في إطار فعاليات موسم أصيلة الثقافي الـ47، احتضن مركز منتدى الحسن الثاني الدولي، أول من أمس، الاثنين 5 أكتوبر 2022، ندوة حول “توني ماريني وعالم الفن المغربي”. واستذكرت الندوة تجارب توني ماريني، الناقد الفني والمترجم الإيطالي الذي شكل أحد الجسور الثقافية بين إيطاليا والمغرب منذ أوائل الستينيات.
تتم عملية الترميم هذه بهدف تكريم اسم سام. وهو ما جاء في مداخلة منسق الندوة الناقد والأستاذ كر الدين مجدولين، الذي ساهم في إبراز جيل كامل من المبدعين الذين “كانوا يطورون هوية تشكيلية مغربية فريدة بعد الاستقلال” ويعتبر اسم صعام “جزءا ناضجا وجوهريا من الاسم الذي سيعرف”. وترى مجدلين أن هذه المساهمة لم تنبع من وجهة نظر متعجرفة لتمجيد الوسطية الغربية مقابل التقليل من “فنون الجنوب”، بل باعتبارها “جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة حيث تلتقي الرموز والتشكيلات البصرية وتؤسس خيارات جمالية تتجاوز الحدود الوطنية”. وأشار إلى أنها جعلتها “ليست مجرد ممثلة في مرحلة ضيقة، بل فردة تنتمي إلى جغرافيا خارج الجغرافيا، وعقيدة خارجة عن عقيدةها، ولغة ليست خاصة بها، ولغة ليست خاصة بها”. “
البطاوي: نموذج حي في فضح النقد
واعتبر حاتم البطيوي، رئيس مؤسسة منتدى أصيلة، أن تكريم الناقد والشاعر طوني ماريني هو احتفاء بـ”موهبة نقدية وفنية استثنائية ساهمت في إثراء ضميرنا الفني منذ الستينات، لأن المشهد الفني المغربي واكبته طاقة حوار حيوي وشفاف، بعيدا عن أي هيمنة أو حمائية جمالية”.
وأضاف البطيوي: “إن كتابات ماريني وممارساته النقدية كانت نموذجاً حياً لكشف النقد”. كما شكلت صوتًا داعمًا للفنانين الناشئين، بالإضافة إلى استمرارها في دعم حضور المرأة في مجال الفنون التشكيلية. وساعدها في ذلك علاقاتها مع النقاد والفنانين والمثقفين، فضلا عن انفتاحها على تجارب فنية متنوعة، بما في ذلك تجربة منتدى أصيلة. وفي ملتقى أصيلة رافقت ورش الأطفال لتصبح جزءا لا يتجزأ من ذاكرة المدينة، مستذكرة تجربتها في ورشة رسم في التاسعة من عمرها، والتي لم تكن مجرد ورشة. ورغم أنه شكل فني عابر، إلا أنه يعتبر مختبرا لاكتشاف الأسماء التي ستثري المشهد الفني المغربي في المستقبل.
واختتم السيد البطوي حديثه بالقول إن تكريم توني ماريني “هو احتفال بإرث إنساني وفكري يجمع بين الرؤية النقدية الحية والجهود الإنسانية، ويجسد مفهوم التثاقف وروح الحوار الثقافي بين الكوريتين”.
الأشعري.. السيرة الثقافية للذاكرة الجماعية
وقدم محمد العشاري، الشاعر والروائي والوزير السابق، مداخلة إعلامية عن أعمال الناقدة طوني ماريني، مسلطا الضوء على دورها المحوري في تكوين الوعي النقدي بالمغرب. اتخذ العشاري من هذه الأعمال منطلقا لقراءات تاريخية وفلسفية تتجاوز السجلات لاستكشاف “روح المرحلة” وتحدياتها.
ويرى أصحاب “أقواس وفراشات” أن دول المغرب الثقافي تدين بالكثير لهذه المكانة الثقافية، التي بفضلها انتقلت السجالات المحتدمة والمتوترة حول وضعية الفن المغربي في الستينيات إلى مرحلة بناء الرؤية و”رسم خريطة للمشكلات الثقافية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي”. وأكد العشاري أنه لكي نفهم ما قدمه ماريني علينا العودة إلى أجواء الستينيات. كانت هذه حقبة شكلت ثورة حقيقية في الوعي الوطني، ترجمتها نقاشات بين فنانين مؤسسين مثل محمد شبعة ومحمد المريش ومحمد عطا الله، وكان لقاءه مع ماريني بعد وصوله الأول إلى المغرب في طنجة عام 1963، فرصة لتكوين أواصر صداقة تحولت إلى تبادلات بناءة ومثمرة. كما كانت لها تجارب تعاونية مع العديد من الفنانين التشكيليين والمثقفين، مثل «التنفس» والتجارب التكاملية.
