الرئيسيةفن وثقافة«مهرجان مراكش للفنون الشعبية».. «رحلة مذهلة» في قلب العجائب الثقافية

«مهرجان مراكش للفنون الشعبية».. «رحلة مذهلة» في قلب العجائب الثقافية

مرت ذكرى وفاة المخرج المصري صلاح أبو سيف قبل 30 عاما في صمت تام، وكأنه لم يكن يوما، ولا يزال، أحد أعمدة السينما المصرية.

ولم يكن أبو سيف، الذي وافته المنية في 22 يونيو/حزيران، أي قبل 30 عاما، نجما في عالم السينما العربية، بل تميز في صناعة السينما بقدرته على تقديم محتوى نقدي للمجتمع وشخصياته.

خصائص دور السينما التي تبدأ… في التشكل

اشتهر أبو سيف بأعماله الواقعية، مثل «الأسطى حسن» (1952)، و«شباب امرأة» (1956)، و«الفتوة» (1957). لكن الواقعية لم تكن السمة الوحيدة لأفلامه. بل إنه ينطوي على ميله إلى تحويل الروايات الأدبية إلى أفلام، ومعالجتها بأحد الأسلوبين. أحدهما الواقعية من حيث الاقتباسات والسيناريوهات لنجيب محفوظ، والآخر هو اتباع الأسلوب الكلاسيكي الشائع في الأفلام المبنية على أعمال مؤلفين آخرين مثل إحسان عبد القدس ويوسف السباعي، مما يزيد من نسبة الدراما النفسية والعاطفية للشخصيات.

هذا بالإضافة إلى تنويع أبو سيف المستمر، فانتقل من الكوميديا ​​(بين السماء والأرض) إلى المغامرة (صقر قريش)، ومن الدراما العاطفية (لا أنام) إلى الخيال التاريخي (فجر الإسلام). لا يخلو أي من هذه الأمثلة المذكورة من النقد، بل هي على الأقل محاولات للنقد الفاعل للمواقف والقضايا التي تتناولها الأحداث.

بعد دراسة السينما في فرنسا وعودته إلى وطنه، بدأ العمل في “ستوديو مصر” (لا توجد معلومات كثيرة عن مرحلة الدراسة في الخارج) وشارك كمساعد مخرج في فيلم “العزيمة” للمخرج كمال سليم. وفي عام 1942، أخرج فيلمًا كوميديًا بعنوان «رقم 6»، وفي عام 1946 أكمل الفيلم الدرامي المؤثر دائمًا في قلبي بطولة أكيرا لاتيب وعماد حمدي. بعد ذلك، تم إنتاج العديد من الأفلام بمختلف أنواعها (كوميديا، تشويق، دراما تاريخية، اجتماعية) حتى أخرج أبو سيف فيلمه المهم الأول «يوم في الظالم» (1951)، رغم أن بعض أعماله السابقة، مثل «الصقر» (1950)، اعتبرت مقبولة على المستوى الحرفي.

عمر الشريف “مواطن مصر” (الشركة المصرية لتوزيع الأفلام)

وبطبيعة الحال، وبالنظر إلى المرحلة التي شهدت بدايته وتطوره في الفكر والفن، ليست كل أفلامه متساوية في الجودة، لكن معظمها كانت مهمة في تاريخ السينما العربية بشكل عام والسينما المصرية بشكل خاص، كما كان الحال مع بين السماء والأرض (1959)، وريا وسكينة، والفتوة (1957). ويرجع ذلك إلى اختياره المتقدم للمواضيع ورغبته الدائمة في تطوير اللغة السينمائية والتغلب على النقائص السابقة.

مدرستي…إنها واقعية بطريقتها الخاصة.

لقد كان دائمًا مهتمًا بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولا يمكن أن ننسى أن هذا الاهتمام ساهم في تأسيس موجة الواقعية منذ الخمسينيات فصاعدا. لم يتبع اتجاه الأفلام الواقعية الإيطالية، مثل فيلم فيتوريو دي سيكا The Bike Thief (1948). بمعنى آخر، لم أرغب في تقليد أو فرض أي شيء. ويجب أن نتذكر أن تأثير أفلام دي سيكا الأولى على الأقل، وأفلام لوتشينو فيسكونتي الأولى، امتد إلى دور السينما الأخرى، لكن على الرغم من أن هذه الأفلام كانت تنتمي إلى أسلوب واقعي عام، إلا أن كل منها يشترك في مفردات مستقلة.

بالنسبة لأبو سيف، فإن الشخصيات تحتاج إلى أن تكون مستقلة عن المؤثرات الخارجية، وكما في الفيلم الذي يتم فيه تصوير العمدة بطريقة محافظة، إن لم تكن سلبية، فإن بعض الشخصيات مصرية وتستمد صورتها من شخصية والدها الذي كان العمدة، وبحسب حوارات المخرج مع هذا الناقد، شخصية صعبة المراس.

هذا ليس كل شيء. لقد كتب الكثير عن تأثير روايات المخرج نجيب محفوظ وسيناريوهاته على أفلامه. حدثت هذه المواضيع في السياق الواقعي والنقدي للمجتمع المصري قبل ثورة 1952 وبعدها. لكن النصف الآخر من هذه الحقيقة هو أن أبو سيف هو الذي أعطاها أصالتها وطابعها الطبيعي والخاص. ويكفي أن نقارن العمل الذي أنجزه بناء على كتابات السيد محفوظ مع الأعمال التي أنجزها آخرون، من نيازي مصطفى إلى حسن الإمام، ومن حسين كمال إلى سمير سيف، لنتبين أن هناك فرقا شاسعا بين المعالجة الفنية لأبي سيف والمعالجة التي قام بها معظم المستوحين من روايات هذا المؤلف الشهير.

ورغم أن هناك الكثير ممن أخرجوا أفلاما مستوحاة من روايات وسيناريوهات الكاتب نجيب محفوظ، إلا أن أفلام أبو سيف ظلت في صدارة هذه الاقتباسات نظرا لمعالجتها الواقعية للنص ووجدتها في التقنية التي اشتهر بها المخرج.

فاتن حماه “لا أنام” (اتحاد الفنانين)

يبدأ بالتكرار

وأغلب أفلام أبو سيف مهمة بالنسبة له كمخرج وللسينما العربية بشكل عام. وكما ذكرنا سابقاً، فإن بعضها أفضل من البعض الآخر، وهو أمر طبيعي تماماً، لكنها جميعاً تشكل استمراراً دائماً لخط واحد نفذه المخرج بنجاح. وهذا لا علاقة له بالخطوط الواقعية، إذ كان أبو سيف يتنقل بين مجالات مثل التاريخ والكوميديا ​​والمجتمع والتشويق.

يبدو أن لك يوم يا ظالم (1951) هو أول اختيار لفاتن حماة في دور معقد. من ناحية، هي زوجة صبورة، لكنها من ناحية أخرى، تتمرد فيما بعد على مشاكلها مع زوجها العاجز والمريض (محمد توفيق)، وتصبح أنانية استجابة لإغراءات صديقها (محمود المريجي)، الذي يلاحظ الصدع العاطفي ويستغله لارتكاب جريمة قتل زوجها. لقد اكتشفت بعد فوات الأوان أنها كانت مجرد وسيلة لاستغلالها من أجل الوصول إلى ثروة والدتها.

وبالإضافة إلى الأساس الكلاسيكي الجيد للشخصيات ومكان حياتها (الطبقة البرجوازية)، أشاد أبو سيف أكثر من مرة بتطبيق أفعال تحدث في البداية وتنتهي بأفعال مماثلة في النهاية، كما في رواية “الشابات” اللاحقة (1956). وفي فيلم “يا ظالم يوم راحة” تنتهي الشريرة بالغرق، كما أغرقت زوجها.

المبدأ نفسه موجود في «شباب امرأة» (أحد أفضل أعماله)، حيث يصل شكري سرخان، أحد السكان الأبرياء في منطقة الصعيدي، ويستقبله صاحب الشقة التي استأجرها. تستغله عقليًا وجسديًا حتى تحوله إلى رجل آخر. وفي النهاية تتركه من أجل رجل قوي آخر (محمود المهريجي)، كما تركته من أجل آخر يلعبه عبد الوارس عصار، في دورة حياة كاملة بمجرد انتهائها تبدأ من جديد.

وعادت فاتن حمامة إلى التمثيل تحت إشراف أبو سيف في فيلم لا أنام (1957) المأخوذ عن رواية لإحسان عبد القدس. كانت لديه رغبة في التعامل مع الشخصيات من زاوية نفسية. وتحدثت الممثلة في تعليق صوتي عن كيفية وسبب ارتكابها الجريمة، وكيف دفعت الثمن بإصابتها بالعمى. ويستفيد الفيلم من نجاح أبو سيف في تنفيذ العناصر الأساسية للعمل ومعرفته بكيفية تحريك شخصياته. فهو يقلل من درجة التعبير وفي نفس الوقت يزيد من مستوى الأداء. وكعادته في أفلامه، يحرص أبو سيف على إيصال الرسالة الضرورية ضمن سرد أخلاقي واضح.

شخصية مؤلمة.. وجه مثقل بالحياة

كما تتجلى براعة المخرج في معالجة القصص والشخصيات إلى تماسك طبيعي واقعي في «حمام المراثيري» (1973) الذي تميز بجرأته. وللتعبير بجرأة عن المواضيع العاطفية والجنسية، قام بتعديل رواية إسماعيل ولي الدين وقرر أن يبرز العمل ليعكس أهواء الشخصيات. “حمام المراثيري” أثار ضجة غير مبررة بسبب المشاهد الجريئة المفترضة لشمس البارودي ويوسف شعبان (على التوالي). ويشارك المكان (الحمام العام) في تأسيس وتطوير الدراما التي تدور فيه. إن اصطناع المشهد الشهير الذي يتحدث فيه يوسف شعبان عن عقده العاطفية يكاد يفسد الفيلم لولا جودة الإخراج والجدية التي عبر بها عن الموضوع بدقة.

عزت العلايلي وفريد ​​شوقي «السقا مات» (توزيع فيلم عربي)

وبعد أربع سنوات، أصدر أبو سيف، ربما، فيلمه الدرامي الأكثر إنجازًا. هذا الفيلم هو “The Sucker Is Dead” (1977). وهذه إحدى جواهر المخرج، إذ تجمع بين النحو الأدبي والواقعية التي اشتهر بها، وكذلك عمق الشخصيتين الرئيسيتين عزة العلايلي وفريد ​​شوقي. رجلان عجوزان. الأول (العلايلي) يعيش حياة بائسة مع ابنه الصغير ويشعر باليأس والحزن بعد وفاة زوجته. الشخص الثاني، شحاتة (شوتشي)، رجل مرح يكسب عيشه من خلال حضور الجنازات ولا يهتم بما سيحدث بعد ذلك. الرواية للمخرج يوسف السباعي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي منذ أن قرأها، لكن لم يتم توفير التمويل لتحويلها إلى فيلم لأنها تتحدث عن الموت وتتجه نحو الأفكار الوجودية مقابل الأفكار الروحية.

وبنفس المستوى من الإتقان، اختتم أبو سيف التسعينيات بفيلمين، أفضلهما “المواطن المصري” عام 1991. وهنا، يروي المخرج، مثل فيلمه السابق “الزوجة الثانية” (1967)، قصة تعكس رؤية سلبية لرئيس البلدية، ويدين في الوقت نفسه مجتمعاً يقوم على الطاعة من الضعيف إلى القوي، ومن العادي إلى القوي. رئيس البلدية (عمر الشريف) يريد إعفاء ابنه من الخدمة العسكرية. أحد مساعديه يقترح الحل. وتتمثل مهمته في جعل المزارع الفقير (عزت العلايلي) يقبل أن يتنكر ابنه في زي ابن رئيس البلدية ويرسله مكانه. يجعل الفلاح الصالح يوافق بإغرائه بالمال والكلمات المعسولة. هذا الفيلم رائع بتنوع معانيه وعروضه، وغني بمعالجته، وقد راكم أبو سيف كل الخبرة لإنجاز هذه التحفة الفنية، لكنه للأسف لم ينل النجاح النقدي والجماهيري الذي يستحقه.

#مهرجان #مراكش #للفنون #الشعبية. #رحلة #مذهلة #في #قلب #العجائب #الثقافية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات