تم النشر في 12 فبراير 2024
|
آخر تحديث: 15:56 (بتوقيت مكة)
أربعة حوادث وقعت في المغرب في أقل من شهر، تشهد على انهيار فكري وأخلاقي مروع. كل قضية كانت ستتصدر عناوين الأخبار وتشغل الناس، لكنها لم تحظ باهتمام كبير، باستثناء القضية الرابعة، التي انتقد فيها صاحب أكبر مجموعة إعلامية في المغرب المحكمة الجنائية الدولية، التي أدانت نتنياهو وجالاند على أساس أن قرار المحكمة الجنائية الدولية يقوض السيادة الإسرائيلية ويتدخل في الشؤون القضائية الإسرائيلية، وهو ما استنكره أصحاب الرأي ولم يتجاهلوه.
أول هذه المشاكل وفي دائرة الضوء هناك قادة سياسيون من اليسار الجديد يتهمون اليسار القديم بالتخلي عن مبادئه، وفي خطبة يوم الجمعة دعوا الدعاة من البرلمان إلى التحدث بصوت عال عن الجهاد الفلسطيني، مذكرينهم بأن تاريخ المغرب هو تاريخ الجهاد والمجاهدين، وأن المغرب سبق له أن فتح وغزا الأندلس.
لا شك في حسن نوايا الزعيمة اليسارية وصحة توجهها فيما يتعلق بواجب النصر والدفاع عن المظلومين، لكن الجهاد والفتح والفتح ليست بأي حال من الأحوال مرجعيات يسارية، بل مرجعيات إسلامية بالتأكيد. ولم تكن هناك حاجة في كلامها إلى التذكير بفتح الأندلس واحتلالها؛ وكان يكفي أن يدافع زعماء اليسار عن واجب المساندة وحرية الإمام في الدعوة.
المفارقة الثانية هي وكشف رئيس الشؤون الدينية المغربي لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي عما حدث مع وزير الداخلية الفرنسي، حيث قال إن المغرب بلد علماني والكل حر في أن يفعل ما يريد. طلب وزير الداخلية، الذي كان لا يزال مندهشًا (أو صامتًا) كما قال وزير الداخلية، عقد اجتماع ثانٍ. وذلك لأن “فقه” وزير الشؤون الدينية المغربي يسمح للوزير الفرنسي بإطالة أمد الحرب ضد “مواطني الجمهورية”، أي مسلمي فرنسا.
وحاول الوزير عبثاً أن ينسب ما قيل عنه إلى أن العلمانية علمانية، لكن السهم أخطأ. بالطبع، كما يقول بعض الباحثين العلمانيين، في الواقع العلمنة معطلة، لذلك لم يأت الوزير بجديد، لكن بما أن الإسلام في فرنسا يعتبر مسألة أمنية، فلا يحق لوزير الأوقاف أن يقول ذلك أو يعترف به، أو حتى يفصح عما حدث مع المسؤولين الفرنسيين، وفي مقدمتهم وزير الداخلية.
وكتب الكاتب الذي رد على الوزير: ما دام المغاربة “علمانيين”، فهل يعتبر تنظيم “الإماراتيين الأوفياء”، الهيئة التي تشير إليها وزارة الشؤون الدينية، علمانيا؟ فهل يتوافق مع العلمانية، أم أنه لا يوجد خوف من التنافر الذي يتطلب إقصاء أحدهما أو الآخر؟ هل يجوز الإفطار علناً في رمضان؟ ويجرم قانون العقوبات الصيام، ويقول الوزير إن كل شخص حر في أن يفعل ما يريد.
وكان ينبغي لوزير الدين المغربي أن يقول لوزير الداخلية الفرنسي إن الدين سهل، وأن من يغلبه سينهزم، وأن الإسلام يتطلب النقاش بالتي هي أحسن، وأن المسلمين يحفظون الناس من ألسنتهم وأيديهم. ولا يغفل الوزير عن الاقتباس من المرجعيات الإسلامية حول “تدبير الشؤون الدينية” في المغرب، في اتجاه اللطف، وفي اتجاه التجنح وبدون مبالغة، بدلا من الخوض في مقاربات السلطات الأخرى التي يمكن أن يشارك فيها بصفته الشخصية، لكنه ليس له ما يبرره في التحدث عن ذلك من منطلق المسؤولية.
وثالثا، وزير التربية المغربي الجديد، في أول ظهور إعلامي له في البرلمان، وجد صعوبة بالغة في قراءة ما هو مكتوب باللهجة المغربية، لكنه لم يتحرج من الإجابة على جلسة الأسئلة الشفهية وقال إن الوزارة ستجيب كتابيا…إذا كانت الإجابات مكتوبة، فمن غير الواضح لماذا تسمى هذه الجلسة بالأسئلة الشفهية. مقالات وزير التربية والتعليم من اللغة العربية ليست م.زفهو لم يأت فقط، ولم يكن موجودا، ولم يعرف عنه انخراطه في الشأن العام، ولم يكن لديه أدنى علم بالشؤون التربوية، ومع ذلك فهو منوط بأهم قسم في تكوين الإنسان.
والحقيقة أنه كان هناك إهمال في هذا المجال، حيث تركت القضايا لمهندسين لا يعرفون حتى القضايا الاجتماعية، ناهيك عن القضايا التعليمية، وهؤلاء الموهوبون ظلوا يعملون على تحسين مالية المؤسسات التعليمية. واعترفوا بأن محتوى وطرق التدريس مغلقة أمامهم وأنهم لا يستطيعون فهمها. فهل من قبيل الصدفة أن يقود قطاع التعليم أشخاص لا يعرفون اللغة العربية، ويكرهونها، ويجهلون تماما الجوانب الثقافية لبلدهم؟
بخصوص الكوارث الكبرى هذا ما كتبه أحمد الشرع في صحيفة تايمز أوف إسرائيل، منتقدا قرار المحكمة الجنائية الدولية بتجريم كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالان، واصفا إياه بانتهاك سيادة الدولة الإسرائيلية وتدخل في العدالة الإسرائيلية.
لا توجد حرية رأي في هذا الوقت. وذلك لأن حرية الرأي تتطلب من المثقفين والصحفيين التعبير عن آراء يعتبرونها متعارضة مع التوجهات الفكرية التي يؤمنون بها، أو المرجعيات التي يتبعونها، أو المبادئ العامة، ولهم الحق في معارضتها أو دحضها.
ليس هذا هو الحال مع السيد شريعة، الذي لم يتخذ أي إجراء بشأن القضايا المتعلقة بالمغرب والمغاربة. ولم يكتب أبدًا رسالة أو يصدر بيانًا عندما وقع الزلزال في منطقة الحوز بالمغرب. ومن غير المعروف أنه تم تعبئته لأغراض إنسانية خارج المغرب. وكل مساهماته تتعلق بإسرائيل، والدفاع عن إسرائيل وفضح من يعارضها، مثل المقال الذي كتبه بعد طوفان الأقصى بعنوان “كلنا إسرائيليون”. بمعنى آخر، في حالة الأسياد الشرعيين، بحسب بيان حزب العدالة والتنمية، فإننا أمام ما يمكن اعتباره عمالة أجنبية.
وسبب الخطر كما ورد في القلم الصحفي هو أن السيد شريعة احتضنته السلطات الأمنية خلال فترة استجابته لحرية الصحافة، في ذروة الحرية الصحفية، وحظي، كما تسرب إلى الصحافة، باهتمام إضافي من المقربين من المجتمع الأمني، الذين تحدثوا بلغة المجتمع الأمني واستلهموا خطابه.
هل رماها شخص آخر غير الرامي؟ أو، كما كتب الصحفيون، هناك شيء خلف التلة كان يعتقد أن خروج الشريعة يتطلب قراءتين. فإما أنها كرة اختبار، وإما أن سيد الشريعة قد خرج من الصندوق وأصبح أكبر من أن يتبع أوامر من يحتضنه.
تتسلل العديد من المنظمات المؤثرة ويمكن أن تهدد السياسة الوطنية وتقلب سلم القيم وتعزز النبلاء. لأنه يتوافق مع توجيهاته، ويحط من لا يتبع توجيهاته، ويحطه في أحسن الأحوال، ويحد منه في أغلب الأحوال.
وفي المغرب، كانت هناك نظرة حسد منذ فترة على عمق عقلانيتنا وخيالنا، لكن ما نشهده على مستوى السياسة والإعلام والنخب الفكرية يظهر ومضات قد نصل فيها إلى هذا التوازن الذي كنا نفتخر به.
اليسار لم يعد يساراً، ووزير الدين بطل العلمانية، ووزير التعليم غير متعلم وأغبى، والتوظيف يعتبر حرية رأي.
ولعل ما يعزز هذا الاتجاه المخيف هو ما كتبه الصحفيون المغاربة عن واقع الجامعات المغربية. ومن بينها سرقة الأوراق والأبحاث، والمحسوبية والولاء من أجل الترقية (المحسوبية)، والرشوة من أجل القبول، و”الاختصارات” أو العربدة على مستوى بعض الأساتذة، واستخدام حالات بعض الطالبات لأغراض أخرى غير التعليم والمعرفة.
ليس بانهيار الجامعات يمكن الحفاظ على التوازن الذي يميز المشهد الثقافي المغربي، الذي أخرج أساتذة أثروا المكتبات العربية وزودوها بأدوات العقلانية.
إن المغرب ليس ما أراده الجيل المعروف بتحوله الديمقراطي. لا يمكن إنكار أن المغرب شهد قفزة نوعية في البنية التحتية، لكنه تراجع من حيث القيم والمرجعيات إلى حالة تكاد لا توجد فيها نخبة سياسية وثقافية.
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
#تناقضات #مثيرة #للقلق #شهدها #المغرب #في #الآونة #الأخيرة









