الرئيسيةسياسةصعود السياسة ونضج النخب

صعود السياسة ونضج النخب

عندما يتقدم المغرب، يجب أن تتقدم السياسة أيضا ويجب أن تنضج النخبة

إن المغرب اليوم لم يعد هو المغرب الذي عرفته الأجيال السياسية السابقة. وتحدث تحولات هادئة وعميقة في نسيج الأمم والمجتمعات والاقتصادات، حيث تتقاطع مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق مع التحول الاقتصادي، ويتقاطع الوجود الأفريقي مع الديناميكية الدبلوماسية، وتتوازي المصالح التنموية مع الثورة الرقمية وأنماط التفكير المتغيرة للأجيال الجديدة.

إن المجال الأكثر حاجة إلى الإصلاح هو مجال السياسة. التجديد لا يعني تغيير الوجه أو استبدال خطاب بآخر من أجل التغيير، بل يعني الانتقال من ثقافة سياسية مجردة من المكانة والصراع إلى ثقافة تكون الكفاءة والأداء والمسؤولية هي معايير الشرعية السياسية. وكلما ارتفع سقف طموحات الدولة، كلما أصبح من الصعب على الممارسة السياسية أن تظل خاضعة لمنطق المرحلة السابقة. إن المغرب يحتاج الآن إلى سياسات تشبه مغرب اليوم، وليس سياسات تستمر في التعامل مع مغرب الأمس.

الأمة تتغير… وعلى النخب أن تواكب التغيير

من السهل قياس التغيرات المادية التي يعيشها المغرب. ويتجلى ذلك في العديد من الطرق: الطرق، والموانئ، والمطارات، والمشاريع الصناعية، وتوسيع المدن، وظهور قطاعات اقتصادية جديدة، والحضور المتنامي في القارة، والاستثمارات والشراكات الدولية الآخذة في التوسع. ولكن هناك تغييرا آخر أقل وضوحا، ولكنه أكثر أهمية على المدى الطويل. إنه تغيير في توقعات الشعب المغربي من الدولة والسياسة. ولم يعد المواطنون يحكمون على المسؤولين السياسيين من خلال عدد الخطب التي يلقونها، بل من خلال ما ينجزونه. لم تعد المناقشة العامة وحدها قادرة على خلق الثقة. وهذا التحول يجبر النخب السياسية نفسها على إعادة تحديد أدوارها، حيث أصبحت الثقة مرتبطة بسرعة الاستجابة، وجودة الخدمة، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، ودرجة احترام ذكاء المواطن.

تجنب المعارك السياسية واعتمد الخطاب المتفائل

وفي المرحلة السياسية الراهنة لا بد من التحذير من مخاطر السجالات والسجالات العقيمة بين الأطراف السياسية. وذلك لأنها لن تؤدي إلا إلى تعميق الشعور العام بالمقاومة وإبعاد الشباب بشكل خاص عن الأنشطة السياسية، ولن تؤدي إلى الإقناع. لا يحتاج الشباب إلى خطاب يديم الصراع واللوم. بل نحن في احتياج إلى خطاب سياسي متفائل وعملي ومسؤول ينتقل من منطق الشخصية والتظلم إلى منطق يقدم الحلول والبدائل، ويجعل البرامج الانتخابية عقوداً واضحة وقابلة للقياس وخاضعة للمساءلة.

وكن حذرًا أيضًا من البرامج التي تجتذب الناخبين من خلال تصور الدعم المالي المباشر أو تقديم حلول سهلة لمشاكل معقدة. وذلك لأن مثل هذا الخطاب، عندما يتم تقديمه دون توضيح مصادر التمويل وشروط الاستفادة وآليات التنفيذ، يمكن أن يؤسس لثقافة التبعية وانتظار الدعم بين فئات الشباب، بدلاً من ترسيخ ثقافة المبادرة والاستقلالية.

والمطلوب في هذا الوضع الحالي هو برنامج سياسي يعمل على تمكين الشباب وليس إغوائهم، ويفتح لهم الفرص للتدريب والتوظيف وريادة الأعمال والابتكار، ويشجع روح المبادرة الإبداعية والاقتصاد المنتج، ويمنحهم الثقة في قدرتهم على تشكيل المستقبل. ولذلك، فإن استقطاب الشباب لا يتم عبر وعود سهلة أو صراعات حزبية، بل عبر إقناعهم بأن الحلول الحقيقية يمكن خلقها في السياسة، وأن مشاركتهم ليست مجرد صوت انتخابي، بل إنهم يشكلون طاقة المجتمع، ويشاركون في صنع القرار، وهم شركاء في بناء مغرب المستقبل.

