تم النشر في 18 أبريل 2025
|
آخر تحديث: 08:23 (بتوقيت مكة)
مراكش – «في السوق الأسبوعي، الحياة تتحرك دائمًا، وكأن الزمن يأبى أن يتوقف، تتقاطع أصوات البائعين مع صرخات النساء الباحثات عن الأفضل بأقل الأسعار، ورائحة الخبز الطازج تمتزج مع دخان الشواء المتصاعد، والهواء يحكي قصة مزيج من البساطة والمشقة».
هكذا يبدأ الكاتب الشاب محمد الرحاب بمقال أدبي قصير عن أسواق المغرب الأسبوعية، يلخص فيه إلى حد كبير ما يشعر به كل مغربي تجاه هذا الفضاء النابض بالحياة والمليء بالمعنى الثقافي.

وقال للجزيرة نت:
“عندما نكتب عن هذا الفضاء، فإننا ننجذب إلى حنين الطفولة. نكتب بعاطفة رقيقة ونجد الجمال في صخب السوق، حيث يصبح كل يوم مفاجئًا ويصبح المألوف جديدًا ويستحق الاكتشاف.”
في حين يقول الكاتب المغربي عبد الواحد كافي للجزيرة نت إن السوق الأسبوعية “موطن لكل ما يفرح القلب ويرسم البسمة على الوجه. فهو الذي نتواصل فيه عن أحوال أقاربنا والبعيدين. وهذه الدائرة بالمعنى المتطرف كانت ملجأ لكثير من الرواد، خاصة دائرة السحرة والنصابين الذين لفتوا انتباهنا ذات يوم بمعجزاتهم التي لا تنتهي”.

تعبير
السوق الأسبوعي ليس مجرد حدث تجاري واقتصادي. وهي أيضًا مساحة للمواطنين العاديين للتعبير عن أنفسهم وقضاياهم. كما أنها بمثابة فرصة للتواصل مع الجهات الحكومية ودخول المستشفى في بعض الأحيان. كما أنها ذكريات حية وجماعية وأماكن أصيلة للتجمعات الاجتماعية تساهم في بناء البنية الاجتماعية وتعزيز الشعور بالانتماء.
ويرى الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا عمر الإبوركي أن الأسواق الأسبوعية تحمل حمولة تاريخية وثقافية. وذلك لأن الأسواق هي مراكز التفاعل الاجتماعي بين الفئات الاجتماعية المتنوعة، بما في ذلك الريف والحضر، المتبادلة والطقوسية، وبالتالي تعكس علم النفس الاجتماعي العام.
وأكد في حديث للجزيرة نت أن الدراسات الجغرافية والتاريخية والأنثروبولوجية للسوق تظهر الطبيعة المعقدة لهذا المجتمع بتنوع أنشطته وروحانيته وجنسه وفئاته العمرية. وتمارس هناك الأنشطة التجارية والأنشطة الترفيهية والطقوس ذات الطبيعة المقدسة.
ويضيف:
“من وجهة نظر أنثروبولوجية، فإن السوق الأسبوعي هو نظام من القيم والرموز، لأنه مجمع من التفاعلات الاجتماعية، فرع من مجتمع شبكي علائقي، يقوم على علاقات تقليدية تتميز بالقبلية والمعتقدات، وتهيمن عليها علاقات التضامن الميكانيكي، سواء على مستوى المعاملات الاقتصادية التي تحكم الثقة والنية هذه التبادلات، أو من خلال تبادل رأس المال الرمزي قبل التبادلات المادية”.

مصدر للإلهام
تشكل الأسواق الأسبوعية مساحات غنية بالأحداث والعلاقات الاجتماعية المتنوعة والتقاليد المحلية، وهي بالتالي مصدر إلهام للعديد من الكتاب والمبدعين، تثري الكتابة الإبداعية وتنقل القراء إلى عوالم جديدة لا نشعر بها عادة عند التجول في الأسواق الأسبوعية.
ويمكننا أن نرى أن الكاتب المغربي عبد الواحد كوفي، سواء في نصوص روايته رائحة مقهى مكسيكي أو في روايته غبار شجرة صبار، مفتون بعالم هذا الفضاء المذهل وما تمارس عليه من إغراءات وإغراءات لإغواء العالم الناطق واستجواب الصامت.
ويرى كوفي في حديث للجزيرة نت أن السوق الأسبوعية، بكل حمولتها الدلالية، تسلط الضوء على ما يبحث عنه كل كاتب لإظهار التناقضات والاختلافات الموجودة في المجتمع وتصوير خصائص حياة الطبقات المهمشة التي تكافح من أجل لقمة العيش. كما يصور التفاعلات الإنسانية والعواطف الإنسانية، التي تتميز أحيانا بالحب والتعايش، وأحيانا بالصراع والتنافس.

عندما يتعلق الأمر بنص «الباب الكبير» للكاتب والناقد الحسين والمدني حسام الدين نواري في مجموعته القصصية «الطيف ليس مثل أحد»، يدرك القارئ أن السوق الأسبوعي ليس مجرد جزء من القصة، بل محور العمل الروائي، مما يجعله مساحة للهوية والذاكرة الجماعية، وموقعا للتفاعل اللغوي والاجتماعي وليس مجرد مكان بيع أو شراء أو عرض.
يتضمن النص الأدبي مشاعر إنسانية عميقة مثل الغضب والجوع والجشع والخوف كعناصر تحول وعدم يقين من خلال شخصية اللص الذي يهرب في القصة، حيث تتقاطع اللغة والثقافة ومصير الشخصيات ويتم اختبار قراراتهم.

العمل والنقد
كما يثير “السوق الأسبوعي” الاهتمام بهذا الكتاب، حيث يجده النقاد غنيا بالرمزية والدلالات والمعاني الثقافية، إلى جانب النظريات والاتجاهات المختلفة.
ينطلق النقاد الحسين والمدني من فهم أنثروبولوجي للسوق الأسبوعي كواجهة ثقافية يتشابك فيها الاقتصاد والهوية واللغة والمجتمع وعلم النفس.
وقال للجزيرة نت إن المساحة توفر للمبدعين نقاط دخول متعددة “تتجاوز الخلفية المكانية المحايدة حيث تتحرك الشخصية ويتغير منظور الشخصية ومركز الاهتمام”.
ينخرط والمدني بعمق مع المجتمعات المغربية المصغرة التي تثير أسئلة حول الذاكرة الجماعية ورأس المال الثقافي، على النقيض من السيطرة الرسمية على التنمية المكانية التي تلقي بنا في دورات من الاغتراب في الأسواق الحالية التي لا تشبه أسواقنا إلا قليلاً.
وأضاف المدني في كلمته: “لعل هاجس خلق معادل دلالي للواقع المغربي، تعقيده، وتفاعلاته، هو الذي يسمح لنا بالتنقل عبر فضاءات السوق الأسبوعي للخضار وبائعي الخردة والمقاهي الشعبية ومحلات الجزارة، مصحوبة بروائح عديدة وأصوات ممزوجة وزقزقة وموسيقى. قررت أن أختار شخصية لص هارب يجسد اختلاف الثقافة واللغة والعادات، وكل هذا التكوين الكثيف ينقل على أساس على تسارع النص المستمر المتوافق مع اللهث والركض والحركة والعنف.
“بينما تسدل الشمس ستار النهار، يظل السوق الأسبوعي شاهدا على تاريخ حياة بسيط مثل خبز الأم، وعميق مثل الندوب على يد امرأة عجوز. هنا، حيث الفرحة تباع على شكل لحظة والتعب يشتري حياة جديدة، حيث تجد القصص التي لم تروى بعد منزلا بين أكياس الأعشاب ووجوه الناس. في السوق، لا أحد يعود كما جاء، حتى لو لم يشتر شيئا”.
ويختتم رحاب نصه القصير بدعوة القراء لاكتشاف عالم أسواق المغرب الأسبوعية في نصوص أخرى.
#الكتابة #عن #الأسواق #الأسبوعية #في #المغرب #تجسد #حنين #الطفولة #وصخب #الحياة









