تكشف أزمة الصحة العقلية المتفاقمة في المغرب جانبا مظلما، إذ تظل المخدرات حاضرة بقوة في المجتمع بالمغرب، أحد أكبر منتجي الحشيش في العالم وأكبر مورد لراتنج الحشيش إلى أوروبا. ورغم أن المغرب يحتفظ بمكانة رائدة في سوق القنب، فقد كشفت الأبحاث الأخيرة أن استخدام القنب يرتبط بارتفاع خطر الانتحار بين الشباب، حيث يعاني حوالي 6.5 مليون مغربي من اضطراب عقلي و85٪ منهم لا يتلقون الرعاية التي يحتاجون إليها.
وهذه ليست مجرد أرقام مؤقتة، بل مؤشرات لأزمة صحية واجتماعية خطيرة تكشف حجم العيوب في نظام من المفترض أن تكون مهمته الأساسية حماية الإنسان. واعترفت وزارة الصحة المغربية في بيان نقلته وسائل الإعلام المحلية، بأن حوالي 6.5 مليون شخص يعانون من اضطرابات نفسية، وأن 85% منهم لا يتلقون الرعاية التي يحتاجونها.
وهكذا، تظهر فجوة كبيرة بين حجم الحاجات النفسية للمغاربة وقدرة النظام الصحي على الاستجابة لها، مما يضع سياسات السلطات المغربية تحت اختبار لا مفر منه.
بلد يتصدر سوق القنب… وشبابه يدفعون الثمن.
ويصبح الوضع أكثر خطورة عندما يتم وضع حقائق أزمة الصحة العقلية ووباء المخدرات جنباً إلى جنب. ويظل المغرب المصدر الرئيسي لراتنج القنب في أوروبا، وفقا لبيانات الوكالة الأوروبية للمخدرات، في حين تقول مصادر بحثية إن البلاد هي واحدة من أكبر منتجي القنب في العالم.
ولا يمكن علاج المخدرات بشكل منفصل تماما عن الصحة العقلية، وخاصة عندما بدأت الأبحاث تكشف عن أوجه تشابه واضحة بين تعاطي القنب ومؤشرات المخاطر النفسية لدى الشباب.
ووجدت دراسة أجريت على 1191 طالبا بجامعة شمال المغرب، ونشرتها مجلة Discover Public Health البريطانية، أن 322 طالبا، أو 27 بالمئة من العينة، كانوا في فئة خطر الانتحار.
وكان تعاطي القنب أحد العوامل المرتبطة بهذا الخطر، إلى جانب التاريخ العائلي للاضطرابات النفسية، والتعرض للعنف الجسدي، وعوامل أخرى.
والأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الدراسة تظهر وجودا ملحوظا لمتعاطي الحشيش بين الطلاب المصنفين على أنهم معرضون للخطر، وتكشف أن المخدرات لا تقتصر على ظاهرة اجتماعية منفصلة عن أزمات الصحة العقلية، بل تتقاطع معها بين الفئات الشابة التي تعيش بالفعل تحت ضغوط متعددة.
وهنا نرى واحدة من أقسى مفارقات المغرب. وبينما تحافظ البلاد على مكانتها البارزة في إنتاج وتصدير الحشيش، يواجه الملايين من مواطنيها اضطرابات عقلية، وأغلبهم لا يتلقون الرعاية التي يحتاجون إليها.
المراهقون معرضون للخطر أيضًا
وتمتد المؤشرات المثيرة للقلق إلى ما هو أبعد من طلاب الجامعات إلى الطلاب والمراهقين. في دراسة أجريت عام 2025 على طلاب المدارس المتوسطة والثانوية المغربية ونشرت في المجلة السويسرية للرعاية الصحية، أبلغ 16.66 في المائة من المشاركين عن أفكار انتحارية وأبلغ 25 في المائة عن الاستخدام الحالي للمواد ذات التأثير النفساني، بما في ذلك المواد المهلوسة.
المشكلة ليست فقط في وجود المخدرات أو وجود اضطرابات نفسية. بل إن الجمع بين الاثنين في بيئة اجتماعية واقتصادية وتعليمية شديدة الهشاشة هو الذي يترك نسبة كبيرة من المتضررين دون رعاية نفسية كافية.
الأطفال خارج المدرسة والضغط يتصاعد
وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، تصبح الصورة أكثر قتامة. وترك أكثر من 276 ألف طالب المدرسة خلال الموسم الدراسي 2024-2025، بينما شارك حوالي 103 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 عاما في سوق العمل، وفقا لأحدث تقرير لمنظمة اليونيسيف. وفي الوقت نفسه، يواجه حوالي 6.9 مليون طفل مخاطر متزايدة تتعلق بالإجهاد المائي وتغير المناخ.
