قدم الانفجار الأخير للمنجم الذي أودى بحياة ثلاثة عمال في أحد مناجم جبل العوام بضواحي مدينة موريتو المغربية، نظرة عن قرب على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لبعض العمال الذين يواجهون خطرا يوميا في أعماق الأرض.
ولاحظ الناشطون الاجتماعيون والحقوقيون انعدام شروط الصحة والسلامة، وظروف العمل القاسية، وخطر الوفاة، والحوادث الصناعية، والأمراض الخطيرة، فضلا عن انخفاض أجور عمال المناجم الذين يستخرجون الموارد المعدنية مقابل “عدم التسمين أو تخفيف الجوع”.
احصل على أحدث تقرير
وانتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان غياب المراقبة داخل المنجم، قائلة: “هذه ليست الحادثة الأولى من هذا النوع، ولن تكون الأخيرة ما لم يتم ضمان شروط السلامة”.
كما تم تناول وضعية عمال المناجم في المغرب في تقارير عدد من المنظمات الرسمية والخاصة، بعضها يوثق ظروف العمل والسلامة، والبعض الآخر يحذر من الأمراض المهنية والتعويضات، والبعض الآخر يتعلق بالاحتجاجات وحقوق العمال.
وتناولت تقارير سابقة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (هيئة عامة) استغلال المناجم غير القانونية، أو “سان دوريا” كما تعرف محليا، فضلا عن أوضاع عمال المناجم السابقين في مدينة جيلادا، والأمراض المهنية، والتعويضات، ومعاشات العمال، والاحتجاجات التي اندلعت بعد إغلاق المنجم.
ثانيا، بما أن الرباط صادقت على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 بشأن سلامة وصحة المناجم سنة 2013، فقد تناول تقرير منظمة العمل الدولية موضوع السلامة والصحة في مناجم المغرب، من خلال مقارنة المعايير الدولية لسلامة المناجم مع ما يحدث فعلا في مواقع المناجم المغربية.
وفي الوقت نفسه، قدم تقرير سابق لشركة المناجم، أكبر مجموعة تعدين في المغرب، بيانات حول الصحة والسلامة وأبرز أن تواتر الحوادث المهنية قد انخفض بنسبة 10 بالمائة في عام 2024 مقارنة بعام 2023.
تفاصيل الحياة اليومية
بالنسبة لعمال المناجم، القصة لا تبدأ عندما ينزلون إلى الأرض، ولا تنتهي عندما يرتفعون عن الأرض. وتمتد الحياة في المناجم إلى ما هو أبعد من الأنفاق إلى المنازل والأحياء والعائلات، لتترك بصماتها على أجساد العمال كما تترك ندوباً وعلامات على تفاصيل الحياة اليومية.
عندما يعمل عمال المناجم في أعماق الأرض، يصبح الخطر جزءًا لا يتجزأ من هذه المهنة الصعبة. وحتى من دون كوارث مثل تلك التي حدثت في منجم إغريم أوسار، فإن الحجارة والغبار والآلات والحرارة وضيق بعض الطرق واحتمال وقوع حوادث مفاجئة، كلها عناصر موجودة في الحياة اليومية للعمال.
وقال عامل المنجم السابق إنه خلال السنوات الـ 15 التي قضاها في أحد المناجم في شرق البلاد، لم يكن يعاني سوى من مشاكل جسدية وصحية بسبب التعرض اليومي للغبار تحت الأرض، والمواد الكيميائية المنبعثة من المعادن الخام، والضوضاء الصادرة عن الآلات التي تسببت مع مرور الوقت في فقدان السمع.
وأضاف العامل أنه نتيجة عمله في المنجم أصيب بمرض الانسداد الرئوي المزمن، الذي يسبب سعالاً شديداً وصعوبة في التنفس، نتيجة استنشاق كميات كبيرة من “غبار السيليكا” والمواد المرتبطة بالمعادن. وتدهورت حالته الصحية فقرر الاعتزال نهائيا.
وأضافت: “حتى يومنا هذا، لا يزال العامل يعاني من الآثار الصحية الناجمة عن العمل الطويل في المناجم وتحت الأرض”، مضيفة أن “راتبه لا يعوض بشكل كافٍ المخاطر التي يتعرض لها، إذ لا يكفي لتغطية تكاليف الاستشفاء والعلاج”.
وتتجلى المخاطر التي يواجهها عمال المناجم بشكل أكبر في حالة “المناجم العشوائية”، حيث يضطر العمال إلى العمل في قطاعات لا ينظمها القانون ويقبلون العمل في ظروف أكثر خطورة، دون تدابير وقائية وفي غياب شروط سلامة العمل المعمول بها.
ليس مجرد عامل
إن وضعية عمال المناجم في المغرب تتجاوز المخاطر المهنية البسيطة إلى القضايا الاجتماعية والإنسانية المعقدة، من الحماية الاجتماعية إلى سبل العيش الكريم. والسؤال هو ماذا يحدث عندما يدفع العمال الذين يستخرجون الثروة الثمن بأجسادهم وصحتهم؟
وقالت الباحثة في علم الاجتماع ابتسام العفير إن عمال المناجم الذين يقضون ساعات وأيام وشهور تحت الأرض يواجهون مجموعة من المشاكل الاجتماعية والتعقيدات النفسية والتحديات الإنسانية فوق الأرض.
