لم يعد لدي الشغف الذي كنت أشاهده في مباريات المنتخب المغربي في المقاهي. لأن المقاهي لم تعد المكان المناسب لي لتحقيق هذه الرغبة. لكن تواجدي في المقهى قبل بداية المباراة أو خلال مباريات أخرى لم يشارك فيها منتخبنا الوطني، سمح لي بملاحظة تدفق غير مسبوق من النساء لمشاهدة مباريات كرة القدم داخل المقهى. نحن لا نتحدث عن فتيات يختارن المقاهي لأنهن يرغبن في الاستمرار مع زميلات أصغر سنا، بل عن نساء في منتصف العمر، وأحيانا نساء أكبر سنا، وحتى عائلات بأكملها غادرت المنزل ونقلت طقوسها الترفيهية العائلية إلى المقاهي.
وقد يصل سعر تذكرة الدخول في بعض المقاهي إلى 90 درهماً، وكانت النساء أحياناً يترددن على المقاهي في اليوم السابق للمباراة لحجز «تذكرة» دخول أو مكان محدد على طاولة «الشوكة» أمام الشاشة مباشرة. ولم تنتهي المشاكل عند هذا الحد. والأكثر إثارة للإعجاب من ذلك كان مشهد امرأة جاءت إلى أحد المقاهي مع زوجها لـ “تمجيد” المنتخب المصري الذي لعب ضد السنغال في نصف نهائي كأس أفريقيا التي استضافتها بلادنا منذ بضعة أيام. ولم تكن تؤيد الحكم بسبب الغضب أو معرفة اللاعبين، بل حقداً على “الفراعنة” عبرت في لحظات عاطفية متعددة عن سخطها من الهجوم المصري الذي قد “يفسد” فرحة إقصاء فريقها. سواء كان ذلك بسبب تصريحات المدرب الفاشلة أو لأنه في المخيلة الجماعية بدا أن تأهل السنغال كان خصماً أسهل للفريق المغربي. حدث كل هذا بينما ظل زوجها هادئًا وغير مستجيب بشكل غير متوقع.
وأكاد أجزم أن هذا المشهد الذي عايشته خلال كأس إفريقيا، وبعد ذلك خلال مباريات فريقي في المونديال الأخير، لم يكن استثناء، بل كان سائدا في كثير من المقاهي في الرباط وغيرها من المدن المغربية. وعلى الرغم من قسوة المساحات التي تبث فيها مباريات كرة القدم، وهيمنة اللغة المهينة والألفاظ غير اللائقة في بعض الأحيان، إلا أن المزيد والمزيد من النساء يصرن على مشاهدة المباريات في المقاهي أو داخل الملاعب، ولا زلن يتحملن التكاليف الاجتماعية والرمزية المرتبطة بهذا الاختيار. فعندما تبقى امرأة لساعات في مقهى مكتظ بالرجال أو يكون لها مكان خاص بها في مدرجات ملعب صاخب، فإن ذلك يعد بمثابة تواجد في الأماكن العامة قبل أن يكون مجرد تعبير عن شغفها بالرياضة أو ملكية ثقافة كرة القدم الفنية.
لا يبدو أن هذه المطالبة هي نتيجة إجراء مؤقت أو لحظة ترفيه. بل يكمن في تحول أعمق في علاقة المرأة بالمشهد الجماعي، والمجال العام، والرموز التي تنتجها الثقافة الشعبية العامة، وخاصة في مجال الرياضة، وهو المجال الذي كان تاريخيا يهيمن عليه الذكور بشكل حصري تقريبا. ولم يكن وجود المرأة في فضاءات العرض غائبا تماما عن المجتمع المغربي، كما كانت هذه الممارسة شائعة في لحظات ترفيهية أخرى، مثل حفلات الموسيقى الشعبية والمواسم والمهرجانات. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى هذا الفضاء الكروي غير المعتاد سابقًا له معنى خاص. وذلك لأنه يمس منطقة واحدة ظلت بمنأى إلى حد ما عن اختلاط الإشارات وإعادة توزيع الأدوار داخل الفضاء العام.
وتبدو هذه الظاهرة منطقية تماما عندما توضع في سياق التحول الذي تشهده كرة القدم في المغرب، على الأقل منذ كأس العالم قطر 2022. ولم يكن هذا الحدث مجرد إنجاز غير مسبوق في عالم الرياضة، بل شكّل لحظة مؤثرة استعادت فيها كرة القدم معناها الوطني وحولتها إلى لغة مشتركة بين الفئات الاجتماعية التي كانت حتى وقت قريب خارج هذا الإجماع.