وتؤكد هذه البيانات أن الأزمات النفسية لا تظهر فجأة لحظة تشخيص الاضطراب، ولكنها يمكن أن تبدأ قبل ذلك بكثير، في بيئة تتقاطع فيها تحديات مثل التعليم، والفقر، والتوظيف المبكر، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ومخاطر المناخ.
ثم تأتي المخدرات والأمراض العقلية، مما يزيد من ضعف بعض الفئات الشبابية ويضاعف من تعقيد المشهد.
وهنا تتحمل السلطات المغربية مسؤولية خاصة. ومن سيحمي هؤلاء الأطفال والمراهقين؟ ومن سيضمن الوقاية والتشخيص والعلاج قبل أن تؤدي الضغوط المتراكمة إلى الانهيار النفسي أو الإدمان أو السلوك الانتحاري؟
وهي أسئلة لا يمكن دفنها تحت التصريحات الرسمية والخطابات الدعائية. وذلك لأن الأرقام نفسها تجبرنا على إعادة النظر فيها.
ليس فقط مشروع قانون إنساني، بل مشروع قانون اقتصادي أيضًا.
ويدفع المجتمع ثمن هذه الأزمة، ليس فقط على الصعيد الصحي والنفسي، بل على الصعيد الاقتصادي أيضا. ووفقاً لتحليل اقتصادي يستند إلى بحث دولي نُشر في مجلة Nature Medicine البريطانية، فإن الكساد سيكلف المغرب نحو 21.23 مليار دولار بين عامي 2025 و2050 نتيجة لانخفاض الإنتاجية وانخفاض المشاركة في سوق العمل، مع احتمال أن تتجاوز الخسائر السنوية 800 مليون دولار في غضون سنوات قليلة.
وهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد ملف صحي يمكن للسلطات التعامل معه كمسألة ثانوية. إنها أزمة تؤثر في الوقت نفسه على الناس والأسر والمدارس وسوق العمل والاقتصاد.
لكن الأسئلة الأكثر إلحاحا تظل قائمة. كيف يمكن للأنظمة الصحية أن تتعامل مع أزمة بهذا الحجم عندما لا يحصل 85% من الأشخاص المصابين بأمراض عقلية على الرعاية التي يحتاجون إليها؟
أرقام ثقيلة.. ومسؤوليات أثقل
وعندما تجمع كل هذه البيانات في صورة واحدة، يصبح حجم الأزمة أكثر وضوحا. يعاني 6.5 مليون شخص من اضطراب نفسي، و85% منهم لا يتلقون الرعاية التي يحتاجونها. وكان سبعة وعشرون بالمائة من عينة الكلية معرضين لخطر الانتحار. أفاد خمسة وعشرون بالمائة من عينة المدارس أنهم يتعاطون المواد ذات التأثير النفساني. وفي الوقت نفسه، يظل المغرب أحد أبرز مصادر القنب في العالم ومصدرًا رئيسيًا لراتنج القنب.
هذه ليست مجرد أرقام متغيرة. وهو يرسم صورة لمجتمع تتقاطع فيه المخدرات والضعف النفسي، وحيث تظل الفوارق في العلاج كبيرة بشكل مثير للقلق، وحيث تتزايد الضغوط على الشباب.
والأخطر من ذلك أن المسؤولية لا تقتصر على معالجة العواقب فحسب، بل تتعلق بمنع الظروف الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية من أن تصبح عوامل تدفع المزيد من الشباب إلى المخدرات والانهيار العقلي.
أصبحت أزمة الصحة العقلية في المغرب خطيرة للغاية بحيث لا يمكن حلها بمجرد نقص الأسرة أو الأطباء. إنها مرآة للسياسة العامة تتمثل مهمتها في حماية الأشخاص الضعفاء قبل أن ينهاروا.
فعندما يواجه الملايين من المغاربة اضطرابات نفسية دون رعاية مناسبة، وتصبح المخدرات والمؤثرات العقلية من بين عوامل الخطر التي تهدد الشباب، ويتسرب مئات الآلاف من الأطفال من المدارس، ويدخل عشرات الآلاف إلى سوق العمل، فإن السرد القائل بأن الأزمة قد انتهت لم يعد مقنعا.
والمشكلة ليست في الأرقام فحسب، بل في النظام الذي تتراكم فيه هذه الأرقام..
وفي النهاية، الشباب والأطفال هم من يدفعون الثمن. فشل مشروع قانون الضعف العقلي، ومشروع قانون المخدرات، ومشروع قانون الوقاية والفشل في العلاج، ومشروع قانون سياسة التخزين في معالجة جذور الأزمة قبل أن تتفاقم إلى تكاليف بشرية واجتماعية واقتصادية أكبر.
#من #الحشيش #إلى #الانتحار. #الصحة #النفسية #تنهار #في #المغرب #AL24 #News








