تم النشر في 11 سبتمبر 2025
|
آخر تحديث: 2025/10/11 14:16 (بتوقيت مكة)
وفي ذروة الأزمة بين الجزائر والرباط بعد قطع البلدين العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 2021، سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن ندد بالحاجة إلى الوساطة بين البلدين، مع قيام بعض الدول العربية بدور الوساطة لحل الأزمة، كما أعرب الملك محمد السادس عن نهج مماثل بدعوة الرئيس الجزائري إلى الحوار المبني على الثقة وحسن النية. هذا ما خلص إليه وزير الخارجية في خطابه للشعب المغربي يوم 31 أكتوبر، عندما أكد على علاقات حسن الجوار. كما أكد المغربي ناصر بوريطة أن العلاقات المغربية الجزائرية لا تحتاج إلى وساطة.
وبالطبع فإن الحوار هو الخيار الوحيد بين البلدين، لكن في ظل الطريق المسدود والعلاقات المتوترة، لا يمكن أن يتم الحوار دون وساطة. وفي الستينيات توسط في مصر فترة، ثم في موريتانيا، وبعد نشوب نزاع الصحراء، توسط أيضا في السعودية. وخلافا لما قد يتبادر إلى الأذهان، فإن قضية الصحراء ليست سببا للمشكلة بين البلدين، بل هي وسيلة للتعبير عنها أو التعليق الساخط عليها.
أسباب التوتر
يمكن أن تكون التوترات بسبب الصراعات الحدودية، مثل تلك التي اندلعت في عام 1963، أو الاتجاهات الأيديولوجية، أو عدم الثقة. هذه العوامل، سواء كانت فردية أو مجتمعة، كانت مصدرا للاضطرابات بين البلدين، لكن قادتهما، الملك الراحل الحسن الثاني والراحل هواري بومدين، تمكنا من التغلب عليها لبعض الوقت، منذ 1969 مرورا باتفاق يفران للأخوة والتعاون وحسن الجوار، إلى اتفاق ترسيم الحدود في مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية بالرباط في يونيو/حزيران 1972. وبعد محاولة انقلاب في أغسطس/آب 1972 بقيادة الجنرال محمد أفكير الموثوق. وفي عهد الملك الحسن الثاني، عادت القضية بسرعة إلى مستويات عدم الثقة السابقة.
وأعرب الزعيم المغربي محمد بن سعيد، الذي عاش في الجزائر لفترة وحصل لاحقا على جواز سفر، عن أن “المغرب امتداد للجزائر، كما أن الجزائر امتداد للمغرب”، وبقي شيء واحد على حاله.
وتعتبر مذكرات الرئيس الموريتاني الأول مختار ولد دادا (المترجمة إلى الفرنسية والعربية) من أهم المراجع لفهم هذه الفترة الحرجة.
ويمر المختار ولد داده بمرحلة واعدة، إذ اجتمع عام 1970 ثلاثة زعماء، الحسن الثاني وبومدين وولد داده (رحمهم الله)، في نواجيب لتنسيق الجهود لتحرير ما يسمى بـ “الصحراء الإسبانية” وجعل المنطقة منطقة “حكم” للمغرب العربي. تعد منطقة الرور مركزًا للتصنيع في ألمانيا المجاورة. إلى فرنسا.
ويعتقد المختار ولد داده أن هناك عدة أسباب وراء اهتزاز علاقة الثقة بين الزعيمين. سعى أور داده إلى رأب الصدع في المحادثات التي عقدت في أغادير عام 1973. واتخذ الرئيس بومدين موقفًا مفاده أنه ليس لديه ما يقوله للملك الحسن ما لم يصادق على الاتفاقية، كما أسر لولد داده.
وكانت محادثات أغادير باردة وفاترة، مما مهد الطريق لمرحلة الانشقاق. وفي القمة العربية التي عقدت بالرباط خريف 1974، وهو اللقاء الأخير بين الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين، أعلن الرئيس الجزائري هواري بومدين أن الجزائر ليس لديها أطماع في الصحراء وأن الجزائر هنأت الاتفاق بين المغرب وموريتانيا. وغادر الرباط قبل انتهاء القمة، لكن العديد من المراقبين رأوا في القضية علامة على أزمة مقبلة.
وتغلب البلدان على التوترات القائمة في يوليو 1975 خلال البعثة الدبلوماسية الأخيرة لعبد العزيز بوتفليقة، وزير الخارجية الجزائري آنذاك، إلى الرباط واجتماع مع الملك الحسن الثاني لحل القضايا القائمة بين البلدين من خلال الاتصالات المشتركة. وكانت هذه الفرصة الأخيرة، أو ربما قبل الأخيرة، في ضوء اللقاء المقرر في بروكسل عام 1975 بين الراحل هواري بومدين والملك الحسن الثاني. ولم يقام عام 1978 بسبب المرض. وتسبب في مقتل بومدين.
وعاد بوتفليقة إلى الجزائر برسالة مشتركة تهدف إلى تجاوز الخلافات بين البلدين. لكن ملف العلاقات الثنائية بين البلدين لم يعد مسألة قنوات دبلوماسية، بل أصبح مسألة أمنية عسكرية، مع انتقال الجزائر إلى ما كان يعرف سابقا بالمغرب العرقي.
ثابت لا يتغير
وتظهر هذه الخلفية التاريخية، رغم أنها مختصرة، أن جوهر المشكلة يكمن في انعدام الثقة. ولذلك، فرغم أنه من غير الممكن إعادة خلق السياق الذي كان قبل 50 سنة واليوم لأنه مختلف، فإن بعض الأشياء تبقى على حالها، مثل عمق العلاقات بين المغاربة والجزائريين، أو تصريح محمد بن سعيد، الزعيم المغربي الذي عاش في الجزائر لفترة وحمل جواز سفر جزائري خلال منفاه في فرنسا، أن المغرب هو امتداد للجزائر. الجزائر امتداد للمغرب.
إن أي صراع بين المغرب والجزائر هو عمل انتحاري يزعزع استقرار التحالفات الاجتماعية القائمة ولن ينتهي إلى فائزين أو خاسرين، بغض النظر عن القوى العسكرية أو التحالفات الدولية.
والأمر الوحيد الذي يظل ثابتاً هو أن مصالح البلدين تكمن في التكامل والتعاون، وأن عدم الاستقرار في أحد البلدين يخلف عواقب سلبية على البلد الآخر، وأن الهدف الأسمى الذي يتردد في ضمير الشعوب المغاربية هو التكامل المغاربي، الذي كرس مؤسسو الحركات الوطنية في تونس والجزائر والمغرب جهودهم له.
ويمكن للمرء أن يضيف أن أي صراع هو انتحار. فهو يزعزع استقرار التحالفات الاجتماعية القائمة ولن ينتهي به الأمر إلى فائزين أو خاسرين، بغض النظر عن القوة العسكرية أو التحالفات الدولية.
إن الوضع الإقليمي في أفريقيا والعالم العربي يفضل المصالحة وليس الفتنة، وهو ما ينعكس إيجاباً على موارد أفريقيا ويحد من المخاطر التي تهدد أفريقيا. كما أنها ستمثل عمقاً استراتيجياً للعالم العربي الذي يمر بمرحلة انتقالية بين الخوف والأمل.
المصالح الدولية
ولم تعد القوى الدولية تنظر بقلق إلى سعي الولايات المتحدة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، ولا سيما توثيق العلاقات بين المغرب والجزائر، بهدف إطفاء لهيب التوتر، وإرساء موطئ قدم في منطقة واعدة ذات ثروات وموارد بشرية ثمينة، وإعادة تشكيل المنطقة من خلال قطع الطريق على المنافسين.
ولا حرج في التعايش بين مصالح القوى الكبرى ومصالح دول المنطقة. وسيكون من الجيد لكلا البلدين أن يكونا استباقيين ويستفيدا من الفرص في الوضع العالمي غير المستقر.
وليس من الصعب على أجهزة المخابرات المغاربية أن تجد الصيغة المثالية التي يمكن من خلالها تحقيق الوحدة والوحدة الوطنية دون المساس بحقوق أي شخص، أو كما تسميها الأدبيات الرسمية المغربية “لا فائز ولا خاسر”.
وبطبيعة الحال، لا يمكن تصنيع النتائج بشكل مصطنع. لأن بناء الثقة يستغرق وقتاً طويلاً، ولكن يجب أن تبدأ دون أي ضجة.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
#المغرب #والجزائر #جذور #الأزمة #وسبل #المصالحة