من شرعية الوضع إلى شرعية الأداء

أحد أكبر التغييرات التي يجب أن تخضع لها الثقافة السياسية هو التحول من النظر إلى المكانة كامتياز إلى رؤيتها كمسؤولية مؤقتة. ولا تمنح هذه المكانة أي قيمة جوهرية لحاملها، بل هي فرصة لخدمة المؤسسة والمجتمع والأمة. إن ولاية الانتخابات ليست إيجارا سياسيا، بل هي عقد ثقة مؤقت بين الشعب والشخص الذي يختاره ليمثله.

ولذلك، لا ينبغي قياس القيمة الحقيقية للمسؤول بطول المدة التي يشغلها في منصبه أو عدد المناصب التي يشغلها، بل بالأثر الذي يتركه على المنظمة التي يكون مسؤولاً عنها. وهذه الثقافة هي التي تجعل من الممكن بناء الدولة المؤسسية. لكن عندما تتحول المواقف إلى أهداف، تفقد السياسة معناها العام تدريجياً، ويتحول التنافس السياسي من التنافس على المشاريع إلى التنافس على المواقع، ومن البحث عن الحلول إلى البحث عن المناصب. وهنا تنفصل السياسة عن وظيفتها الأساسية في خدمة المجتمع وإدارة الخلافات وصناعة المستقبل.

الجيل الجديد لا يعيش السياسة بالطريقة القديمة.

هناك عامل آخر يجعل من الابتكار السياسي ضرورة وليس خيارا يتمثل في التغيرات العميقة التي يعيشها المغاربة، وخاصة جيل الشباب. وذلك لأن الأجيال الحديثة، من خلال هواتفها الذكية، يمكنها الآن العيش في الأماكن المفتوحة، ورؤية ما يحدث في عواصم العالم في دقائق، كما تتيح لها منصات التواصل مقارنة أداء المسؤولين والمؤسسات وتجارب الدول المختلفة. كما يعمل الذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل العلاقة بين المعلومات والمعرفة والعمل، وهذا الجيل لا يتلقى السياسة كما تلقت الأجيال السابقة الخطاب السياسي. فهو يحكم بسرعة أكبر، وأكثر قدرة على المقارنة، وأقل استعدادًا لقبول التناقضات بين الخطاب والممارسة. والأهم من ذلك أنه لا يريد أن يكون مجرد متلقي للسياسات، بل يريد أن يكون وكيلاً لفرص حقيقية في التعليم والعمل والمبادرة والابتكار. فهو يريد مؤسسات تستمع إليه، وفرصاً عادلة للحصول على الفرص، ومسؤولين يحاسبونه. إنه لا يريد أن يكون الأفراد محاطين بهالة من الامتيازات.

ولذلك، فإن أزمة العلاقة بين الشباب والسياسة لا يمكن اختزالها في الإحجام عن التصويت أو ضعف مشاركة الأحزاب السياسية. جذور المشكلة أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بصورة السياسة في الوعي الجمعي، ومدى قدرة المؤسسات والنخب على إقناع المواطنين بأن الخدمات العامة يمكن أن تكون مكانا للإنجاز والإنجاز، وليس مجرد مكان للصراع على المكانة.

تحديث الحزب قبل تحديث الخطاب

لا يمكن للأفراد أن يتحملوا وحدهم مسؤولية الأزمة في الممارسة السياسية. إن الأحزاب السياسية في الديمقراطيات الحديثة ليست مجرد مؤسسات انتخابية، أو شبكات لإدارة المرشحين، أو مساحات لتوزيع المناصب، لذا فهي بحاجة إلى إعادة التفكير في وظائفها. ووظيفتها الأساسية أعمق من ذلك، وتتجلى في توليد الأفكار، وتكوين القدرات، وتأطير المجتمع، وخلق البدائل، وإدخال نخب قادرة على السيطرة على الشأن العام. فمن دون حزب قوي فكرياً وتنظيمياً، يصبح من الصعب بناء حياة سياسية قوية.

والحزب السياسي الذي لا يأتي بأفكار يتحول إلى منظمة انتخابية. إن الحزب السياسي الذي لا يقوم بتحديث نخبه يصبح هيكلاً مغلقاً. إن الأحزاب السياسية التي لا تمهد الطريق لقدرات جديدة تخاطر بفقدان الاتصال بمجتمع متغير. ولذلك فإن الإصلاح السياسي يبدأ بإعادة بناء الفلسفة السياسية. إن مغربنا الحبيب يحتاج إلى سياسيين يجيدون تفسير الواقع بقدر ما يحتاج إلى سياسيين يستطيعون تفسير الواقع واقتراح البدائل لتغييره.

إن المغرب يحتاج إلى نخبة بحجم المسرح.

لن تكون الخطوات التالية سهلة، لأن العالم نفسه يتغير بوتيرة غير مسبوقة: فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد والإعلام والتعليم، والمنافسة الدولية تشتد، والتغيرات الجيوسياسية تعيد رسم ميزان القوى، وأصبحت الاقتصادات الوطنية أكثر ارتباطا بالسلاسل العالمية. وفي مثل هذه البيئة، لا تستطيع النخب السياسية أن تتحمل الوقوع في فخ ملفات صغيرة. إن ما نحتاجه هو الانتقال من إدارة اليوم إلى صناعة الغد.

وهذا يعني أن الساسة المغاربة بحاجة إلى أن يكون لديهم منظور استراتيجي، وأن يفهموا موقف المغرب في البيئات الأفريقية والمتوسطية والدولية، وأن يدركوا أن السياسة الداخلية مرتبطة بصورة البلاد في الخارج، وأن الأداء المؤسسي أصبح جزءا من القوة الناعمة للبلاد. إن المغرب، الذي يعيش وضعا اقتصاديا ودبلوماسيا متقدما، يحتاج إلى نخبة سياسية قادرة على مواكبة هذه المكانة معرفيا ومؤسساتيا وأخلاقيا.

السياسات التي يستحقها المغرب

إن المغرب يحتاج إلى المزيد من الأفكار، وليس إلى المزيد من المشاحنات، ونحن لسنا بحاجة إلى المزيد من الأشخاص، بل إلى مؤسسات أقوى. وهذا لا يتطلب سياسيين لديهم إجابات فورية على كل شيء، بل يتطلب مسؤولين لديهم الشجاعة للاعتراف بما يجهلونه، والقدرة على طلب المساعدة من الخبراء، والرغبة في التعلم، والإرادة لتحويل المعرفة إلى قرارات.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ المشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج نخبة سياسية تتناسب مع حجم هذه المشاريع وطموحات المجتمع. ولذلك فإن اللحظة المغربية الراهنة تتطلب عقدا جديدا بين السياسة والمجتمع. عقد تكون فيه الكفاءة أساس التقدم، والمحاسبة شرط المسؤولية، والإنجاز معيار التقييم، والمصلحة العامة هي السقف الذي لا يمكن تجاوزه. لا يمكن للسياسة أن تبقى ساكنة لأن المغرب تغير، وتغير مجتمعه، وتغير شعبه، وتغيرت أدوات اتصاله، وتغيرت طبيعة الدولة نفسها اقتصاديا واجتماعيا وعلاقتها بالعالم.

يتقدم المغرب هيكليا واقتصاديا ودبلوماسيا وتكنولوجيا، ومعه تحتاج ثقافته السياسية إلى التقدم أيضا، مما يسمح للنخبة بالارتقاء إلى مستوى التحول الوطني. الدول العظيمة لا تصنع بالمشاريع فحسب، بل تصنعها أيضاً العقول التي تديرها، والنخب التي تحمي مؤسساتها، والساسة الذين يعرفون أن مكانتهم زائلة، وأن الأمم ستدوم، وأن التاريخ لن يحفظ أسماء من جلسوا على الكراسي بقدر أسماء من أضافوا شيئاً لبلادهم.

إن السياسة المغربية لا تحتاج إلى المزيد من السياسيين فحسب، بل تحتاج أيضا إلى المزيد من السياسيين والنساء. إلى النخب التي تؤمن أن السلطة لها مسؤولية، وأن المؤسسات لها الثقة، وأن المواطنين لهم شركاء، وأن المستقبل سيكون مشروعاً مشتركاً. وهذا مستوى يليق بالمغرب الذي يتغير بوتيرة ثابتة ويتقدم بثقة نحو المستقبل في ظل التوجيهات السليمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. الله ينصر الملك. وبرؤية استراتيجية لبناء مغرب حديث قوي ومتقدم.

– وجدة رئيس جامعة محمد الأول

#صعود #السياسة #ونضج #النخب

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات