عاد الحجاب إلى واجهة الجدل السياسي في فرنسا، تزامنا مع تكثيف الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، بعد أن أعادت القوى السياسية اليمينية بقيادة حزب التجمع الوطني طرح مسألة القيود على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة. وقد أدى ذلك إلى إحياء واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام في المجتمع الفرنسي، حيث تتقاطع أسئلة العلمانية والهجرة والهوية والاندماج.
وفي المغرب، تبدو صورة الملابس أكثر تعقيدا وتنوعا، نظرا للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل علاقة المغاربة بالمظهر الجسدي والاختيار الشخصي.
وفي الأماكن العامة، أصبح من الممكن الآن ملاحظة أنماط مختلفة من الملابس التي تجمع بين “المحافظة والانفتاح”. وهناك تتقاطع المرجعيات الدينية والثقافية مع مؤثرات الموضة والعولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يثير تساؤلات حول حدود الحرية الفردية وطبيعة التحول الذي يعيشه المجتمع المغربي.
وفي ضوء هذه التغييرات، تختلف تقييمات تداعيات تنوع أنماط الملابس وما يصاحبها من قيود على الحرية بين أولئك الذين يرون في ذلك علامة على قوة شخصية أكبر وأولئك الذين يقرؤونه في سياق ثقافة وقيم المجتمع المغربي.
وتعليقا على عودة الجدل حول الحجاب في فرنسا، قال عالم الاجتماع المغربي علي الشعباني، إن النقاش يدور في سياق الانتخابات والصراعات الأيديولوجية في فرنسا، موضحا أن العديد من الأحزاب والحركات السياسية ليس لديها وسيلة أخرى لجذب فئات اجتماعية معينة سوى إثارة قضايا حساسة مثل الهجرة، وحجاب المرأة المسلمة، وتزايد اعتناق بعض الفرنسيين للإسلام، إضافة إلى وجود جاليات مسلمة في المجتمع الفرنسي.
وأوضح الشعباني في تصريح لهسبريس، أن هذه القضايا هي جزء من الصراعات الانتخابية والأيديولوجية بين الأطراف السياسية التي تستخدم أحيانا لإثارة المخاوف لدى شرائح من المجتمع الفرنسي والتنافس على المناصب السياسية والمقاعد البرلمانية والوصول إلى السلطة، مشيرا إلى أن هذا النوع من الجدل ليس جديدا. وحتى الآن، ارتبطت هذه المواضيع بخطب الأحزاب اليمينية مثل التجمع الوطني، أو مع الحركات الأخرى التي كان يعتقد أنها مقبولة لدى فئات معينة من الشعب الفرنسي، وخاصة بعض كبار السن وذوي التوجهات الأيديولوجية.
وفيما يتعلق بتأثير هذا النقاش على وضع اللباس في المغرب، يرفض عالم الاجتماع نفسه اختزال مفهوم التحرر في التخلي عن الضوابط والقيم الاجتماعية، مشددا على أن “التحرر لا يعني الإباحة، ولا يعني التخلي عن بعض المبادئ التي يعتمدها المجتمع”، والتي جذورها، على حد تعبيره، “تستمد من الأخلاق المغربية والإسلام والثقافة والعادات والتقاليد المغربية”.
واعتبر المتحدثون أن التحرر يعني في الأساس أن يتمتع الفرد بحرية اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياته، مثل الملبس وأسلوب الحياة والسلوك والعلاقات الاجتماعية وغيرها، وأكدوا أن الحرية في هذا السياق ترتبط بقدرة الفرد على اختيار ما يناسبه بشكل مستقل.
وأضاف أن العديد من المغاربة بدأوا يمارسون “مساحة الحرية” هذه في تبني خيارات ثقافية واجتماعية وقيمية ودينية، مثل الملبس والطعام والعلاقات والسلوك، ودعا إلى عدم اختزال المناقشات حول هذه التغييرات في ثنائيات “مباح أو غير مسموح به” أو “مباح أو ممنوع”.
وقال الشعباني إن “المغاربة أناس أذكياء يتمتعون بدرجة معينة من الحرية”، مؤكدا أنهم يحترمون القانون ويستغلون هذا الفضاء لاتخاذ القرارات المتعلقة بمختلف جوانب الحياة، دون المساس بالقيم الدينية والأخلاقية التي تتخلل المجتمع أو المساس بكرامة الآخرين.
وخلص خبير علم الاجتماع إلى أن المجتمع المغربي أصبح أكثر انفتاحا على العديد من القضايا المتعلقة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وقال إن معالجة التغييرات المتعلقة باللباس يجب أن تتم في إطار أوسع يأخذ في الاعتبار تنمية الخيارات الفردية وانفتاح المجتمع.
من جانبه، قال عبد الجبار شكري، أستاذ باحث في علم النفس والاجتماع، إن عودة الجدل حول الحجاب في فرنسا يأتي بالأساس من سياق سياسي وانتخابي يتعلق بالتحضير للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، مؤكدا أن إعادة القضية إلى الواجهة يرتبط بما يسميه “محاربة الإسلاموية والدفاع عن العلمانية والهوية الجمهورية”.
وقال شكري، في تصريح لهسبريس، إن حزب التضامن الوطني بزعامة مارين لوبان أعاد طرح خطط حظر الحجاب في الأماكن العامة وفرض غرامات على من يرتديه، وتقديمه كجزء من خطاب يتعلق بمحاربة الإسلاموية والدفاع عن العلمانية والهوية الجمهورية.
وأضاف أن منتقدي هذا الاتجاه يعتقدون أن إعادة طرح القضية يعد أيضًا بمثابة تسييس قضايا الهوية والهجرة والإسلام بغرض حشد الناخبين، خاصة في ظل الجدل الدائر حول دستورية هذا الحظر واحترام الحرية الدينية.
وبخصوص وضعية الملابس في المغرب، يرى خبراء علم الاجتماع أن المجتمع المغربي اليوم يتميز بتنوع واضح في أنماط الملابس ونوع من التعايش بين التقليد والحداثة، مشيرين إلى أنه في حين تظل الملابس المغربية التقليدية مثل الجلباب والقفطان والجوادور قوية في الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، فإن الشباب في المناطق الحضرية يميلون إلى تفضيل الموضة الحديثة والعالمية.
وأضاف في نفس السياق أن درجة “الاحتشام” وأسلوب الملابس تختلف حسب الفئة العمرية، وكذلك حسب المدينة والبيئة الاجتماعية، معتبراً أن هذا التنوع يعكس التحولات الثقافية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع المغربي.
ويرى الخبير أن المجتمع المغربي اليوم أصبح أكثر تحررا وتنوعا من حيث اللباس، وبدأ يتبنى أنماطا مختلفة بدرجات متفاوتة، متأثرا في الوقت نفسه بالثقافة المغربية التقليدية والثقافة العالمية الحديثة.
في حين أكد عبد الجبار شكري أن هذا الانفتاح لا يعني اختفاء “القيم المحافظة” التي “لا تزال موجودة في المجتمع”، مشددا على أن الاستجابة لأنماط الملابس تظل متفاوتة بين المدن والأوساط الاجتماعية والثقافية.
#الجدل #حول #الحجاب #في #فرنسا #يثير #الجدل #حول #حدود #حرية #اللباس #في #المغرب









