لقد تم إصلاح نظام التعليم منذ ثورة 2011.
ويعتبر هذا الملف من أبرز الملفات في النقاش الوطني لارتباطه المباشر بمستقبل الأجيال ومتطلبات سوق العمل. وعلى مدى أكثر من 15 عاماً، تم إطلاق سلسلة من المبادرات والبرامج والرؤى الإصلاحية، بدءاً من الحوارات الوطنية والأوراق البيضاء حول إصلاح التعليم إلى الخطط الاستراتيجية القطاعية، والمشاورات الوطنية حول إصلاح التعليم وإنشاء مجلس أعلى للتعليم.
ورغم كثرة هذه المحطات، تبقى أسئلة حول مدى إمكانية انتقال الإصلاحات المعلنة من مستوى التشخيص والتوصية إلى التنفيذ الفعلي، في ظل التحديات المستمرة المتعلقة بالبنية التحتية وتعطيل المدارس وجودة التعلم والرقمنة والفوارق المؤسسية وظروف العمل داخل المؤسسات التعليمية وغيرها. وتشير وزارة التربية والتعليم نفسها إلى أن ولايتها تشمل وضع الخيارات والخطط والبرامج الوطنية المتعلقة بالتعليم والتدريس وتنفيذها وتقييم نتائجها، في حين أن الإطار القانوني الأساسي للنظام المدرسي يعود إلى القانون التوجيهي رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته في 2008.
الملفات التعليمية تعود إلى الواجهة
خلقت الثورة واقعا سياسيا واجتماعيا جديدا، انعكس في مختلف المجالات، وكان التعليم في مقدمة القضايا التي عادت بقوة إلى النقاش. وتتعلق المطالب بتحسين ظروف التعلم والعمل، وتطوير المؤسسات التعليمية، وتقليص الفوارق بين المناطق، ومراجعة البرامج والمناهج، وتعزيز مشاركة المعلمين والطلاب والطلبة وغيرهم من أصحاب المصلحة في تطوير السياسات التعليمية. وفي هذه المرحلة، لم يقتصر التحدي على تغيير البرنامج فحسب، بل كان يشمل أيضًا إعادة بناء الثقة في المؤسسة وخلق رؤية طويلة المدى لنظام يمكنه الاستجابة للتغيرات التي شهدها المجتمع التونسي. ومع ذلك، ونظراً لتعدد الحكومات والتغيرات في الوزراء والسياسات في السنوات التي تلت الثورة، كانت عمليات الإصلاح في كثير من الأحيان مؤقتة بطبيعتها، قبل أن تبدأ جهود أكثر شمولاً.
الحوار المجتمعي…محاولة لبناء الإصلاح التشاركي
ومن أبرز المحطات التي رسمت اتجاه إصلاحات ما بعد الثورة، الحوار الإقليمي حول إصلاح النظام التعليمي، الذي بدأ منتصف العقد الماضي بمشاركة مجموعة واسعة من الفاعلين في هذا المجال. وكان الهدف المعلن هو تجاوز الإصلاحات الجزئية وبناء رؤية تشاركية تشمل مختلف مكونات النظام، من الطلاب والمعلمين إلى النقابات المهنية والمهنيين وعناصر المجتمع المدني. وعقدت آلاف المنصات الحوارية، طرحت خلالها العديد من المقترحات والتدابير المضادة بهدف تشخيص أوجه القصور وتحديد الأولويات. وأعلن وزير التربية ناجي جلول حينها أنه تم اتخاذ أكثر من 2000 إجراء من خلال الحوار، الذي سيدخل مرحلة التنفيذ على مراحل بعد إعداد الوثائق والخطط اللازمة. لكن الجدل حول نتائج الحوار لم يخلو من الانتقادات، خاصة من جانب الفاعلين النقابيين الذين رأوا أن المشاركة والاتفاق غير مكتملين دون إشراك جميع الفاعلين الأساسيين في مراحل صنع القرار والتنفيذ.
“الورقة البيضاء”.. من الحوار إلى المشروع الإصلاحي
تم تقديم الورقة البيضاء كوثيقة تلخص المقترحات والتوصيات المتعلقة بإصلاح النظام التعليمي، وكانت من أهم إنجازات الحوار الاجتماعي في ذلك الوقت. وأكد وزير التربية آنذاك ناجي جلول أن الوثيقة أعدت بمشاركة خبراء وعرضت على الحكومة، مشدداً على أن هذا ليس مشروعاً شخصياً، بل مشروع إصلاحي مفتوح للنقاش والنظر. كما أعلن أنه سيتم عرض الكتاب على مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك أعضاء المجالس الشعبية والنقابات والأسر التربوية، بهدف توسيع دائرة النقاش حول محتوياته. ومع ذلك، لم تؤد هذه العملية إلى تغييرات سريعة وشاملة في مختلف مكونات النظام، وعادت إلى الظهور مشاكل قديمة تتعلق بالفجوة بين قوة التشخيص والبحث، من ناحية، وقدرة المؤسسات على تنفيذ الإصلاحات، من ناحية أخرى. وزارة التربية تحفظ “الكتاب الأبيض: مشروع إصلاح النظام التربوي في تونس” ضمن وثائق سياساتها وبرامجها، وكذا الخطة الاستراتيجية لقطاع التربية للفترة 2016-2020.
