الرباط- وكان مركز الزلزال المغربي في الحوز، لكن تأثيره السياسي وصل أيضا إلى فرنسا. ومباشرة بعد إعلان الرباط أنها ستقبل عروض المساعدة من أربع دول فقط: إسبانيا والمملكة المتحدة وقطر والإمارات العربية المتحدة، أطلقت وسائل الإعلام الفرنسية وأجزاء من الطبقة السياسية حملة ضد المملكة العربية السعودية لرفضها تقديم المساعدة لباريس.
وحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء الجدل من خلال وصف تنظيم المساعدات الدولية بأنه قضية سيادية، لكن اختياره إرسال رسالة مصورة للمغاربة تخالف البنود التالية وسّعت الخلاف وأثارت جدلا جديدا: للحكمةكما أوضح المحللون السياسيون المغاربة، في الأعراف الدبلوماسية.
ولم يكد يهدأ الجدل حتى أعلنت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا في تصريح متلفز أن ماكرون سيزور المغرب بدعوة من الملك محمد السادس، وهو ما سارعت الرباط إلى نفيه عبر وكالة المغرب العربي للأنباء نقلا عن مصادر تزعم أنها مصادر حكومية رسمية.
وفي هذا الصدد، اعتبر مسؤولون حكوميون تصرفات فرنسا غير مقبولة، مشيرين إلى أن الإعلان من جانب واحد عن زيارة رسمية دون التشاور مع المغرب يعد مخالفا للأعراف الدبلوماسية.
وقال المصدر للجزيرة نت إن زيارة رئيس دولة إلى دولة أخرى تتطلب تنظيم مجلس قبلي أو اتفاق، يتم الإعلان عنه بعد ذلك بشكل رسمي، ولن يكون إجراء مثل ما فعلته فرنسا.
وشدد على أن الخبر الذي نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء يعكس الموقف الرسمي للمملكة المغربية بأن زيارة الرئيس الفرنسي “ليست على جدول الأعمال أو في الخطط”، ونقل مفاجأة مصادر حكومية رسمية بأن وزير الخارجية الفرنسي “اتخذ هذه المبادرة الأحادية فيما يتعلق بحقوق ثنائية مهمة ومنح نفسه حرية الإعلان عنها دون التشاور”.
الاستفادة من الأزمة
وفي هذا السياق يرى أستاذ العلوم السياسية: محمد العمراني بوكبازة ولطالما تم الإعلان عن أزمة بين البلدين، خاصة بسبب الضغوط الفرنسية على البرلمان الأوروبي لاتخاذ قرارات ضد المصالح المغربية والحملة التي شنتها وسائل إعلام فرنسية ضد الرموز المغربية.
ويرى بوكبازة في حديث للجزيرة نت أن باريس تحاول استغلال الأزمة التي تعيشها الرباط في أعقاب زلزال الحوز للضغط أكثر على الرباط من أجل الربح، لافتا إلى أن هناك انقسامات في الطبقة السياسية الفرنسية، وأن بعض السياسيين لم يشاركوا في الحملة الانتخابية لأنهم يدركون خصوصية وعمق وتعقيد العلاقة بين البلدين.
وقال المتحدث إن الرئيس الفرنسي يعمق الأزمة بين البلدين بكل تصرفاته وتصريحاته بكل الصفات، وهو ما تدل عليه رسالة الرئيس ماكرون المباشرة إلى الشعب المغربي عبر الفيديو، والإعلان الأحادي الجانب بشأن احتمال زيارة الرئيس ماكرون للمغرب، وهو ما يعتبر، في نظر الرئيس، خطأ فادحا وغير مبرر.
ورأى السيد بوكبازة أن الخلاف الفرنسي الداخلي حول المساعدات الخارجية له أهداف وغايات غير ودية وغير شريفة، وأن باريس تبدو وكأنها تحاول جاهدة إظهار أن القضية تبدو وكأنها تتم إدارتها بشكل سيء، مما يؤدي إلى تحول الرأي العام ضد السلطات وإثارة أزمة داخلية.
ويرى محمد بودين، مدير مركز أطلس لتحليل مؤشرات المؤسسات السياسية، أن النهج الذي اتبعته فرنسا في التعامل مع المغرب خلال أزمة الزلزال كان مرتبكا وفوضويا وبعيدا عن الهدوء.
وأضاف بوردن: “باريس كانت تهدف إلى تحقيق نقطة سياسية من خلال أخذ زمام المبادرة في قضية الزلزال، في حين كان للمغرب موقف واضح بشأن إدارة الأزمات”.
وقال محمد بودين إن موقف فرنسا يفتقر إلى الرؤية، وإن قيادتها الحالية وضعت فرنسا في موقف دولة عريقة تفتقر إلى الحس الدبلوماسي السليم والوعي لوضع الأمور في مكانها الصحيح.
وتوترت العلاقات بين الرباط وباريس منذ تولي إيمانويل ماكرون رئاسة البلاد عام 2017، وظهرت حدة التوتر خلال العامين الماضيين من خلال تعليق الزيارات بين المسؤولين من البلدين وتجميد قنوات الاتصال، مما أدى إلى إقالة سفير المغرب بباريس في فبراير من العام الماضي دون تعيين بديل.
اتهم رئيس الوزراء الرباط باريس بالعمل ضد مصالح المغرب وعدم توضيح موقفها بشأن الوحدة الترابية. وتصاعدت التوترات بسبب اتهامات وسائل الإعلام الفرنسية بأن المغرب يتجسس على مسؤولين فرنسيين، فضلا عن القيود التي فرضتها باريس على التأشيرات الصادرة للمواطنين المغاربة.
شفاء الصدع
ويرى محللون سياسيون أن سياسة الرئيس ماكرون تجاه المغرب أحدثت شرخا غير مسبوق في العلاقات بين البلدين، مما يدل على أن الرئيس الفرنسي ومن حوله لا يدركون طبيعة العلاقة وأهميتها لمستقبل فرنسا، خاصة في أفريقيا.
ويرى بوكبازة أنه ما لم تسعى باريس إلى إعادة بناء العلاقات على أساس جديد يأخذ في الاعتبار العديد من التغييرات في المعادلة، فإن العلاقات لن تعود إلى طبيعتها. وعلى حد تعبيره فإن مغرب الأمس ليس اليوم، وفرنسا الأمس ليست اليوم.
وأضاف: “على الفرنسيين أن يدركوا أنهم يتعاملون مع دولة لها وضعها الخاص وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وعليهم أن يتخذوا إجراءات حقيقية وليس مجرد كلام فارغ”.
ودعا باريس إلى الاقتداء بإسبانيا وألمانيا وغيرهما من الدول التي تسعى إلى علاقات جدية مع المغرب على أساس مواقف واضحة سواء فيما يتعلق بالصحراء أو غيرها من القضايا.
وخلص المتحدث إلى أن فرنسا خسرت الكثير بسبب الرئيس ماكرون، وأنه لا يفهم الوضع الحالي للعلاقات الدولية، وارتكب أخطاء فادحة أثرت على تاريخ البلاد ومكانتها. ولهذا السبب، يؤكد على الحاجة إلى تصحيح المسار على المستوى المحلي الفرنسي.

في المقابل، يرى محمد بودين أنه لا يمكن تجاوز الخلاف بين الرباط وباريس إلا بتخلي فرنسا عن مواقفها التي لا تتكيف مع متغيرات العلاقات الدولية والتحولات التي تشهدها القارة الإفريقية.
وأشار إلى أن فرنسا لم تدرك بعد أن المغرب يتمتع بشبكة متنامية من الأصدقاء والشركاء، كما أكد سابقا الملك محمد السادس، لديه رؤية واضحة فيما يتعلق بملف الوحدة الترابية الذي يمثل النظارات التي ترى فرنسا من خلالها العالم وسلامة صداقاته ونوعية شراكاته.
ويرى بوردن أن أي إجراءات أحادية في العلاقات بين المغرب وفرنسا لن تضيف شيئا إلى مسار هذه العلاقات ولن تتمكن من تحسين مناخ البلدين وتطوير مضمونهما. وأوضح أنه لا يمكن رأب الصدع إلا من خلال التعامل مع المغرب بمنطق يقوم على الشفافية والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات، والابتعاد عن منطق الانحياز وتفعيل دور فرنسا كشاهد تاريخي على حقائق المغرب العربي ومنطقة الساحل والصحراء.
#زلزال #المغرب. #هل #يتعمق #الصدع #في #العلاقات #مع #فرنسا









