الرئيسيةفضاء المرأةاقتحام خصوصية المرأة وحماية حياتها الخاصة في الفضاء الرقمي – صوت المغرب

اقتحام خصوصية المرأة وحماية حياتها الخاصة في الفضاء الرقمي – صوت المغرب

عندما تصل أزمة القيم إلى مستوى لا ينجح فيه نظام التنشئة الاجتماعية في معالجة الاختلالات التي قوضت النظام الأخلاقي، والتي تفاقمت بسبب الثورة التكنولوجية، لن يتمكن الإنسان بعد الآن من أن يعيش حياة خاصة طبيعية وممارسة الحريات التي يكفلها القانون الأعلى للبلاد. لأننا، حتى قبل صدور قرار قضائي، نعيش تحت التهديد المستمر بالمحاكمات الاجتماعية واسعة النطاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإصدار الأحكام دون حقوق أو أسس. لدينا ولاية قضائية حصرية على المحاكمات والانتهاكات المادية. مبدأ “افتراض البراءة” الذي يكفله القانون.

عندما تصبح حرية التعبير سلاحا ضد حرية الآخرين وحياتهم الخاصة، دون مراعاة لمبدأ “حيث تبدأ حرية الآخرين تنتهي حريتك”، يصبح استغلال الأعراض وتتبع حياة الناس فرصة لكسب المزيد من “المشاهدات” و”الإعجابات” على المواقع والصفحات، دون أي قيود قانونية أو أخلاقية، ودون أي اعتبار للعواقب النفسية والاجتماعية الوخيمة لهذا الانتهاك الخطير لحقوق الخصوصية على الأفراد وأسرهم والمحيطين بهم.

ولذلك فإن قضية “غيسا” لا تعتبر الأولى ولا الأخيرة، حيث كان الفضاء الرقمي وسيلة سهلة لغزو حياتها الخاصة والخوض في شؤون الرأي العام دون أي سبب مبرر. كانت شابة تم تقديمها “فعليا” للمحاكمة العلنية، وتم مناقشة شرفها وسمعتها بشكل مستفيض، وصدر الحكم وفقا لأهواء المدونين على الموقع وحالتهم الذهنية خلال فترة احتجازها، وكان من المقرر إطلاق سراحها بعد 48 ساعة من وضعها تحت الإجراءات الأمنية النظرية بعد قرار المدعي العام بتوجيه الاتهامات. ونظرا لانعدام وسائل الأدلة، تدخل مجموعة من هؤلاء المدونين “داخل” أنفسهم، ومجموعة أخرى لا تزال متمسكة بجلدها، معتبرة إياها امرأة قبل كل شيء، رغم قرار المحكمة لصالح غيسة، وتبدأ مجموعة جديدة في التعاطف، وكأن القيم والمبادئ التي طالما ميزت المجتمع المغربي تتآكل، ومجتمع يعاني من “انفصام الشخصية” الخطير.

وهو واقع سيكون من الصعب التغلب عليه في ظل غياب إرادة حقيقية على مستوى السلطة التشريعية والقضائية والإعلامية ومؤسسات المجتمع لوقف الاتجاه الخطير للتدهور الأخلاقي والأخلاقي داخل المجتمع الذي تسهله شبكات التواصل الاجتماعي، في ظل انتشار مظاهر انتهاكات الحياة الخاصة للأفراد وأشكال التمييز والعنف ضد المرأة.

وتعتبر الحياة الخاصة للفرد استثناءً من الحق في الحصول على المعلومات، كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء في المادة 12: “لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، أو لتحركات تمس شرفه أو سمعته. ولكل إنسان الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو التحركات”. وهذا ما يؤكده العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمعاهدات الدولية الأخرى، والحياة الخاصة للأفراد هي أحد القيود التي لا يمكن فرضها. وحتى لو كانت حرية التعبير مبررة، فمن الممكن أن تنتهك بموجب القانون الدولي.

وقد سار على هذا النهج المجلس التأسيسي المغربي الذي أعلن في المادة 24 من دستور 2011 أن “لكل فرد الحق في الخصوصية”، وأكد ذلك في المادة 27 التي نصت على أنه “لا يجوز تقييد الحق في الحصول على المعلومات إلا وفقا للقانون، وذلك بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي والحياة الخاصة للأفراد، ومنع انتهاك الحريات والحقوق الأساسية”. المنصوص عليها في الدستور ويحمي مصادر المعلومات والمجالات التي حددها الدستور. وتنص المادة 28 من الدستور على حرية الصحافة: “لكل شخص الحق في التعبير عن الأخبار والأفكار والآراء ونشرها بحرية، دون أي قيود غير تلك التي ينص عليها القانون صراحة”.

وفي هذا السياق، قدم المشرع سلسلة من الضمانات القانونية لحماية الحياة الخاصة للأفراد وبياناتهم الشخصية من أي انتهاك، بما في ذلك القانون رقم 31.13 المتعلق بحق الحصول على المعلومات. وتستبعد المادة 7، القسم 7، في فقرتها الأولى، من الحق في الحصول على المعلومات المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للفرد أو بطبيعة البيانات الشخصية، والمعلومات التي قد يؤدي الكشف عنها إلى الإضرار بالحريات والحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور.

ويتضمن قانون الصحافة والنشر أيضًا سلسلة من الضمانات لحماية الحياة الخاصة للأفراد، حيث نصت المادة 6 من القسم 6 من القانون على حق المؤسسات الإعلامية في الوصول إلى مصادر الأخبار والحصول على المعلومات من مصادر متنوعة. ومع ذلك، باستثناء المعلومات السرية، المقيدة بموجب أحكام الفصل 27، القسم 2 من الدستور، فإن الحق في الحصول على هذه المعلومات يشمل أيضًا الحياة الخاصة للفرد. كما تؤكد المادة 7 (7) على أن “تحترم قرينة البراءة وجميع ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا الصحافة والنشر وفقا لأحكام الدستور والقانون النافذ”.

وبدأت المادة 89 من نفس القانون بالتشديد على حماية الحياة الخاصة للأفراد، معتبرة أن “اختلاق الشبهات أو تعريض الأشخاص لأشخاص يمكن التعرف عليهم من خلال الكشف عن حقائق حميمة أو صور أو مقاطع فيديو أو أي شيء يتعلق بحياتهم الخاصة يعد تدخلاً في الحياة الخاصة، ما لم يكن له صلة وثيقة بالحياة العامة أو يؤثر على إدارة الشأن العام”. ويضيف الفصل أنه سيتم فرض العقوبات إذا صدرت المنشورات بهدف المساس بالحياة الخاصة للناس وتشويه سمعتهم دون موافقة وموافقة مسبقة. التشهير منصوص عليه في المادة 85، الفقرة الأولى، ويعاقب عليه بغرامة تتراوح من 10.000 درهم إلى 100.000 درهم.

وبما أن العنف الرقمي يعتبر شكلاً واسع الانتشار من أشكال العنف، فإن القانون رقم 103.13 بشأن مكافحة العنف ضد المرأة يتضمن سلسلة من الأحكام لتعزيز الحماية القانونية للمرأة في الفضاء الرقمي، بما في ذلك الفصل 447.2: “يتعرض الأشخاص الذين يبثون أو يوزعون مقطوعات موسيقية لعقوبة السجن لمدة تتراوح بين سنة إلى 3 سنوات و2000 إلى 20000 درهم”. كما ينص على غرامة قدرها درهم. الشخص الذي يبث أو يوزع ادعاءات أو حقائق كاذبة دون موافقة الآخرين بقصد الإضرار بحياته الخاصة أو تشويه سمعته. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه المتطلبات القانونية، فإن حماية المرأة داخل الفضاء الرقمي تظل تحديًا كبيرًا بسبب انتشار التشهير والابتزاز واستخدام كافة أشكال العنف باستخدام الوسائل الإلكترونية.

وعلى وجه الخصوص، كشفت نتائج المسح الوطني للهيئة العليا للتخطيط حول انتشار العنف ضد المرأة لعام 2019، أن ما يقارب 14%، أي ما يقارب 1.5 مليون امرأة وفتاة، وقعن ضحايا للعنف الإلكتروني، مما يؤكد مدى انتشار وباء العنف الإلكتروني. وفي هذا الاتجاه، سلط الإعلان العربي لمكافحة جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، الذي انطلق في دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 2022، الضوء على الجوانب الخطيرة للمشاكل المرتبطة بالعنف ضد النساء والفتيات، خاصة مع ظهور أشكال جديدة من العنف الرقمي، مثل انتشار خطاب الكراهية المناهض للمرأة وإساءة استخدام الصور لانتهاك الحياة الخاصة.