وأضاف العفير أن أصعب شعور بالنسبة لعمال المناجم هو أنهم عندما يغادرون منازلهم في الصباح، فإنهم غير متأكدين تماماً مما إذا كانوا سيعودون هم وأطفالهم وزوجاتهم بأمان في المساء. وذلك لأنه يتعرض يومياً لكافة أنواع المخاطر التي تؤثر سلباً على بيئته الاجتماعية والنفسية والأسرية.
وقال الباحثون إن عمال المناجم المغاربة يواجهون قضايا العدالة الاجتماعية، مثل الحق في العلاج الطبي في حالة المرض، والتعويض المالي العادل والمجزي في حالة الإصابة أو التوقف عن العمل، والمعاشات التقاعدية في حالة التقاعد، من أجل ضمان حياة كريمة لهذه الفئة من العمال.
وشدد المتحدث نفسه على أن عمال المناجم ليسوا مجرد عمال يضعون أنفسهم تحت الأرض لاستخراج موارد قيمة مثل الزنك والنحاس والفحم والفضة، كما أنهم ليسوا من المارة على قوائم الحوادث. بل هو رجل يجر خلفه شبكة من الروابط الاجتماعية التي تتعرض للمخاطر والأمراض والإعاقات والشكوك التي ستحدث له في المستقبل.
حقوق منتهية
قال عبد الإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، إن مأساة منجم إجرام أوصر بجبل العوام تمثل انتهاكا صارخا ومستمرا للحق الأسمى في الحياة والسلامة الجسدية، حيث أفسدت معايير العمل الإنسانية هوس تعظيم الأرباح وتقليص تكاليف الإنتاج.
وشدد السيد الخضري على أن الحقوق الأكثر إهمالا لعمال المناجم المغاربة، في هذا السياق الإنساني والاجتماعي، هي الحق في السلامة والصحة المهنية وبيئة عمل آمنة. ويظل هذا الحق معدوماً أو معلقاً بسبب نقص المعدات الوقائية، وضعف التهوية وشبكات الإغاثة في حالات الطوارئ، والتعامل العشوائي مع المتفجرات ومخلفاتها، في ظل الانفلات المؤسسي لـ”لجان صيانة السلامة والصحة” القانونية والمحددة دولياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة الموضوعة في (حقل العقد ذات الصلة).
وبحسب الخضري فإن الحق الثاني الذي يسقط هو الحق في الحماية القانونية والتعويض الكامل. وذلك لأن عدم التعامل مع هذه المآسي على أنها “حوادث عمل” هو تعويضي بحت، ويتيح الحصانة من الملاحقة الجنائية بتهم الإهمال والقتل الخطأ، مما يحرم العمال وأسرهم من الحق في المساءلة القضائية والعدالة الكاملة.
أما الحق الثالث، بحسب الناشط نفسه، فهو الحق في ظروف عمل عادلة ومكافحة نقاط الضعف التشغيلية. ويرجع ذلك إلى زيادة أعمال المناولة والوساطة، وانخفاض الأجور مقارنة بالمخاطر المهنية التي تهدد الحياة، ونقص الرعاية الطبية المتخصصة في الموقع، مثل الأطباء الموجودين في الموقع والعيادات الميدانية المؤهلة لعلاج أمراض الرئة والإصابات الخطيرة.
الحق الرابع الذي يجب استيعابه هو الحق في التمثيل النقابي الفعال والحوار الاجتماعي، والحق في التنصل من دفاتر الحملات الانتخابية والمحاضر المتفق عليها، والحق في مواجهة الاحتجاجات المشروعة والاعتصامات الداخلية بسياسة عدم الاستماع بدلاً من التفاوض المسؤول.
وربط السيد الخضري قائمة حقوق عمال المناجم المهملة بالحق في الحماية التنظيمية من الدولة وفسر ذلك بعدم كفاية آليات المراقبة المنتظمة وضعف مؤسسات تفتيش العمل والمصالح المعدنية في مراقبة حفر الآبار والتنفيذ الصارم لمتطلبات قانون العمل والأنظمة الأساسية لعمال المناجم.
خلاصة القول هي أن مشاكل عمال المناجم المغاربة لا تقتصر على عدد الحوادث والوفيات المسجلة كل عام، بل تمتد طوال حياتهم، بدءا من ظروف العمل، مرورا بالصحة والإصابات والدخل والحماية الاجتماعية، وانتهاء بما يتركه عمال المناجم على أجساد العمال وعائلاتهم لفترة طويلة بعد أن يعلقوا خوذاتهم ويغادروا إلى الأبد.
#عمال #المناجم #المغاربة #يعيشون #تحت #الأرض #بين #الثروة #والموت









