استسلم إيمجوري
وفي السنوات الأخيرة، دخل إصلاح التعليم العالي في المغرب مرحلة جديدة، تمحورت حول تحديث أنظمة التكوين الجامعي، وتحسين جودة التعليم وربط الجامعات بمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في حين تزايدت الاهتمامات المتعلقة بتحسين مؤهلات الموارد البشرية وزيادة القدرة التنافسية للخريجين في سوق العمل الوطني والدولي. ويندرج هذا المسار ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تطوير الجامعات المغربية وإعادة هيكلة برامجها الأكاديمية بما يتماشى مع التحول الرقمي والاقتصادي السريع.
وفي حين كشف تقييم حديث للتقدم المحرز في برنامج إصلاح التعليم العالي عن نتائج إيجابية على عدد من المؤشرات، فإن مجموعة من المشاريع الأساسية لتحقيق الأهداف المحددة للسنوات المقبلة لا تزال تتعثر. ومن أهم البيانات الزيادة الكبيرة في عدد الطلاب المستفيدين من وحدات اللغات والمهارات الرقمية والمهارات الشخصية وريادة الأعمال منذ تجاوز الالتحاق بها 861 ألف طالب، وهو أعلى بكثير من السقف المستهدف في هذه المرحلة من البرنامج ويعكس القاعدة المتنامية للأشخاص المستفيدين من هذه الوحدات داخل مؤسسات التعليم العالي المختلفة.
وعلى الرغم من هذا التطور الكمي، فإن المؤشرات المتعلقة بالحصول على الشهادات المعترف بها في اللغات والمهارات الرقمية لا تزال دون المستويات المتوقعة، ومع نهاية الموسم الجامعي لا يوجد أي مستفيدين مسجلين حصلوا على هذه الشهادات، مما يعكس الفجوة القائمة بين الوصول إلى البرامج التدريبية وإتمام عملية الاعتماد والاعتماد. ومن المنتظر أن يتم إطلاق الدفعة الأولى من هذه الشهادات في نهاية الموسم الجامعي الحالي. وهذا يسمح بتحويل التدريب المكتمل إلى شهادة تزيد من فرص العمل للطلاب بعد التخرج.
وفي سياق مماثل، يواصل البرنامج إيلاء اهتمام خاص للمقررات الجامعية ذات الأولوية، وخاصة تلك المتعلقة بمجال التعليم والرقمنة. لأن هذه الدورات من أكثر التخصصات طلباً في سوق العمل. ورغم ارتفاع أعداد خريجي هذه الدورات مقارنة بالفترة السابقة، إلا أن تحقيق الهدف النهائي سيتطلب مضاعفة الجهود في السنوات المقبلة، خاصة مع تزايد الحاجة إلى كفاءات مؤهلة في مجال التحول الرقمي والتعليم.
في المقابل، لا تزال آليات متابعة قابلية توظيف خريجي الجامعات غير مفعلة، على الرغم من استكمال الدراسات الفنية ووضع رؤية تتعلق بآليات التوجيه وإعادة التوجيه ومواكبة الإدماج المهني للخريجين. ويشكل غياب هذا النظام تحديات في تقييم مدى نجاح التعليم الجامعي في تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني، ولا يزود صناع القرار بمؤشرات دقيقة تساعد في تطوير البرامج التعليمية استجابة لمتطلبات سوق العمل.
وفي السياق نفسه، تتواصل عملية تطوير الخدمات الرقمية داخل الجامعات من خلال إطلاق المنصة الوطنية للإرشاد والتسجيل العشائري، رغم أن تشغيلها ما زال يتم على مراحل. على الرغم من أن المنصة متاحة الآن للدورات ذات الوصول المنظم، إلا أن العمل مستمر في توزيع المنصة عبر جميع الدورات في الجامعة، ونأمل أن يساعد ذلك في المستقبل في تبسيط عملية التسجيل وتحسين تجربة الطالب بدءًا من مرحلة الاختيار الرئيسية فصاعدًا.
وعلى مستوى البحث العلمي، تستمر برامج الدكتوراه الجديدة في استقطاب عدد متزايد من الباحثين في التخصصات ذات الأولوية، كما تم تسجيل تقدم كبير في برامج الحراك الدولي التي تمكن الطلاب من الاستفادة من الخبرات الأكاديمية في الخارج. كما تم اختيار عدد من الفرق البحثية للمشاركة في شبكة مخصصة لأبحاث المياه، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون العلمي وإيجاد حلول مبتكرة لمواجهة التحديات المتعلقة بالموارد المائية. ومع ذلك، لا تزال العديد من المشاريع البحثية الدولية في انتظار البدء، مما يبطئ تحقيق الأهداف المحددة في هذا المجال.
وفيما يتعلق بحوكمة الجامعات، تتواصل الجهود لتحديث أساليب الإدارة الإدارية والمالية، مثل الدخول في اتفاقيات تطوير مع مختلف الجامعات الحكومية، بهدف ربط تحسين الأداء والتمويل بتحقيق مؤشرات محددة. إلا أن تنفيذ هذه الالتزامات على أرض الواقع لا يزال يواجه بعض الصعوبات. وتحتاج الجامعات إلى تسريع الإصلاحات المتعلقة بالحوكمة والشفافية، حيث لم تعتمد بعد دليلاً موحداً للإجراءات الإدارية والمالية، ولم يتم تفعيل إدارات التدقيق الداخلي ولجان التدقيق بالشكل المطلوب.
من ناحية أخرى، سجلت الجامعات الحكومية تقدما في تنويع مواردها المالية، حيث تمكنت جميع المؤسسات ذات الصلة من رفع حصتها التمويلية إلى مستوى أعلى من الأهداف المحددة مسبقا. ويعكس هذا زيادة نسبية في قدرة الجامعات على تعبئة موارد إضافية لدعم أنشطة البحث الأكاديمي وتقليل الاعتماد الكامل على التمويل العام.
كما يتم تسليط الضوء على الجوانب الاجتماعية في أولويات الإصلاح، من خلال استحداث آلية جديدة لتحديد المستفيدين من المنح الجامعية بناء على سجل اجتماعي موحد، بهدف تعزيز العدالة في توزيع الدعم الاجتماعي وضمان وصوله إلى الفئات الأكثر استحقاقا. ومع ذلك، وفي حين تشير الإحصاءات إلى زيادة كبيرة في عدد الطالبات المسجلات في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فإن بعض المبادرات الرامية إلى دعم الطالبات لا تزال بطيئة في التنفيذ، مما يعكس التطور الإيجابي لوجود المرأة في تخصصات العلوم، حيث كانت معروفة في السابق بتمثيلها المحدود.
ومن الناحية المالية، يواصل البرنامج الاستفادة من الأموال المخصصة لتنفيذ مشاريع الإصلاح المختلفة، حيث تم صرف جزء مهم من الأموال المخصصة، لكن لا يزال هناك مبلغ كبير من الأموال في انتظار تعبئته في المرحلة المقبلة، وهو ما سيسمح لنا بإكمال الورشة المفتوحة وتحقيق الأهداف المرسومة قبل نهاية البرنامج.
يؤكد مسار إصلاح التعليم العالي في المغرب أن تحقيق التحول المنشود لا يتطلب فقط تسجيلا قياسيا في إطلاق المشاريع وأعدادا كبيرة من المستفيدين، بل يتطلب أيضا تسريع وتيرة التنفيذ وضمان التنسيق بين مختلف الجهات المعنية حتى تسفر الإصلاحات عن نتائج ملموسة يشعر بها الطلاب والأساتذة والجامعات وسوق العمل على حد سواء. وسيظل نجاح هذه المرحلة مرهونا بقدرة الجامعة على إنجاز المشاريع المتأخرة، مثل الحصول على شهادات الاعتماد، وتتبع إدماج الخريجين، وتعزيز الحوكمة وتطوير البحث العلمي، وغيرها، لضمان إنشاء نظام جامعي ذو جودة أعلى وفعال ومستجيب للتغيرات المستقبلية.








