كان غاستون باشلار، مدمر نظرية المعرفة، مولعا بالكتابة عندما تحدث عن شعرية الأحلام: “لا يمكن دراسة الصور إلا من خلال الصور”. وينطبق هذا القول أيضا على صورتين حقيقيتين عاش معهما المغاربة وكأنها صور لحلم مستحيل. إنه حلم اللاعبين بتقبيل أمهم على رأسها في كل مرة يسجلون فيها هدفا في مونديال قطر، والرقص معها على العشب الأخضر للملعب، وأن ترقص الأم نفسها مع الملك محمد السادس بعد عودة المنتخب من الدوحة وسط ترحيب وطني ورسمي كبير.
في زمن كأس العالم، سيطرت المرأة المغربية على الفضاءات العامة والمشاهد الجنسية، لدرجة أن تواجدها في المقاهي والميادين العامة غلبت عليه الأنوثة وليس الذكورة. خصصت بعض المقاهي مساحة حصرية للنساء اللاتي يخترن الاستمرار في الخروج. ستكون هناك متابعة (علامات) اجتماعية ودلالية يمكن استخلاصها من هذا الانفتاح المتزايد في المجال العام، ولكن هناك بعض ما يتم الشعور به حاليًا. إنها روح الحرية التي تطغى حاليا على وضع المرأة في المغرب، والتي بدأت بوادرها الأولى منذ وصول الملك محمد السادس إلى السلطة.
وقبل أن أعود إلى ذلك، لا بد لي من الإشارة إلى أن جمال الصورة يحجب الكثير من حقائقها العميقة والعملية، وإن كانت مختبئة خلفها. وفي وسط هذا المشهد كانت والدة زكريا أبو هلال تشكل درساً خصوصياً فريداً من نوعه. والابن له أب ليبي، وعائلته بأكملها ليبية، وقد حصل على الجنسية المغربية، مما سمح له بالاستفادة من القانون المعدل في هذا الصدد والدخول في قائمة “أسود الأطلس”. لقد كان هذا مطلبا لعقود من الزمن بالنسبة للنساء المغربيات المتزوجات من أجانب. وكسب النظام الملكي حق الأمهات في منح الجنسية لأبنائهن من أزواج أجانب. ويعتبر هذا انتهاكًا للعادات القبلية أو، في أحسن الأحوال، لأشكال المواطنة المحافظة. وتنص المادة 6 من قانون الجنسية المغربي المعدل على أن “الطفل المولود لأب مغربي أو الطفل المولود لأم مغربية هو مواطن مغربي”. كما كانت هناك دعوات لمنح الأمهات المغربيات نفس الحقوق التي تتمتع بها النساء الأجنبيات المتزوجات من مغاربة في تجنيس أزواجهن الأجانب، وقد تمت صياغة مشروع قانون في هذا الصدد في مجلس النواب المغربي.
خطاب أطلق دينامية جديدة طموحة بين الحركات النسوية بمختلف أطيافها بالمغرب.
كل من رأى صورة ملك المغرب وهو يستقبل اللاعبين وأمهاتهم، أدرك أن الاستقبال تزامن مع دعوة من الملك، أعلى سلطة في البلاد، متحدثا من منبر الإماراتيين المخلصين، لتحديث (تماشيا مع التطورات) الأعراف الأسرية التي تحكم العلاقات الاجتماعية في المغرب. وهو دعوة أطلقها بمناسبة عيد التتويج الذي يعتبر مناسبة دستورية مهمة في التوجه الاستراتيجي للبلاد. في الأساس، يقول: “إن أحد أهم الإصلاحات التي قمنا بها هو نشر قانون الأسرة واعتماد الدستور”. وأضاف أن “قانون 2011 يرسي المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات وينص على مبدأ المساواة”، مضيفا أنه “إذا كان المقصود بقانون الأسرة أن يمثل قفزة إلى الأمام، فهو قاصر، إذ أن هناك عدة عوائق تحول دون إتمام هذه العملية وتحول دون تحقيق أهدافها. ومن أهم ما قاله الملك في هذا الصدد أنه “لأسباب اجتماعية متنوعة، على وجه الخصوص، لا تزال فئات من الموظفين العموميين ومأموري الضبط القضائي تعتقد أن هذا القانون خاص بالمرأة”.
لقد أطلق هذا الخطاب دينامية جديدة طموحة في أوساط الحركة النسوية المغربية بمختلف ألوانها، ومن الانشغالات الواردة بين سطور خطاب الملك والتي تلقي بظلالها على كل ما تم تحقيقه، هو زواج القاصرات، الذي أصبح عائقا روحيا وقانونيا وإداريا واجتماعيا، يلخص إخفاقات على مستويات عديدة، تتعلق جزئيا بنجاح ونجاح الثورة المغربية. استثناء.
وتتجاوز الديناميكية الإصلاحية في قضايا الأسرة “الكلاسيكية” في مطالب المرأة وتصبح مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية لآلاف النساء المغربيات.
وفي هذا السياق، تشير دراسة هذه الصورة إلى تغير أكبر من الفرح الجماعي المتضمن في فورة كبيرة من المشاعر الطموحة، حيث أنها توحد الممثلات النسائيات من المجتمع إلى جانب المدافعات الأوائل عن المرأة. وظهرت مغربية محجبة بالكامل إلى جانب محجبة معترف بها أصولا، وظهرت مغربية محجبة إلى جانب مكشوفة الرأس، وهذا أمر دقيق وفي غاية الأهمية. من المهم أن نتذكر أن تعديل الكود هذا بدأ في عام 2002 ثم اكتمل في عام 2004 بعد مخاطر عالية. انقسم المجتمع إلى حداثيين ومحافظين خرجوا إلى الشوارع معًا. ربما كلف المال (لإصلاح المدونة). ليس من المبالغة القول إن الملك محمد السادس، في بداية عهده، “خاطر” بالعرش لصالح نهج حداثي في التعامل مع الصراعات الاجتماعية، كما أن تعامله الحكيم مع التقاطعات الشائكة بين الروح والمادة، والأرض والسماء، والميراث والقرابة، أكسبه إجماعًا واسعًا من القوى المحافظة والحداثية. وهذا أحد عناصر الوجود في المجتمع العربي الإسلامي.
ولم تقتصر الحيوية الإصلاحية في قضايا الأسرة على المطالب “الكلاسيكية” (قد يقول البعض البرجوازية الصغيرة) للمرأة، بل امتدت إلى تلك المرتبطة ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية لآلاف النساء المغربيات المحرومات من الاستفادة من الأراضي الجماعية (المعروفة في المغرب بأراضي السلالات)، والتي كانت العادات والقوانين القديمة تمنعهن من الاستفادة منها باعتبارها تراثا من حقهن. ونحن نتحدث عن مساحة إجمالية لهذه الأراضي تبلغ 15 مليون هكتار، أي 15 مليون هكتار. ويشغل أصحاب الحقوق أكثر من 85% من الأراضي الرعوية بشكل مشترك، بينما تُستخدم المناطق الأكثر أهمية المتبقية للأنشطة الزراعية.
قضية المرأة المغربية ساعدت المغرب على تجاوز مستحيلات العالم العربي الإسلامي.
وفي هذا الصدد، صدرت قوانين جديدة عام 2020، أهمها التأكيد على “تعزيز المساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل من أصحاب فصائل الدم، وفقاً لأحكام الدستور”. تظهر هذه التحولات وغيرها كظلال بيضاء تضيء الصورة من مسافة بعيدة، مما يدفعنا إلى دراسة أعمق لمكوناتها ويمنحنا قوة أكبر في تفسير الصورة. في الواقع، فهو يعيد صياغة بل ويعيد اختراع الواقع الذي يسبقه من خلال “تفعيله” دون وعي كقوة دافعة مبهجة ومتفائلة توحد جميع المشاركين لتشكيل هذا الواقع المشرق. وكما كتب ريجيس دوبريه في كتابه حياة الصور وموتها، فإن الطريقة التي ننظر بها إلى هذه الصورة لا تكشف عن أذواقنا الشخصية فحسب، بل تخبرنا أيضًا بشيء عن الثقافة التي نعيش فيها. إنها ثقافة تضع المرأة المغربية (هنا الأمهات أيضا). داخل عقلها وكيف ترى نفسها والعالم.
وإلى يومنا هذا، ساعدت قضية المرأة المغربية المغرب على تجاوز الظروف المستحيلة التي يعيشها العالم العربي الإسلامي، بعنف أحيانا، وبتسامح مشروط أحيانا أخرى، وساعدت البلاد على الوقوف بشجاعة في وجه الصعوبات. لقد سبق الرأي الدولي الرأي الداخلي، كما أسلفنا، لمنع حق المرأة المغربية في التراب السلالي، متتبعين كيف تمكنت من تحرير قلعة احتلتها الأرواح الحجرية لقرون، وشاهدناها تصل إلى مراكز متقدمة في المجال القضائي، متتبعين معالم وثيقة فقهية حول حق المرأة في “الكد والجهد”، والتي لم تناقش إلا نادرا في الهيئات الرائدة في هذا المجال. النهضة مثل الأزهر في مصر ومجمع الفقه وغيرها… ولهذا بدأ المغرب ثورة باسم المرأة، وبتشجيع المؤسسات الملكية ومشاركة الإمارات الموالية، حفزت التاريخ والمجتمع للمضي قدما خطوة بخطوة وبعقلانية، ونحن بحاجة إلى صور من التاريخ.
ربما الصورة لا تخبرنا شيئا، لكن ذلك جزء من قوتها وليس من عيبها، وهي إحدى تلك الصور التي تظهر في نفس اللقطة وقتا خاصا ووقتا في المجتمع العام لا يظهر بالطبع في العلن.
#محمد #السادس #وأسد #الأطلس #ووالدته #ماذا #وراء #الصورة