وقد ساعد ظهور الأمهات في المدرجات، واللاعبين الذين يعانقون أمهاتهم أمام العالم، وترحيب الملوك باللاعبين مع أمهاتهم، في نقل كرة القدم من مجال ذكوري ضيق إلى مساحة رمزية أوسع، حيث تصبح المرأة مركزية في المشهد وجزءاً من القصة الوطنية، وليس على الهامش. تنظيم المغرب لأول بطولة من ثلاث دورات متتالية لكأس الأمم الإفريقية لكرة القدم للسيدات، جاء وسط تطلعات رسمية إلى إرساء مسار رمزي تدريجي من شأنه إبراز حضور المرأة في المجال الرياضي والمساهمة في تطبيع وجودها في فضاء مشاهدي كرة القدم، ليس فقط كمتفرجين ولكن أيضا كعناصر فاعلة في إعادة تشكيل مشاهدي كرة القدم ومعناها.
وقد ساهمت بطولة كأس أفريقيا الأخيرة في تعزيز هذا المسار، ليس فقط باعتبارها حدثاً رياضياً، بل وأيضاً باعتبارها حدثاً اجتماعياً وسياسياً عظيماً. تنظيم بطولة لم يستضفها المغرب منذ 1988، ولم يفز بها المنتخب المغربي منذ 1976، وسع دائرة المشاركة الرمزية، وجعل من مشاهدة المباريات عملا يوميا جماعيا يتجاوز حدود الملاعب ويغزو المقاهي والمنازل والفضاءات العامة. وفي هذا السياق، لم يعد حضور المرأة في هذه الفضاءات استثناءً ملحوظاً، بل أصبح عنصراً من عناصر مشهد جديد تصبح فيه المعرفة التقنية باللعبة أقل أهمية لصالح الألفة العاطفية والمشاركة في لحظات جماعية نادرة.
لكن هذا الحضور النسائي، رغم اتساعه، لا يأتي دون احتكاك. لا تزال هناك آثار لثقافة ذكورية عميقة في المقاهي والملاعب، ويتطلب الأمر قدرًا معينًا من الصبر والمواجهة الهادئة حتى تتمكن المرأة من التواجد هناك بالفعل. إن قبول سماع الإهانات والإساءات، وتجاهل نظرات الدهشة في بعض الأحيان، لا يعني ضمناً الاندماج الكامل، بل يعكس فترة انتقالية تعيد فيها المرأة التفاوض حول حدود وجودها في مساحات لم تكن بالضرورة مصممة تاريخياً لاستيعابها. إلا أنه بتكرار هذا الوجود يفقد تدريجياً طابعه الاستثنائي ويتجه نحو تطبيع اجتماعي بطيء ولكنه فعال.
ومن الواضح أن هذا التغيير مدفوع برهان الدولة على كرة القدم كأداة للتماسك الاجتماعي والاستثمار الرمزي. لم يعد يُنظر إلى كرة القدم على أنها مجرد نشاط رياضي، بل كمورد سياسي ناعم يستخدم لتوليد الإجماع وتعزيز الشعور بالانتماء وإعادة بناء الثقة في لحظات التوتر الاجتماعي والاقتصادي. إن الاستثمار في البنية التحتية، وتنظيم المظاهرات في القارة، وتسويق صورة المغرب كقوة رياضية وتنظيمية داخل أفريقيا، سيجعل من كرة القدم مشروعًا متعدد التخصصات سيتطلب توسيع قاعدة جمهوره لتشمل النساء.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل اهتمام المرأة بمشاهدة كرة القدم عن هذا الرهان العام. وبما أن كرة القدم أصبحت حدثاً وطنياً شاملاً، فإن المشاركة في كرة القدم تصبح شكلاً من أشكال المشاركة في الفضاء العام، حتى لو بدت ظاهرياً وكأنها ترفيهية أو غير سياسية. إن النساء يتابعن كرة القدم ليس لأن اللعبة قد تغيرت، بل لأن مكانة كرة القدم في الخيال الجماعي تغيرت، ولأن الدولة والمجتمع اجتمعا لإضفاء معاني جديدة على كرة القدم، الأمر الذي يجعل من مطاردة كرة القدم مشهداً وفعلاً من أعمال الانتماء.
وبالتالي فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد انتشار عادات اجتماعية «جديدة»، بل تغيير في بنية الثقافة الشعبية وتوزيع الأدوار داخل الفضاء العام. وذلك لأن وجود المرأة في المقاهي والملاعب يعكس تقاطع ثلاثة مسارات: المسار الاجتماعي الذي تعيد فيه المرأة رسم حدود وجودها، والمسار الرمزي الذي تعيد فيه كرة القدم إنتاج الهوية الوطنية، والمسار السياسي الذي تصبح فيه الرياضة وسيلة للاستثمار في الإجماع والشرعية. بين هذه المسارات، تتغير طبيعة المجتمع ببطء وعصبية، لكن عودة كرة القدم إلى ملاعبها القديمة تبدو صعبة.
#كيف #غيرت #النساء #جمهور #كرة #القدم #في #المغرب #أصوات #مغربية









