الرباط- وفي الأيام القليلة الماضية، اندلعت احتجاجات في عدة مدن مغربية تندد بتدهور الأوضاع في المستشفيات العامة ونقص الخدمات الصحية الأساسية، في حين تزايد الإحباط العام بسبب فترات الانتظار الطويلة للمواعيد الطبية، ونقص الأدوية والمعدات الطبية، وضعف البنية التحتية الصحية.
ويأتي هذا الحراك الشعبي وسط جدل وطني محتدم حول واقع نظام الرعاية الصحية لدينا وضرورة تسريع الإصلاح بما يضمن حق العلاج والرعاية لجميع المواطنين.
احتجاج المحمول
وانطلق الحراك من مدينة أغادير، حيث نظم المواطنون وقفة احتجاجية أمام مستشفى الحسن الثاني الحكومي، دعا إليها نشطاء المجتمع المدني والنقابيون، للتعبير عن استيائهم من تردي الخدمات الصحية، وتعطل المعدات الحيوية، ونقص الكوادر الطبية.
وندد المتظاهرون بما وصفوه بـ”استهتار بالحياة”، خاصة بعد وفاة ست نساء حوامل خضعن لعمليات قيصرية في المستشفى.
وفي منتصف الشهر، زار وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين الطهراوي المستشفى وأعلن عن سلسلة قرارات، بينها إقالة عدد من مسؤولي الصحة المحليين وتعليق العقود مع شركات النظافة والأمن. واعترف في تصريحات صحافية بوجود «فوارق» (عجز) داخل المستشفيات، قائلاً: «نحن على علم بها ولا نستطيع إنكارها». ثم زار مستشفيات حكومية أخرى بمدن الناظور ودريوش ومكناس.
وشهدت مدن تاونيت والصويرة ومكناس، نهاية الأسبوع الماضي، احتجاجات، وامتد عدوى الاحتجاجات إلى مدن أخرى، حيث اتخذت السلطات المحلية في مدن أخرى مثل بني ملال وسطات وتزنيت وطاطا قرارات بمنع تنظيم كافة أشكال الاحتجاج التي دعت إليها “جهات مجهولة” على مواقع التواصل الاجتماعي أمام المستشفى.
تكليف
يواجه النظام الصحي في المغرب تحديات كبيرة نتيجة ضعف البنية التحتية، ونقص الموارد البشرية، خاصة الأطباء، وضعف الإمدادات والمعدات، وعدم توفر الظروف المناسبة للاستشفاء. ونتيجة لذلك، يلجأ بعض المرضى إلى القطاع الخاص، أو يقترضون المال، أو يطلبون المساعدة من أهل الخير والمنظمات الاجتماعية لتلقي العلاج.
وتراهن الحكومة على برامج الإصلاح مثل التأمين الصحي الشامل والتأمين الإلزامي ضد المرض، فضلا عن مشاريع إعادة بناء المستشفيات وتنشيط الطواقم الطبية.
وقال رئيس الوزراء عزيز أخنوش، السبت الماضي، إن الحكومة قامت بعمل رائع في قطاع الصحة، بما في ذلك إعداد القوانين والميزانيات لهذا القطاع، مشيراً إلى أن العديد من المستشفيات الجامعية تم افتتاحها هذا العام ومن المقرر افتتاح أخرى العام المقبل.
ودعا وزير الصحة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق من لا يقومون بواجباتهم المهنية في المستشفيات العامة.
ويتوفر المغرب على ستة مستشفيات جامعية في مدن الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش ووجدة وطنجة، يليها المستشفى الجامعي بأكادير، وهو جاهز لكنه لم يفتتح بعد. ومن ناحية أخرى، يجري العمل على إنشاء مستشفيات جامعية جديدة بمدن العيون والرشيدية وبنيملار وجلميم.
أطلقت الحكومة برنامجًا لإعادة بناء 83 مستشفى بسعة إجمالية تبلغ 8700 سرير. وتم الانتهاء من برنامج إعادة بناء 1400 مركز صحي في جميع أنحاء البلاد، حيث تم إعادة بناء حوالي 950 مركزًا صحيًا، ومن المتوقع الانتهاء من المشاريع المتبقية بنهاية عام 2025.

معاناة متراكمة
وتركزت التجمعات في المدن الصغيرة والمدن البعيدة عن العاصمة، مما يعكس التفاوت الكبير بين المدن الكبيرة ذات المرافق المتقدمة نسبيا والمناطق البعيدة عن المركز التي تعاني من نقص حاد في البنية التحتية الطبية.
وقال علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للحق في الصحة والحق في الحياة، إن الاحتجاجات الحالية ضد الوضع الراهن للمستشفيات العمومية تمثل حقوقا مشروعة ناشئة عن معاناة حقيقية ومتراكمة، مؤكدا أنها “مستقلة عن المصالح والأهداف السياسية، كما يروج البعض”.
وأوضح للجزيرة نت أن هذه الاحتجاجات جاءت نتيجة “اختلالات بنيوية واضحة وضعف كبير في جودة الخدمات الصحية، إضافة إلى المعاناة اليومية للسكان في الحصول على العلاج وتوفير الأدوية اللازمة”.
وشدد المتحدث على أن الجمهور يواجه أزمات متعددة، بما في ذلك فترات الانتظار الطويلة التي قد تستغرق أشهراً لتحديد موعد مع أخصائي أو الاستفادة من تشخيص دقيق باستخدام معدات متقدمة مثل أجهزة التصوير المختلفة والتحاليل البيولوجية. كما أن نقص الأدوية الأساسية يعرض صحة وحياة السكان لخطر حقيقي.
وأضاف لطفي أن تمويل قطاع الصحة لا يزال أقل من المعدلات العالمية والمستشفيات تعاني من عجز مالي وبشري كبير، حيث لا تتجاوز الميزانية المخصصة للصحة 6% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمعدل العالمي البالغ نحو 8.2%.
وارتفعت الميزانية المخصصة لوزارة الصحة من 19.7 مليار درهم (نحو 2.18 مليار دولار) عام 2021 إلى 32.6 مليار درهم (نحو 3.61 مليار دولار) عام 2025.

في حين قال الدكتور الطيب حمدي، الباحث في السياسات والنظم العمومية، إن الصحة من أكبر المعضلات التي يواجهها المغاربة، مشيرا إلى أن المغاربة يدفعون حوالي 60% من تكاليف العلاج من جيوبهم، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا على قدرتهم الشرائية ويدفع الكثيرين إلى الاستغناء عن العلاج.
وأضاف في حديث للجزيرة نت “حتى المؤمن عليهم في نظام الضمان الاجتماعي يدفعون أكثر من نصف تكاليف علاجهم من جيوبهم، رغم أنهم يدفعون أقساط التأمين. وهذا ما يثير قلق الأسر المغربية ويزيد من فقدان الثقة في نظام الرعاية الصحية الحكومي”.
وأوضح المتحدث أن الطبقة الوسطى بدأت تعود تدريجياً إلى القطاع العام بسبب ضعف القوة الشرائية وضغوط التضخم، وأن الإصلاح مطلوب من منظور وجوب ضمان حق المواطنين في الاختيار بين القطاعين العام والخاص.
وأشار هادي إلى أنه على الرغم من الاستثمارات الكبيرة، إلا أن المستشفيات الحكومية تعاني من أوضاع غير مرضية، وهو ما يدل على ذلك مؤشران.
- أقل من 10% فقط من تكاليف الرعاية الصحية تذهب إلى المستشفيات الحكومية. وهذا يعني أن المغاربة لا يذهبون إلى المستشفيات لتلقي العلاج لأنهم غير راضين عن الخدمة.
- ثلثا المستفيدين من برامج التأمين الصحي الإلزامي الأساسي للأمراض المرتبطة بالأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف التغطية والذين تدفع لهم الدولة تكاليف التغطية، يسعون للعلاج في القطاع الخاص بدلاً من الحكومة.
ومن معضلات قطاع الصحة المغربي، الموارد البشرية، حيث يشغل وزارة الصحة ما يقارب 73 ألف موظف، منهم 15600 طبيب، و41600 ممرض وتقني صحي، و16500 موظف إداري وفني.
يحتاج المغرب إلى 34 ألف طبيب إضافي لتلبية الحد الأدنى من معايير منظمة الصحة العالمية.
وقال علي لطفي إن توزيع هذه الموارد البشرية متفاوت إلى حد كبير من الناحية الجغرافية، إذ يتركز العاملون في مجال الصحة في المدن الكبيرة، في حين أنهم نادرون في المناطق النائية والريفية.
من جانبه أكد الطيب هودي أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالتمويل والموارد البشرية، بل أيضا بضعف الحوكمة وانعدام ثقة الجمهور.
وقال: “نحن بحاجة إلى أجور وظروف عمل جذابة للأطباء، وحوكمة فعالة تقلل من أوقات التعيين، ومدخلات ملموسة في الميزانية تجعل الناس يشعرون أن الإصلاحات تعود بالنفع عليهم”.

الضغط الإيجابي
ومع استمرار الجدل والدعوات للاحتجاجات على الخدمات الصحية الحكومية، تظل الأسئلة قائمة. فهل ستجبر هذه الضغوط العامة الحكومات على تسريع وتيرة الإصلاح الصحي، أم أن المطالب ستظل معلقة في انتظار قرارات أكثر جرأة؟
وفي هذا الصدد، يرى علي لطفي أن هذه الاحتجاجات تمثل ضغطًا إيجابيًا على الحكومات لتسريع وتيرة الإصلاح الصحي وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية وزيادة الموارد البشرية وإعادة معايرة الأولويات الاجتماعية، مع التركيز على الصحة والتعليم باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة.
في غضون ذلك، اعتبر الطيب الهودي الاحتجاجات رسالة قوية لتسريع وتيرة الإصلاح، موضحا أن الصحة في المغرب لا تعتبر حقا دستوريا فحسب، بل شرط أساسي لتحول البلاد إلى دولة ناشئة.
#هل #ستؤدي #احتجاجات #المغرب #إلى #إصلاح #جذري #في #قطاع #الصحة








