يحتل قطاع التعليم مكانة مركزية في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، باعتباره من أهم الملفات المتعلقة بمستقبل المدارس الرسمية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. ومع اقتراب الميزانية البرلمانية لعام 2026، عادت الالتزامات المتعلقة بإصلاح التعليم إلى الواجهة من جديد، مع تساؤلات حول مدى قدرة خطط الحزب على الانتقال من تشخيص الاختلالات المعروفة إلى تقديم حلول دقيقة، مدعومة بالأرقام والموارد والمواعيد النهائية وآليات التنفيذ والمساءلة.
ومن وجهة نظر المسؤولين النقابيين، أصبحت هذه المناقشة ذات أهمية متزايدة. وذلك لأن مسؤولي النقابات هم من أقرب المراقبين لواقع المدارس العامة وتفاصيل الاختلالات اليومية. وفي حين تتكرر عناوين مثل تحسين جودة التعليم، والحد من التسرب من المدارس، ومكافحة الاكتظاظ، وتحسين تحفيز المعلمين في الأنظمة الانتخابية، فإن واقع النظام يثير تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية هذه الالتزامات وقابليتها للتنفيذ، وما إذا كانت الأحزاب السياسية لديها عقد سياسي واضح بشأن التعليم أو أنها راضية عن إعادة إنتاج التشخيصات والوعود العامة دون التزامات مسؤولة وقابلة للقياس.
كشف عز الدين إمامي، الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للتعليم، أن النقابة تستعد لنشر وثيقة رسمية في خطوتها المقبلة بعنوان “تقرير 2026 حول التزامات الأحزاب السياسية تجاه قطاع التعليم”، معبرا عن خيبة أمل النقابة الكبيرة إزاء محتوى البرنامج الانتخابي الذي اكتفى بتشخيص الاختلالات وإطلاق الوعود العامة دون التزامات واضحة أو أرقام محددة.
وأوضح مسؤول نقابي في تصريح خاص لـ”العمق” أن النقابة تتعامل مع البرنامج الحزبي كمرآة تعكس مكانة المدارس الرسمية والأساتذة في برنامجها السياسي، لافتاً إلى أن أمانة النقابة أطلقت مبادرة “الميثاق الانتخابي لقطاع التعليم” ووجهت رسالة تتضمن 15 تعهداً إلى 19 حزباً سياسياً، ليس من أجل الفرض، بل لبدء نقاش سياسي جدي حول مستقبل قطاع التعليم وتوقعات العاملين.
وأضاف المتحدث أن رغبة النقابة في الحوار بين أطراف الميثاق، سواء باعتماد ميثاق أو تقديم بديل أو إعلان موقف سياسي واضح، تتعارض مع واقع نظام انتخابي ليست فيه هذه الالتزامات واضحة كما هو متوقع، على اعتبار أن مجرد وجود كلمة “التعليم” في العلن وتكرار العناوين حول تحسين الجودة وتطوير المدارس ومكافحة الهدر المدرسي وتحسين أوضاع المعلمين لم يعد كافيا. غياب الإجابات الحقيقية حول الأساليب وتخصيص الموارد والمواعيد النهائية والتأثير الفعلي داخل مساحة المدرسة.
ورأى السيد إمامي أن هناك فجوة كبيرة بين مجرد إعلان النوايا هذا وبين الجهد السياسي الفعلي الذي حدد إجراءات وموازنات وآليات تحمل المسؤولية، وأكد أن قطاع التعليم، أكثر من قطاع عادي، يرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد وسوق العمل والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والاستقرار الاجتماعي، وبالتالي يحتاج إلى أن يكون جزءا لا يتجزأ من المشروع السياسي لأي حزب سياسي يسعى لإدارة الشأن العام، وليس مجرد نقطة عابرة في برنامجه.
وقال الكاتب الوطني، في كلمته، إن الأساتذة المغاربة يعيشون يوميا اختلالات نظامية داخل أقسامهم ومؤسساتهم ولا يحتاجون إلى من يشرح لهم ذلك، بل في الزمن الأكاديمي والمهني، والفئوية، ونقص الموارد البشرية، والاكتظاظ، وجودة التعلم، وما إلى ذلك. مشيرا إلى أنهم ينتظرون حلولا وخطوات ملموسة ومحددة زمنيا لمعالجتها، مؤكدا أن التقرير القادم سيخضع البرنامج لمعايير دقيقة تقيس درجة الوضوح والجدوى والتفاعل مع قضايا العمال، وأكد أن الوثيقة ليست وثيقة. وسيلة لتوجيه الأساتذة للتصويت. منح شهادة حسن السيرة والسلوك لجهة معينة أو لها. بل هي أداة تتيح للمدرسين القراءة والمقارنة وطرح الأسئلة قبل الاختيار.
وخلص النقابيون في نهاية تصريحهم للجريدة إلى أن مشاكل التعليم في المغرب تتجلى أساسا في غياب الشجاعة السياسية الكافية لتحويل التشخيصات المعروفة إلى قرارات ملزمة، ورصد الالتزامات وتوثيقها، وتفعيل آليات المساءلة. وشدد على دور النقابات في حماية المدارس العامة من خلال ضمان استمرار التعليم العام إلى ما بعد يوم الانتخابات، ودعا العاملين في مجال التعليم إلى التركيز على المعنى الحقيقي للعقد السياسي من خلال سؤالهم عما يصوتون له بدلاً من السؤال عمن يختارون. وذلك حتى يمكن مساءلة الشخص المختار لاحقًا. بناءً على ما يلتزمون بتنفيذه في برنامجهم.
في غضون ذلك، قال كبير كاشا، عضو الأمانة الوطنية للجامعة الوطنية للتربية، في تصريح خاص لـ”العمق”، إن المخططات الانتخابية للأحزاب السياسية المرتبطة بقطاع التعليم لمشروع قانون 2026، ليست أكثر من إعادة إنتاج لتصورات سابقة تعود إلى أول انتخابات معروفة في المغرب، مشيرا إلى أن هذه المخططات تركز على قضايا الاكتظاظ والقرى والهدر المدرسي والنقل والتحفيز. المعلمون كآلية لجذب الناخبين.
وفي رد على أسئلة الصحيفة حول تقييم النقابة لالتزامات الحزب، أوضح المسؤول النقابي أن التجمع السياسي يتجاهل في مخططاته التراجع الذي سجله المغرب منذ ما يقارب 25 سنة في مجال التحصيل العلمي، معتبرا أن الحزب المكلف بالحكومة المقبلة سيكتفي بتنفيذ مقتضيات القانون الإطار بشكل يعتقد أنه قد يؤثر سلبا على مصالحه، مؤكدا أن تسيير النظام التعليمي أصبح الآن خاضعا لتوجيهات تنتقي قطاعات خارج الفاعلين الحزبيين. وبدلاً من الاعتماد على معايير الكفاءة الوطنية، تتخذ السلطات قراراتها على أساس درجة الاستعداد لتنفيذ الخطط المعدة مسبقاً.
وكشف المتحدث الرسمي أن قطاع التربية الوطنية أصبح أشبه بوزارة سيادة تهيمن عليها الهواجس الأمنية التي تنذر بتغييرات كبيرة، وأن المدارس أصبحت مجرد أماكن لاستبقاء الطلاب وتقديم الدروس أقرب إلى برامج مكافحة الأمية. وأعرب عن اعتقاده بأن وزير التربية الوطنية يبتعد الآن عن النظام الانتخابي، الذي وصفه بالهراء الخطابي، ويعمل بدلاً من ذلك كحلقة وصل بسيطة بين وزارة الداخلية والخزانة والمؤسسات المالية الدولية التي تشكل شخصية المدارس والسكان المرغوب فيهم.
وفي السياق نفسه، أشار كاشا إلى ضعف استقلالية صنع القرار لدى الأحزاب السياسية في مجال التعليم، وأشار إلى مشكلة ازدواجية اللغة، وأضاف أن هناك تناقضات بين المواقف المعلنة للبرلمان والأحزاب الحكومية وبين ما يُفرض كواقع في الفصول الدراسية، ما يثير تساؤلات حول مدى واقعية الشعارات المرفوعة خلال الحملة الانتخابية.
وأشار الناشط النقابي، في ختام تصريحه لـ”الأعماق”، إلى أن التحديات التي يواجهها التعليم في المغرب هي بشكل واضح سياسية واجتماعية بطبيعتها، وليست مجرد مشاكل تقنية يمكن التغلب عليها بتوفير أجهزة الحاسوب. وأشار إلى عدم اعتماد التنظيمات النقابية حاليا على الأحزاب السياسية، واعتبر ذلك يساهم في اتساع فجوة عدم المساواة وإنشاء نظامين تعليميين بسرعتين مختلفتين، أحدهما يستهدف أبناء الأسر الثرية المحددة المعالم والقادرة على تحمل تكاليفها، والآخر مخصص للفئات الضعيفة التي تواجه قيودا كبيرة وتجد صعوبة في تحقيق حقوقها المشروعة في ثروات البلاد وتكافؤ الفرص.








