أعادت النتائج الأخيرة لتقييم دولي لأداء الطلاب في عدد من المهارات الأساسية مسألة إصلاح التعليم في المغرب إلى واجهة النقاش من جديد، بعد أن كشفت البيانات التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التلاميذ في سن 15 سنة ما زالوا يواجهون صعوبات في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، مع تسجيل تراجعات في عدد من المؤشرات مقارنة بالدورات السابقة.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة لمسار إصلاح المدارس العمومية، نظرا للبرامج التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مشروع “المدارس الرائدة” الذي قدمته الوزارة كأحد بوابات تحسين التعلم الأساسي ورفع مستويات التحصيل الدراسي.
ووفقا لبيانات التقييم الدولي لعام 2025، سجل الطلاب المغاربة 374 نقطة في التفكير الحسابي، فضلا عن 321 نقطة في فهم القراءة، و355 نقطة في الرياضيات، و358 نقطة في العلوم.
وتظهر النتائج استمرار الفجوة بين أداء الطلاب المغاربة ومتوسط الأداء المسجل في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وخاصة في القراءة والرياضيات والعلوم.
وفي مجال الفهم القرائي، أظهرت النتائج أن غالبية التلاميذ المغاربة لم يتمكنوا من الوصول إلى المستوى الثاني، الذي يمثل الحد الأدنى من القدرة لتمكين المتعلمين من استخدام المعارف والمهارات الأساسية في مواقف الحياة اليومية.
كما شهد المغرب تراجعا في الأداء مقارنة بدورة 2022، إذ انخفض بـ18 نقطة في القراءة، و10 نقاط في الرياضيات، و7 نقاط في العلوم.
ويبدو هذا الوضع أكثر أهمية بالمقارنة مع نتائج عام 2018، حيث تظهر البيانات الواردة في التقرير انخفاضا قدره 38 نقطة في القراءة، و19 نقطة في العلوم، و13 نقطة في الرياضيات.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، تظهر النتائج أيضا أن 73,2 في المائة من التلاميذ المغاربة لم يصلوا إلى المستوى الأساسي المطلوب في ثلاث مجالات، في حين أن نسبة الطلاب المصنفين بالممتازين في مجال واحد على الأقل من هذه المجالات لم تتجاوز 0,1 في المائة.
وبحسب المستوى في كل مجال، لم يحقق أكثر من 23% من الطلاب مستوى الكفاءة المطلوب في العلوم، و16% في الرياضيات، و13% في القراءة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المدارس المغربية تواجه تحديات تتعلق أساسا بجودة التعليم الأساسي، وكذا الولوج إلى المدارس وبنية المؤسسات التعليمية. وذلك لأن إتقان القراءة والفهم والرياضيات والعلوم هو أحد المؤشرات الرئيسية لقدرة نظام التعليم على ضمان حصول المتعلمين على الحد الأدنى من المهارات اللازمة.
ويتجاوز التقرير أداء الطلاب ليتناول الوضع التشغيلي للمؤسسات التعليمية، حيث أفاد 36% من مديري المدارس أن الافتقار إلى القيادة يعيق العملية التعليمية، مقارنة بـ 56% لدورة 2022.
بالإضافة إلى ذلك، أشار 69% من مديري المدارس إلى نقص المواد التعليمية، وتحدث 52% عن القضايا المتعلقة بالبنية التحتية.
وقد أثارت هذه البيانات الجدل من جديد حول مدى قدرة الإصلاحات المعلنة على ترجمة الموارد والبرامج والمشاريع إلى نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية، وخاصة في المجالات المرتبطة بالتعلم الأساسي.
وفي مقدمة البرامج ذات الصلة بهذا النقاش مشروع “المدارس الرائدة”. وتراهن وزارة التربية الوطنية على تحسين مستوى المتعلمين بالدرجة الأولى من خلال اعتماد أساليب وبرامج تهدف إلى معالجة العثرات وتعزيز الإنجازات.
لكن في الوقت نفسه، أثارت نتائج التقييم الدولي نقاشا حول مدى إمكانية قياس تأثير المشروع على المستوى الدولي، خاصة بعد توضيح الوزارة للعينة المغربية التي شاركت في التقييم.
