أساتذة التربية المغاربة، كما تصورهم معطيات المسح الدولي للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، الذي كشف عنه صباح أمس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ليسوا موظفين جامدين يمكن تلخيص صورهم النمطية على السبورة والطباشير، بل هم فاعلون شباب نسبيا، معظمهم من النساء، يتحركون في قلب ورشة عمل اجتماعية معقدة، يتأرجحون بين الحماس والإكراه، بين الرغبة في لعب دور وصراعات الحياة اليومية. حدود الواقع.
المعلمون المغاربة أصغر سنا من نظرائهم في العديد من أنظمة التعليم المقارن. ويبلغ متوسط عمره حوالي 39 سنة في التعليم الإعدادي و40 سنة في التعليم الابتدائي، وهو ما أظهره التقرير لقلة الخبرة والتجربة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام متعددة حول أسباب ومبررات وضع حدود لسن الالتحاق بالمهنة.
بل إن المدارس المغربية تدفع الطلاب المهنيين الشباب عديمي الخبرة إلى المواقف الأكثر ضعفا، خاصة في المناطق الريفية وفي المؤسسات الصعبة، حيث يُطلب من عديمي الخبرة مواجهة المواقف الأكثر تعقيدا.
المعلمون المغاربة هم موظفون غالبا ما يبدأون طريقهم حيث يجب أن ينتهي الآخرون. وعلى الرغم من دخولهم المرحلة الجامعية مع الفوارق التي تراكمت بالفعل في المجتمع، إلا أنهم يواجهون عالمًا من عدم المساواة من حيث اللغة والبيئة الاجتماعية والدعم الأسري والصعوبات التعليمية وما إلى ذلك وكذلك الطلاب من مختلف المستويات.
ولذلك يبدو المعلمون المغاربة، في المخيلة الشعبية، وكأنهم مديري التعقيد أكثر من مجرد ناقلين للمعرفة. إنهم لا يشرحون الفصل فحسب، بل يتفاوضون أيضًا على شروط وأحكام الفصل نفسه بشكل يومي. من هنا يمكنك أن ترى لماذا هو منظم جيد للجلسات، واضح في عرضه للمحتوى، شديد الاهتمام بالانضباط، ويبدو أنه يميل إلى تنظيم الأقسام بقواعد دقيقة وإيقاعات واضحة.
إلا أن الجانب المنظم والمتين لهذه المهنة يخفي صعوبات واضحة. يبدو هذا الأستاذ أقل ليبرالية في التعليم الذي يتطلب قدرًا أكبر من المرونة والتعلم التعاوني ومساحة أكبر لمبادرة الطلاب ومهام أكثر تعقيدًا تعزز التفكير النقدي والاستقلال. يبدو الأمر كما لو كنت تواجه موظفًا مهتمًا بـ “التحكم” في القسم أكثر من تحرير عملية التعلم.
وتظهر السيرة الذاتية للأستاذ المغربي في هذا التقرير أنه واثق من نفسه مهنيا. إنه يشعر بالقدرة على شرح المحتوى وتحقيق أهداف الدرس وتقديم الملاحظات والحفاظ على بيئة صفية منضبطة.
إلا أن هذه الثقة نفسها تبدأ في التراجع مع انتقالنا من التعليم باعتباره نقلاً منظمًا للمعرفة إلى التعليم باعتباره تخصيصًا حقيقيًا للتعلم وفقًا للاحتياجات والقدرات، والاستجابة بدقة لفروق الطلاب ومواكبة نقاط الضعف النفسية والاجتماعية لدى الطلاب.
علاوة على ذلك، فإن الأستاذ المغربي يعمل أكثر مما يبدو، وإجازته الصيفية الطويلة تخلق صورة نمطية عنه. بالنسبة له، الحياة المهنية لا تبدأ بقرع الجرس أو تنتهي بترك القسم. تنقسم ساعات عمله الفعلية إلى إعداد، تصحيح، تنسيق، متابعة، تعبئة المستندات، التواصل مع أفراد الأسرة… لذلك لا يبدو التعب الذي يحيط به دائمًا صاخبًا، لكن هناك حصصًا تتطلب تحضيرات طويلة، الدفاتر تتكدس على المكتب. إنه إرهاق تراكمي، بسبب اختلاف مستويات الإدارات، والانضباط الذي يجب الحفاظ عليه، والتوقعات الاجتماعية والتنظيمية العالية التي لا يتم تلبيتها دائمًا بوسائل كافية، من النوع الذي لا ينفجر في لحظة، بل يستقر ببطء في تفاصيل اليوم.