ويمكن النظر إلى ذلك على أنه شكل من أشكال العنف الرمزي الذي يكرّس سلطة المجتمع الأبوي، ويعرقل النقاش الحقيقي حول الحريات الفردية وحقوق الإنسان في بلادنا، في ظل المعايير المزدوجة في التعامل مع قضايا المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والحريات، وحرية الرجل المطلقة في التصرف في حياته الخاصة، والمنظور الأبوي الذي يقيد حرية المرأة، ويشوه حياتها الخاصة، ويجعلها مادة للتشهير والمحاكمة العلنية. ولا تزال هذه الثقافة متغلغلة في المجتمع، وتفضحها في كل مرة وسائل التواصل الاجتماعي، مما يؤدي إلى إدامة مظاهر التمييز ضد المرأة سواء في الحياة الواقعية أو على المواقع الإلكترونية، رغم تطور الإطار الدستوري والقانوني بالمغرب في مجال حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.

وهذا يتطلب تعزيز أشكال الحماية للنساء اللاتي ما زلن يعانين من مختلف مظاهر التمييز والعنف داخل الفضاء الرقمي استنادا إلى الضمانات المتوفرة في النظام التشريعي، ويتطلب التطبيق الصارم للقانون على هذا المستوى من قبل السلطة القضائية، والتوجه نحو مراجعة شاملة للقانون الجنائي من خلال إعادة النظر في فلسفة ومبادئ السياسة الجنائية، وتعزيز حماية الحريات الفردية والجماعية للرجال والنساء، وتعزيز حماية الحياة الخاصة. مع تطور التكنولوجيا الذي أصبح تحديًا، أصبحت حياة الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي “مقبولة”. هناك معنى حقيقي لحماية الحرية وحقوق الإنسان.

ضرورة تعزيز الحماية الجنائية للمرأة وإنهاء كافة أشكال التمييز في النظام الجزائي ومختلف مظاهر العنف ضد إنسانية المرأة وكرامتها وحقوقها في الخصوصية باسم القانون. ومن ناحية أخرى، هناك حاجة إلى تحليل واسع النطاق لحياة المرأة الخاصة، باسم حماية “شرف” المجتمع، الذي شوهه التناقض الصارخ بين ما ورد في الموقع الإلكتروني المندد بالحادثة وموقف المفتي المعصوم. وليس لأجسادهم أي حقوق، وقد انتشرت هذه الممارسات من جانب من يرتدون ثياب الأخلاق والعفة على المستوى الحقيقي، وغالباً في العالم الافتراضي.

وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى أن الصرامة في تطبيق القانون والإصلاح القانوني المنشود، رغم أهميته، لا يزالان غير كافيين لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة. لذلك، فبينما تظل هناك حاجة ملحة إلى “صحوة اجتماعية حقيقية” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام الجادة الرسمية وغير الرسمية لتحمل هذه المسؤولية، فإن ذلك سيتم دعمه بمقاربة أساسية فيما يتعلق بالاستثمار في التعليم، الذي يجب أن يلعب الدور الضروري على مستوى الحفاظ على مصدر التنشئة الاجتماعية، وأهمها القيم الاجتماعية النبيلة، ومبادئ حقوق الإنسان والحريات، والمساواة بين الجنسين. مسؤولية المساهمة في مواجهة هذه الظاهرة، مع الاعتراف، بالإضافة إلى دور الأسرة التي تشكل أساس التربية على القيم الأخلاقية، بدور المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان وجمعيات المجتمع المدني ومختلف القوى المهمة في مواجهة هذه الممارسات التي تخل بشكل خطير بتوازن القيم الأخلاقية وتؤثر على المسار الإيجابي الذي سلكته بلادنا على مستوى تعزيز الحقوق والحريات.

#اقتحام #خصوصية #المرأة #وحماية #حياتها #الخاصة #في #الفضاء #الرقمي #صوت #المغرب

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات