ولا تزال مقدمة ابن خلدون ذات صلة بعصرنا، تكشف الأسباب الحقيقية وراء تراجعنا وفشل ترميمنا. لقد وضع مؤلفو المقدمة صيغة تنطبق على الوضع في بلادنا، حيث أصبح الفساد آفة. إن المبادرات الكثيرة التي كلفت الخزينة الوطنية مبالغ طائلة لا يمكن إصلاحها إلا بتخفيف الأزمة وتقليص الفساد المهدر على البلاد، بما في ذلك فرصة الانتصار على الفيروس الذي يدمر الاقتصاد ومصادر التنمية.
الفساد يتغلغل في الأحزاب السياسية
وبحسب فقهاء القانون، فإن سبب التراجع هو أن الجمعية المغربية لحماية المالية العامة طلبت من النيابة العامة استدعاء الأحزاب السياسية المعنية بعد تقرير صدر مؤخرا عن الهيئة الدستورية المغربية، المجلس الأعلى للحسابات، كشف عن تباينات في صرف الدعم المالي الذي تتلقاه الأحزاب السياسية من الدولة. البدء بتحقيقات قضائية في المخالفات التي أضرت بالوضع المالي.
والغريب أن هذه الأحزاب السياسية، التي من المفترض أن تلعب دورا أساسيا في مكافحة الفساد وتشكيل حياة الناس، لم تكتف بالتقرير الذي كشف الواقع المزري المتمثل في استشراء الفساد، وتفشي النزعات الانتهازية، وتحول الحياة السياسية إلى مصعد للتمتع بالامتيازات وخدمة مصالح شخصية.
وبدلاً من أن تسارع الأحزاب السياسية المشاركة في التقرير إلى فتح تحقيق داخلي لتحديد المسؤولية واتخاذ القرارات اللازمة، اتهم المجلس الأعلى للمحاسبين المجلس الأعلى للمحاسبين بالتركيز على الأحزاب السياسية، وكأنها بؤر الفساد الوحيدة.
التراجع والخراب
إننا أمام تراجع غير مسبوق ينذر بخراب عام. فكيف يمكن لحزب سياسي فشل في إدارة موارده المالية بشفافية أن يتمكن من توجيه دولة بأكملها؟ وهذه حقيقة تضع هذا البلد في أزمة حقيقية. ومن ناحية أخرى، ينص الفصل السابع من الدستور على أن “الأحزاب السياسية تحكم الشعب رجالاً ونساءً وتكوينه السياسي، وتسعى إلى تعزيز مشاركتها في حياة الشعب”، مما يمنح الأحزاب السياسية سلطة حكم الشعب. ومن ناحية أخرى، انفصل الناس عنهم. لأنه لم يعد من المنطقي بالنسبة لهم أن يضموهم، وخاصة الشباب الذين يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع.
وكما هو الحال بالنسبة للمعهد المغربي لتحليل السياسات، فإن الأرقام التي تنشرها العديد من المراكز التعليمية مخيفة. وبلغت نسبة عدم المشاركة للأحزاب السياسية عام 2022 نحو 96%، لترتفع إلى 98% في العام التالي.
دستوريًا، هذا يجعل الأحزاب السياسية مسؤولة عن الأدوار الموكلة إليها. وإذا لقيت هذه الأحزاب رفضا شعبيا، ولم تحظى بالقبول لمناصرة القضايا باسم الشعب، فإن شرعية وجود عدد كبير من الأحزاب، أكثر من 34 حزبا، على الساحة المغربية، ستزداد.
في العديد من الأنماط السياسية، فإن الأحزاب التي لا تحصل على إجمالي 4% من إجمالي الأصوات إما أن تنحل أو تندمج مع حزب آخر، وهذا ليس ظلمًا لهذه الأحزاب. إن هذه الشروط العتبية تمنع إغراق الساحة السياسية بالطفيليات التي لن تؤدي إلا إلى إضعاف النشاط السياسي.
ولتجنب تجاوز الحدود، قامت موريتانيا المجاورة، التي تتمتع بتعددية سياسية واسعة النطاق تضم أكثر من 100 حزب، بسن قانون جديد للأحزاب السياسية يتطلب حل جميع الأحزاب السياسية التي تفشل في تجاوز عتبة الـ 1%. ولا بد من سن القوانين للحد من هذه التعددية المرضية، التي لا علاقة لها بحرية تكوين الجمعيات أو بالديمقراطية المشؤومة.
وفي المغرب، هناك أحزاب سياسية لم تفز قط بمقعد واحد في حياتها، وأحزاب أخرى متقاربة للغاية وتفتقر إلى القدرة على إدارة الشؤون السياسية.
في الواقع، هذه الصورة القاتمة لحالة الأحزاب السياسية هي التي جلبتها الأحزاب السياسية نفسها، التي استجابت لكل اختلاف سياسي داخلها بالانقسام وتشكيل أحزاب جديدة.
فالتنظيم الحزبي، أو البنية المجزأة، ذات طبيعة فردية وليست خاضعة لسيطرة التنظيم الحزبي، الذي كان ينبغي أن يغرس ثقافة الحزم، وأن يدرب أعضاء الحزب، بغض النظر عن وضعهم الحزبي، على فضائل التعاون والتعلق بالمبادئ وليس الأشخاص.
وعلى حد تعبير إخواننا الشرقيين، فإن الثقافة السياسية التي تقيمها الأحزاب السياسية “تخرب”، مشبعة بالولاء والتعاون، وطالما أن أرض الله كما يقولون واسعة، فإنها في أوقات الأزمات تتحول مباشرة إلى التشرذم، وتتحول إلى معاول دمار وتخريب للتنظيم الحزبي.
لقد أضعفت الدولة الأحزاب السياسية.
وفي هذا الواقع المأساوي، كانت الدولة بعيدة كل البعد عن المساهمة في إنتاجه. وفي الوقت الذي كانت فيه الأحزاب السياسية الوطنية مرتبطة بالشارع وتعبر عن تطلعاتها ومصالحها، لم تكن الدولة سعيدة بقوة الأحزاب السياسية وجماهيرها وسعت إلى تقويضها بكل الطرق.
خلال «سنوات الرصاص» التي حاولت فيها هيئة الإنصاف والمصالحة طي صفحاتها المظلمة، لم تكن الأحزاب السياسية التاريخية مثل اتحاد القوى الشعبية الاشتراكية والقوى اليسارية بشكل عام، منسجمة تماما مع النظام السياسي. بل على العكس من ذلك، توترت العلاقات، ولم تكن السجون آنذاك تخلو من قيادات وناشطين من هذه الأحزاب. إن إضعاف الأحزاب السياسية وتدخل السلطات في قراراتها، خلق واقعاً ضعيفاً مترهلاً وغير جدير بالثقة. ونتيجة لذلك، فقدت هذه الأحزاب السياسية ثقة الشعب، وتفرقت الحشود من حولها، وأصبحت عبئاً على الشعب.
منذ أكثر من شهر بقليل، ودع المغاربة، برحمة الله، رمزا وقائدا استثنائيا، المجاهد محمد بن سعيد آيت يادر. ويذكر في مذكراته أنه عندما طرح التعديل الدستوري للاستفتاء عام 1996، قررت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي كان الراحل الرمز أمينها العام، التصويت ضد التعديل الدستوري. ولم يفعل وزير الداخلية السابق إدريس البصري سوى المطالبة، بلهجة غير تهديدية، بأن يتراجع الراحل بن سعيد عن موقفه. المنظمة، وإلا فسوف يستجيب شخص ما ويعلن التصويت بـ “نعم”.
وفي الواقع، سمح تدخل السلطات للمنظمة بالانقسام من خلال إجراء عملية قيصرية وإغلاق جريدتها الناطقة باسم “أنور”. وهذا مثال على العديد من التدخلات التي أدت إلى التقريب بين الأطراف وإبعاد الآخرين، مما أدى إلى مواجهة الدول لمعضلات خطيرة، تجسدت في الافتقار إلى دور وسيط نزيه بين الدول وشعوبها.
– استحالة التنمية والديمقراطية بسبب الفساد
وكان ينبغي للأحزاب السياسية أن تستوعب الرسالة من تقرير المجلس الأعلى للحسابات العامة، وبدلاً من الانضمام إلى المناقشة، كان ينبغي لها أن تأخذ زمام المبادرة وتزيل الأعشاب الضارة من حدائقها. للدفاع عن الوضع المحيط حيث تكثر الشكوك.
فإذا تسلل الفساد إلى الأحزاب السياسية ونجح بلا شك في السيطرة على بعضها، فهذا يعني أن التنمية والديمقراطية مستحيلة في ظل الفساد. إن التنمية والفساد خطان لا يلتقيان، والديمقراطية مع الأحزاب السياسية الضعيفة والفاسدة هي في نهاية المطاف مستحيلة ومستحيلة.
لقد نص دستور 2011، الذي صدر استجابة للأحداث في المنطقة العربية، بوضوح على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن اختلالات مالية وإدارية خطيرة واختلاس أموال عمومية بدأت تنكشف الآن، مثل قضية الصندوق المشترك للموظفين الإداريين، التي فتحت تحقيقا ضد الرئيس السابق الذي كان يستعد للهجرة إلى بلد لا تربطه اتفاقية تعاون قضائي مع المغرب.
والحقيقة أن هذه الكارثة سجلت بين عامي 2010 و2019. وهكذا، في عهد تولي حزب العدالة والتنمية إدارة الشأن العام، أطلق رئيس الوزراء آنذاك العبارة الشهيرة “سامحنا الله على ما حدث” في إشارة إلى قضايا فساد سابقة تتعلق باختلاس مبالغ كبيرة من الأموال من المؤسسات العامة. ويعني ضعف المراقبة والتفتيش أن للفاسدين حرية الوصول إلى الأموال العامة. وهكذا يستمر الفساد في الانتشار، مما يخلق الأزمات ويخرب مشاريع التنمية التي سيعتمد عليها مستقبل الأجيال القادمة.
ولا يوجد حل للفساد سوى إرادة القتال بلا رحمة. لا توجد وصفة سحرية. ولأولئك الذين يريدون أن يعرفوا كيف يمكن وقف نمو الفساد الذي لا يحافظ عليه ولا يدمره، فما عليهم إلا أن ينظروا إلى تجربة رواندا. وبعد حرب أهلية حرض عليها المستعمرون الفرنسيون السابقون ودمر فيها الصراع بين أقلية التوتسي وأغلبية الهوتو مليون شخص، تمكن هذا البلد المتضرر من النهوض مرة أخرى واتخاذ خطوات ثابتة نحو التنمية الحقيقية. إنه يعوض الأوقات العصيبة التي عانى فيها الروانديون من القمع والفقر. وعدم الشعور بالأمن والأمان.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
#الفساد #تسرب #إلى #الأحزاب #السياسية #المغربية