ومن السمات اللافتة للنظر التي يصورها هذا التقرير أن الأستاذ المغربي أكثر انفتاحا على الرقمنة من حيث الإدراك مما توحي به الصور التقليدية. إنه ليس عدوًا للتكنولوجيا ولا أسيرًا للحنين الريفي للمدرسة القديمة. ويرى أن الأدوات الرقمية وسيلة لزيادة تحفيز الطلاب، وتحسين الأداء، وتوسيع إمكانيات التعلم والتعاون. ومع ذلك، فهو لا يستسلم لها تمامًا، بل يقترب منها بشيء من الحذر، وكأنه يرى فيها الوعد والخطر معًا.
أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فهو بالنسبة للأستاذ المغربي يمثل أفقًا أكثر من كونه ممارسة مستقرة. وعلى الرغم من أن حضورها التعليمي محدود، إلا أن الحاجة إلى التدريب مرتفعة بشكل واضح. وهذا يكشف وجه الأساتذة الذين يتفوقون أحيانًا على مؤسساتهم في التغيير، لكنهم لا يجدون دائمًا الإطار الكافي لترجمة هذا الوعي بثقة إلى ممارسة مستقرة.
على الجبهة التركيبية، يظهر وضع معقد آخر. ولم يدخل الأستاذ المغربي بالضرورة إلى المهنة عبر المسارات المتوقعة، وفي كل حالة لم يحقق التوازن اللازم بين المعرفة الأكاديمية والتكوين البيداغوجي والممارسة العملية. على الرغم من أن العديد من الأشخاص راضون نسبيًا عن التدريب الأساسي، إلا أن مستوى الرضا هذا لا يزال أقل من المعايير الدولية، ولا تزال هناك حاجة قوية لمزيد من التدريب المناسب، خاصة في المراحل المبكرة. ولهذا السبب، يبدو أن المهنة، بالنسبة لعدد كبير من المعلمين، قد علمتهم أثناء العمل أكثر مما كانوا يعلمونه قبل دخول المهنة.
ولا تكمن المشكلة في الافتقار إلى التدريب المستمر في المجالات الناشئة مثل الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والتعليم في سياقات متعددة اللغات والثقافات فحسب، بل تكمن أيضا في المرحلة الدقيقة التي ينتقل فيها الأساتذة من وضع المتدربين والخريجين إلى وضع المواد المسؤولة عن أقسام بأكملها. هذا التأطير الضعيف للنص يجعل السنوات القليلة الأولى كمحترف تبدو أشبه باختبار البقاء، أو تعلم السباحة بالفطرة بدون مدرب، أكثر من كونها لحظة هادئة لتأسيس هوية مهنية متماسكة.
ورغم كل هذا، فإننا لا نخلق من التقرير صورة معلم ضعيف أو صورة بطل أسطوري، بل تركيبة أكثر واقعية وعدالة، وربما أكثر إنسانية. إن ما نواجهه هو أستاذ شاب نسبيا، متحمس، يؤمن بفائدة ما يفعله، ويمتلك من وسائل التحكم والتنظيم والتفسير أكثر مما لديه من حيث العفوية والفردية والابتكار.
يواجه الأساتذة الذين يعملون مع الأطفال المغاربة في القسم عبئا ليس تربويا بالكامل، بل اجتماعيا ولغويا ونفسيا. على الرغم من أن الأساتذة يبدو أنهم يتمتعون بإمكانات تنموية واضحة، إلا أنهم يعملون داخل مؤسسات لا توفر لهم دائمًا التدريب الكافي، والرفقة، والاستقلالية، والمساواة في هذا المجال.
باختصار، تكشف هذه الدراسة أن تدريس التربية والتعليم في المغرب ليس أزمة في حد ذاته، بل هو أقوى مرآة لأزمة أوسع، وهي مهنة تتطلب الكثير وتعطي الكثير، لكنها تفعل أقل بكثير مما تحتاج إليه من أجل تلبية التوقعات.
#المعلمون #المغاربة #لا #يستعملون #الطباشير #صوت #المغرب