الخطة الاستراتيجية 2016-2020..إصلاحات مرتبطة بالهيكلية والجودة
وتزامنت هذه المرحلة مع وضع الخطة الاستراتيجية القطاعية للتعليم 2016-2020، والتي هدفت إلى الانتقال من التوصيات العامة إلى الأهداف والبرامج المحددة. وتركزت الأولويات على تحسين جودة التعليم وتطوير البنية التحتية وتحسين ظروف الطلاب وتقليص الفوارق بين المناطق، بالإضافة إلى تكييف تنمية الموارد البشرية والتدريب مع الاحتياجات الاقتصادية واحتياجات سوق العمل. ومع ذلك، خلال السنوات القليلة التالية، أصبح من الواضح أن تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق في التعليم واجه مجموعة من العقبات المالية والإدارية والاجتماعية، مما أدى إلى تقدم العديد من المشاريع قدما بسرعات متفاوتة. وكانت تكلفة الإصلاح بحد ذاتها من أبرز التحديات التي تم طرحها في ذلك الوقت، حيث قال وزير التعليم آنذاك إن هناك احتياجات مالية كبيرة لتحديث المعدات والتركيز على المدارس الرقمية.
ويضع دستور 2022 الأساس لمؤسسات جديدة
شكل دستور 25 يوليو 2022 مرحلة جديدة في تاريخ إصلاح التعليم من خلال النص على إنشاء المجلس الأعلى للتعليم. ومن خلال هذا النظام، اتجهت الرؤية الجديدة إلى وضع الإصلاحات ضمن إطار مؤسسي أكثر استقرارا، بدلا من البقاء مرتبطة بالوزارات والحكومات والخيارات الظرفية المتعاقبة. ويعد المجلس إطارًا للتفكير والتقييم وإبداء الرأي حول السياسات الرئيسية المتعلقة بالتعليم والبحث العلمي والتدريب المهني وآفاق التوظيف. وبهذه الطريقة تحولت المناقشة تدريجياً من السؤال “ما هو نوع الإصلاحات المطلوبة؟”، إلى أسئلة أكثر تعقيداً، من يقود الإصلاح وكيف يمكننا ضمان استمراريته؟
إعادة فتح ملف الإصلاح للمشاورات الوطنية عام 2025
وفي عام 2025، أعيد ملف إصلاح التعليم إلى الواجهة من خلال المشاورة الوطنية لإصلاح نظام التعليم. وفي يوليو 2025، أعلنت وزارة التربية والتعليم عن الانتهاء من تشكيل لجنة مكلفة بتحليل نتائج الاستشارة الوطنية وإصدار تقرير يتضمن التوصيات، وهي خطوة تهدف إلى توفير أرضية جديدة لمناقشة مستقبل القطاع. وتزامن ذلك مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة اعتماد إصلاحات شاملة ومتماسكة للقطاع، معتبرا أن المنظومة بحاجة إلى معالجة الاختلالات المتراكمة ولن تكتفي بإصلاحات جزئية أو ظرفية. وفي هذه المرحلة، برز المجلس الأعلى للتعليم كآلية لجمع مختلف جوانب الإصلاح ضمن رؤية وطنية طويلة المدى. وفي نوفمبر 2025، أكد وزير التربية والتعليم نور الدين النوري أن إصلاح التعليم ستقوده مجالس الإدارة، والابتعاد عن الرؤى الفردية والأحكام الظرفية، وأشار إلى أن الجهود ستتركز على بناء سياسة عامة ورؤية للمستقبل، بالإضافة إلى تحديث البرامج، وإعادة النظر في ساعات الدراسة، وتكييف الأهداف التعليمية مع متطلبات العصر.
2026 من التشاور إلى التنفيذ
ودخلت هذه العملية مرحلة جديدة هذا العام مع افتتاح المجلس الأعلى للتعليم واستكمال تشكيله وبدء عمله. يأتي ذلك ضمن إصلاحات 2026-2030، والتي أعلنت وزارة التربية والتعليم عن إعادة النظر في المناهج والبرامج التعليمية، وإعادة تنظيم أوقات الدراسة لتأخذ في الاعتبار الجوانب التعليمية والنفسية للمتعلمين، وتسريع التحول الرقمي في المؤسسات التعليمية. وتشكل الإصلاحات أيضًا جزءًا من رؤية أوسع في خطة التنمية 2026-2030، والتي تعطي الأولوية لتنمية رأس المال البشري وتعزيز الاندماج الاجتماعي. وتزامن إطلاق المجلس مع مواقف داعمة من أعضاء المجتمع المدني. رحبت المنظمة التونسية للتربية والأسرة بتنشيط المجلس الأعلى للتعليم، معتبرة إياه إنجازا وطنيا يمكن أن يدعم مجال التربية والتكوين المهني. وأكدت المنظمة، بمشاركة خبراء من مختلف التخصصات وممثلي المجتمع المدني، على ضرورة الإصلاح الشامل لمختلف مراحل التعليم والتدريب المهني. وأكد أنه نظرا لأهمية التعليم فإن التدرج والمنهجية يمثلان شرطين أساسيين لنجاح عملية الإصلاح.
بعد مرور أكثر من عقد ونصف من الثورة، يبدو أن نظام التعليم يواجه محاولة جديدة لبدء إصلاح شامل، هذه المرة من خلال نظام دستوري من المفترض أن يوفر إطارًا أكثر استقرارًا واستدامة. وإذا كانت الجهود المبذولة منذ عام 2011 قد أسفرت عن عدد من التشخيصات والمقترحات، فإن التحدي الذي يواجه الكونجرس اليوم هو ترجمة هذا التراكم إلى إصلاحات قابلة للتنفيذ.