وظلت قراءة الأشعري لكتابات ماريني أهم سمات النقد الفني في ذلك الوقت. كان جيل جديد يتساءل عن البيروقراطية والإقليمية المفرطة والاستعمار الجديد، وكان هذا الجيل هو الذي أدرك الدور التاريخي الممنوح للنقد الفني لزعزعة استقرار الهياكل الجامدة، وتجاوز النقد الفني في الصحافة، الذي انتقده توني ماريني بشدة، لتطوير الهياكل الثقافية، والسيطرة على الأنشطة الثقافية تحت سيطرة البعثات الأجنبية.
وبحسب العشاري، فإن مساهمة ماريني ومقاربته في نضج وتحول القضايا الفنية والتشكيلية في المغرب لم تكن من منظور المقارنة مع الجماليات الغربية، بل من خلال النظر إلى هذا المشهد، الذي اتسم آنذاك بحدوده ونوع من “قلق الهوية”، كوسيلة لاستحضار مفهوم “الضيافة” عند الخطيبي والاستماع إلى تجارب الآخرين بتعاطف كبير وتضامن ورغبة في التعلم. وآمن ماريني بفكرة “البناء المشترك”، أي استيعاب اختلافات بعضنا البعض والإبداع من الداخل بدلا من إقصاء الآخر، وتوصل إلى “احتضان المغرب واقعا وخيالا بشغف ثاقب”.
ويعتبر العشاري ما كتبه ماريني في مقدمة كتابه «كتابات في الفن» «قريبًا من السيرة الثقافية» التي تمزج بين مسارات الذاكرة الذاتية والمتعددة، مؤكدا أن الكتاب هو الذي «يلتقط اللحظات الحاسمة، ويبني المعنى، ويصور الشخصيات في انتقالها من الخصائص الحية إلى الذاكرة الخصبة». واليوم، وفي غياب التاريخ الشخصي، يتم ابتلاع تلك الذاكرة من قبل “إرادة النسيان”، الأمر الذي يسلط الضوء بشدة على مشاكل الستينيات. وما يُستذكر اليوم هو العلاقة بين الذاكرة الفنية والحداثة والمعرفة الفنية في العالم الذي تطورت فيه ساحة الفنون التشكيلية المغربية بحثا وممارسة وبناء ماديا، كما يقول مؤلف كتاب «على الخشب والطين»: الأوهام وانعدام الأمن وتلك الروح التي آمنت بأنها قادرة على تغيير العالم. “
أفايا: وثيقة التاريخ الحي
في مداخلة بعنوان “كتابات توني ماريني: التأثيرات الفكرية والجمالية الحالية”، اختار الباحث والمفكر محمد نور الدين عافية أربعة مداخل اعتبرها مناسبة لتقديم النصوص الكثيفة الواردة في كتاب توني ماريني “كتابات في الفن”. ويتم التعبير عنها في سياق تجربتها في المغرب، ووضع “أسئلة حول الإبداع ومسألة بناء فهم متحرر من الاستعمار للفن والتراث في المغرب”. التفاعل مع الأسئلة التي يطرحها التفكير على الفن المعاصر والاعتبارات الجمالية التي يتبناها توني ماريني. ثالثا، ما أسماه “انتقال العلامات التجارية” وديناميكية التثاقف، ورابعها، نتاج تكوين المغرب، مضيفا أن قراء الكتاب، كما هو مبين في نص عملها، “أمام مسار شخصي وفكري يبدأ بالصداقة، ثم ينتقل إلى المشاركة، ثم إلى البحث، ثم إلى إنتاج الأفكار”. مليئة بالوعي المضطرب لكونه أجنبيًا وغربيًا، تواجه كتاباته ازدواجية الذات والآخر ووجود مساحة بينهما، وهي جدلية صعبة تتمثل في رؤية خارجية ورغبة في تكامل داخلي جديد، والذي نجح في التغلب عليه من خلال ما يسمى بـ “ضبط النفس النقدي”.
وقالت عافية إن ماريني يأتي من سنوات من الخبرة الثقافية، سواء في الممارسة أو التنظيم، وبدأ الكتابة عن الفن المغربي. وتستمر الأسئلة/الهواجس التي تدفعها إلى اليوم، من “خلفية ثقافية وفكرية تفتقر إلى رؤية جامعة في تنوعها واتساعها، وإلى المقومات اللازمة للنظرة الحديثة للظواهر الإبداعية”. هل يقال لك أن تتجه نحو الرؤية؟ “ولماذا؟ كيف يمكن أن ينتظم ما يُستخرج من اللامرئي ضمن منظومة المادة المرئية، خارج البعد اللغوي؟ “.
واختتم السيد عافية مداخلته بالقول إن عمل السيد ماريني هو “شهادة حية لواقع وآمال وانتكاسات وإنجازات معهد البصريات منذ منتصف الستينيات وحتى أواخر الثمانينات، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى وثيقة تاريخية تكون بمثابة مرجع ملهم مهم”.
كلوديا إسبوزيتو: مؤلفة…
وفي محاضرتها عن توني ماريني، أوضحت الناقدة والأستاذة بجامعة ماساتشوستس كلوديا إسبوزيتو أنها لم تسعى أبدًا إلى المجد الشخصي، بل سعت بدلاً من ذلك إلى جعل الفن أداة لبناء ثقافة مشتركة وبناء المستقبل. وفي هذا الصدد، أشارت كلوديا إلى أن هذه المرأة الشهيرة لم يسبق لها أن رأت المغرب من منظور غربي بحت. لقد كتبت مع الفنانين، وليس عنهم. كان هذا بمثابة تغيير محوري في حياتها المهنية النقدية. ظلت منفتحة على العالم المغاربي متعدد الأبعاد، حيث طورت العديد من المقاربات وحولت علاقاتها مع الآخرين إلى بعد إيجابي. ومن خلال هذا البعد، آمنت بأهمية نقل المعرفة ومشاركتها للجيل القادم حتى “لا يصبح الماضي سجنا كبيرا”.
وأضافت كلوديا أن انفتاح ماريني على كافة أشكال التعبير الثقافي المغربي دفعها إلى الابتعاد عن الفولكلور الجامد والانتقال إلى الثقافة الأمازيغية في تعبيراتها الرمزية، وقراءة وتحليل هذه التعبيرات لإلقاء الضوء على المستقبل والعمل على إزالة ما تم تجاهله داخلها.
عبد الرحيم كمال: النص الصامت
عبد الرحيم كمال، الروائي والأستاذ الباحث بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، قرأ كتاب تاريخ الفن، ويقول إن تفرد تجربة ماريني يكمن في المقام الأول في أنها كانت «مجرد ناقدة». «النصوص الصامتة» والقراءة الكتانية. مفهوم الآخر المختلف من خلال استيعاب ثقافته، ورؤيتها المختلفة للتعامل مع الفن، وهي رؤية تتلاقح فيها الأفكار من خلال المنظومة. ويتميز بالتماسك والتنسيق بين مجالات المعرفة المختلفة، من الأدب والعلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا إلى علم النفس والتراث.
وبحسب محاوريها، فإن كل هذه المعرفة تنقلها ماريني في جميع كتاباتها بطريقتها الخاصة، التي تعطي أقصى مساحة للجوانب الإنسانية والرمزية المشتركة، وهو الجانب الذي تحضر فيه بقوة مفاهيم الذاكرة والخيال واللغة، والتي تحولها مع جماليات الفن إلى واقع من أجل إعادة الاكتشاف والقراءة والاندماج من جديد.
الرشيدي: حداثة بلا فصائل
وفي محاضرته عن تاريخ الفن التشكيلي في المغرب، ذكر الناقد الفني ومنظم المعارض محمد رشيدي أسماء مؤسسي الفن التشكيلي، وكذلك النقاد والوسطاء الذين ساهموا في تعزيز التفاهم والمشاركة، ومن بينهم توني ما. وبرز اسم ريني من خلال نشاطها العملي بالدار البيضاء من خلال مدرسة الفنون التي أثرت في أسماء كل الفنون التي تعلمتها، أو من خلال مشاركتها في توليد فكر مشترك شكل العلامات الأساسية للمغرب. تنص حقبة ما بعد الاستعمار على: كيف يمكن تصور الحداثة دون القطيعة مع تاريخ الفن المغربي والتراث الفني؟
وفي إطار التفاعل الإبداعي بين التقليد والحداثة، عمل ماريني على التعبيرات المرئية وغير المرئية وساهم في تغيير منظور المجال الثقافي والفني بالمغرب. لقد جعلها ذلك متحمسة للبحث عن حداثة فنية تعتمد على بناء المراجع المحلية مع الانفتاح على الخبرة والمعرفة العالمية. ولهذا السبب، يعتقد المتدخلون أن “أعمالها اليوم هي وثيقة قيمة لفهم الأزمة التي شهدها المشهد الفني في المغرب من الستينيات إلى الثمانينيات”. بالنسبة لها، شكل النقد شكلاً من أشكال الذاكرة التي لا ينبغي النظر إليها بشكل ضيق فيما يتعلق بقراءة العمل، بل كاستكشاف وبناء مشترك لرؤى ومعارف مختلفة.
#طوني #ماريني.. #ذكريات #الوشم #المغربي









