيرة من الناس مناصب مهمة في الحياة العامة، وهذه العملية تديم هذه الظاهرة وتعرقل التقدم في الديمقراطية والمساءلة.
كما تساهم ظاهرة “المظلة” في هجرة الأدمغة في المغرب. وكثيراً ما تركز المواهب المغربية، التي تعاني من الإهمال في الداخل، على التصدير إلى بيئات أكثر ديمقراطية حيث تحظى بتقدير أكبر، وخاصة أوروبا والولايات المتحدة. إنها مجرد دورة ذاتية الاستدامة يصعد فيها أولئك الذين يستفيدون بشكل أساسي من النظام إلى القمة ويزيدون من إحباط طموحات الجيل القادم.
كما يعكس فشل حزب العدالة والتنمية تحديات أخرى في الحياة السياسية المغربية. على الرغم من أن المعارضة في المملكة كانت نشطة وفعالة إلى حد كبير خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، إلا أن الملك الراحل الحسن الثاني عطل هذا المناخ السياسي بشكل فعال من خلال تشجيع الانشقاقات داخل المعارضة المتماسكة واستمالة قادة المعارضة المنشقين من خلال الحصول على فوائد ريعية، ومناصب وزارية عليا، وسلطة سياسية قوية.
ومن خلال هذه العملية، أصبحت الأحزاب السياسية المغربية أشبه بـ “السياسيين”. ضمنت هذه المنظمات لأعضائها المال والوظائف القوية وبركات النظام الملكي مقابل الحفاظ على الوضع الراهن. ومن خلال هذه العملية أيضا، فقدت الأحزاب السياسية الثقة، وأصبح غالبية المغاربة ينظرون إليهم كموظفين في مؤسسات الدولة، ويعتبرونهم “أشخاصا أحياء”، أي أشخاصا خاضعين لسلطة الدولة ونفوذها الواسع النطاق.
كما نشرت أحزاب المعارضة القومية التقليدية صحفًا مؤثرة تعرض آراء أحزابها وتنتقد الحكومة المغربية. وكانت هذه الصحف بمثابة وكالات قوية للمسؤولية، حيث قامت بمراجعة وانتقاد جهود كل من الحكومة والنظام الملكي. وعلى الرغم من ظهور وسائل الإعلام المستقلة في التسعينيات وترحيبها من قبل غالبية المغاربة، إلا أن قدرتها على ممارسة الضغط اللازم على الحكومة كانت محدودة بسبب جهود الدولة للسيطرة على هذه الأداة من خلال الاستقطاب المالي.
واليوم، تقدم معظم وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية في المغرب الكماليات لمؤسسات الدولة مقابل مكافآت مالية مغرية. وأدى ذلك إلى تراجع شراء الصحف الورقية، مما أدى إلى توقف بعض شركات الطباعة عن العمل تماماً. أما وسائل الإعلام الإخبارية الإلكترونية، فيتم تجاهلها بشكل عام، باستثناء صحيفة هيس برس، وهي صحيفة واسعة الانتشار تنتقد الحكومة ومؤسساتها بشكل معتدل ودبلوماسي. ومع ذلك، فإن استعداد الصحافة لنشر المظالم التي يتم التعبير عنها بحرية هو الاستثناء وليس القاعدة في وسائل الإعلام المغربية.
أدى عجز الأحزاب السياسية عن حماية مصالح الشعب، حتى مع الأخذ في الاعتبار تراجع الحريات الاقتصادية والصحفية، إلى اندلاع ثلاث انتفاضات كبرى في ريف المغرب المنسي المعروف باسم الحراك، وهي منطقة مشهورة بالتمرد والعصيان، خاصة في مدينة زاكورة جنوب البلاد، وفي مدينة جلادة، التي اشتهرت بمناجم الفحم. تم القبض على قادة هذه الحركات الجماهيرية وسجنهم كمظاهرة للانتفاضات والتمردات المستقبلية.
لكن اليوم، كما كانت الحال خلال الربيع العربي، يفضل العديد من المغاربة الملكية الدستورية بدلاً من الملكية التنفيذية، وما زالوا يبحثون عن نظام يضمن خضوع جميع الأطراف السياسية الفاعلة للمساءلة الكاملة. ونظراً لاحتمال ظهور دولة ديمقراطية على حدودها الشرقية، فإن رغبة المغاربة في قبول استمرار سيطرة الدولة على جوانب الحياة السياسية والاقتصادية الداخلية من خلال الاستقطاب بجميع أشكاله وأنواعه، سواء كانت ظاهرة أو مخفية، قد تضعف.
#سياسة #الاستقطاب #في #المغرب