وفي هذا السياق، انتقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق خالد الصمادي، تصريحات وزارة التربية الوطنية بشأن نتائج التقييم الدولي، خاصة ادعاء الوزارة بأن الطلاب الذين شاركوا في العينة لا ينتمون إلى مدارس الريادة.
ويرى السيد الصمدي أن هذه الحقيقة من وجهة نظره تدعو إلى التشكيك في إمكانية تقييم نتائج المشاريع الإصلاحية التي تراهن عليها الوزارة من خلال دراسات دولية من هذا النوع.
كما رأى أن مشاركة طلاب مدارس الريادة كانت ستمكن من قياس مستوى أداء المشروع في إطار تقييم دولي موحد، بدلا من الاكتفاء بعينة لم تشمل هذه المدارس.
وتساءل الوزير السابق عن كيفية اختيار العينة المغربية، معتبرا أن مسؤولية تحديد المؤسسات التعليمية والطلاب الذين شاركوا في التقييم تقع على عاتق السلطات الوطنية المختصة، ودعا إلى توضيح أوسع حول المعايير المعتمدة في هذا الاختيار.
كما انتقد ما اعتبره تناقضا بين الخطاب الرسمي حول النتائج التي تحققت في مدارس الريادة وعدم إدراج طلاب هذه المؤسسات في العينات التي خضعت للتقييم الدولي، وهو ما رأى أنه يحرم المشروع من فرصة قياس تأثيره بشكل مستقل مقارنة بالمؤشرات الدولية.
ومن ناحية أخرى، فإن عدم مشاركة طلاب مدرسة الريادة في العينة لا يمكن في حد ذاته أن يحدد مدى نجاح المشروع أو فشله. وذلك لأن التقييمات الدولية لا تقيس أداء برامج إصلاحية محددة، بل تقدم صورة إجمالية عن مستوى أداء النظام التعليمي على مستوى عينة من الطلاب والمجموعات.
ومع ذلك، تظل النتائج مؤشرا قيما يتعين على صناع القرار دراسته، خاصة في ظل الفجوة المستمرة بين مستويات التعلم الأساسية لمجموعة واسعة من الطلاب ومتوسط الدرجات المسجلة دوليا.
وتشكل هذه المعطيات تحديا أمام وزارة التربية الوطنية لقراءة النتائج بدقة، ليس فقط من خلال توضيح أسباب التراجع، بل أيضا من خلال تحديد التدابير الواجب اعتمادها لمعالجة نقاط الضعف في القراءة والرياضيات والعلوم.
وتثير النتائج أيضًا أسئلة أوسع حول مدى قدرة الإصلاح المستمر على تحقيق تأثير مستدام داخل القطاع الأكاديمي، بصرف النظر عن المؤشرات المتعلقة بعدد المؤسسات والبرامج المستفيدة التي تم إطلاقها.
ويظل الاختبار الحقيقي لأي إصلاح تعليمي هو مستوى التعلم الذي يكتسبه الطلاب وقدرتهم على القراءة والفهم والحساب وتطبيق المعرفة في الحياة اليومية، وهذه هي المجالات التي يتم قياسها بشكل مباشر في التقييمات الدولية.
ومن هذا المنظور، يبدو أن نتائج التقييمات الدولية ليست مجرد أرقام في التصنيفات الدولية، بل هي بيانات يمكن أن تشكل الأساس لإعادة تقييم السياسات التعليمية، وقياس فعالية برامج الإصلاح، وتحديد أوجه القصور التي لا تزال تمنع تحقيق قفزات واضحة في مستويات التعلم الأساسية.
ويتمثل التحدي الذي تواجهه المدارس المغربية في الانتقال من إطلاق الإصلاحات والبرامج إلى قياس أثرها الحقيقي على التلاميذ، استنادا إلى مؤشرات واضحة وقابلة للمقارنة يمكنها تحديد ما تم إنجازه فعلا وما يحتاج إلى مراجعة وتنقيح في السنوات المقبلة.









