النماذج التشريعية المقارنة للجريمة الإلكترونية: فرنسا، إسبانيا، المغرب… قراءة تحليلية متعددة الأبعاد
مواجهة جريمة لا تطرق الباب
وعندما وصف الفقه الجنائي التقليدي المجرمين بأنهم كائنات مادية تتحرك عبر مساحات جغرافية محددة، وتترك آثارا، وتخضع لولاية قضائية واضحة، لم يتخيل أبدا أنه سيأتي يوم تختفي فيه كل هذه البديهيات دفعة واحدة.
اليوم نحن نواجه واقعا مختلفا تماما. المجرمون لا يطرقون الأبواب، بل يدخلون من خلف الشاشات. ليس لديه أسلحة تقليدية، بل شيء أكثر فتكا. يمكن أن يكون سطرًا من التعليمات البرمجية، أو رسالة تصيد احتيالي جيدة الصياغة، أو تزييفًا عميقًا لا يمكن تمييزه تقريبًا عن الحقيقة بالعين المجردة. إنهم لا يعترفون بالحدود الجغرافية أو السيادة الوطنية ويتنقلون بين القارات في لحظات، تاركين وراءهم ضحايا لا يدركون أنهم مستهدفون إلا بعد فوات الأوان.
لقد أصبح من الواضح أن الجرائم السيبرانية ليست مجرد امتداد رقمي للجريمة التقليدية. وهذا نموذج إجرامي جديد يتطلب أدوات جديدة للتفاهم، وأساليب قانونية مبتكرة، وتعاوناً دولياً يتجاوز النفعية الدبلوماسية إلى العمل التنسيقي الفعلي. إنها جريمة تفترس التقدم الذي من المفترض أن يفيد البشرية. كل ابتكار تكنولوجي يفتح الباب أمام التنمية يفتح الباب أيضا أمام الجريمة.
لقد اخترنا في هذه الدراسة مقارنة النموذج المغربي بالنموذجين الفرنسي والإسباني ليس من باب الترف الأكاديمي، بل من منطلق إيمان قوي بأن فهم الذات لا يكتمل دون فهم الآخرين. كدولة تمر بتحول رقمي متسارع وطموح، يحتاج المغرب إلى التعلم من تجارب أسلافه، بدلا من تقليدها حرفيا، ولكل موقف خصائصه الخاصة. بل نحتاج إلى استخلاص الدروس، وتجنب المنعطفات الخاطئة، وبناء أنظمة حماية تليق بتطلعاتنا.
وتشكل فرنسا، بأدواتها التشريعية الصارمة وبنيتها المؤسسية الطويلة الأمد، نموذجاً للتنظيم والحوكمة. ومن خلال مشاركتها في نظام التكامل الأوروبي، تؤكد إسبانيا على قيمة التعاون الإقليمي والتنسيق المشترك. أما بالنسبة للمغرب، فرغم تحقيقه خطوات تشريعية ومؤسسية مهمة، لا يزال الطريق طويلا، وهو ما يتطلب إرادة سياسية أقوى، واستثمارا أعمق في القدرات البشرية، وتشريعات أكثر جرأة لمواكبة تلك التي يفرضها الواقع الرقمي الجديد.
ولعل أخطر ما في الجرائم الإلكترونية ليس تأثيرها المادي فحسب (على الرغم من خطورته)، بل تأثيره على ثقة المجتمع في الفضاء الرقمي نفسه. وعندما يفقد الجمهور الثقة في أمن المعاملات الإلكترونية وتتردد المؤسسات في التحول الرقمي خوفا من الاختراق، فإن الخسائر تتجاوز الأرقام المالية وتؤثر على مشاريع التنمية ككل. ولذلك فإن مكافحة هذه الجريمة لها أهمية استراتيجية، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضا كشرط للتقدم.
ورغم أن هذه الدراسة لا تدعي تقديم تغطية شاملة لظاهرة شديدة التعقيد وسريعة التطور، إلا أنها تهدف إلى تقديم قراءة تحليلية نزيهة تشير إلى أوجه القصور وتتنبأ بمسارات الإصلاح، وتفتح آفاقا لنقاش علمي جاد. ففي نهاية المطاف، لا تكون للبحث العلمي قيمة حقيقية إلا عندما تتم ترجمته من كلمات على الورق إلى أفكار تلهم صناع القرار وتنير الطريق للمشرعين.
اقرأ وفكر وابحث عن إجابات لحماية مجتمعنا في عالم أصبحت فيه الجريمة ذكية مثل التكنولوجيا.
أولاً: تعريف الجريمة الإلكترونية وتغيراتها الهيكلية
ولم تعد الجرائم السيبرانية مقتصرة على الأفعال التقنية البحتة، بل تحولت إلى هياكل اجتماعية واقتصادية عابرة للحدود الوطنية. وتتضح مشكلة هذه الظاهرة من أنها تؤثر على المجتمع بطرق عديدة، إذ تشكل تهديدا مستمرا للتقدم التنموي والأنشطة الاقتصادية والإدارية والمالية، وتتطلب أسلحة قانونية وتشريعية فعالة جدا لمواجهتها. وفي السياق الفرنسي، يميل هذا النموذج إلى التنظيم الصارم من خلال ANSSI (وكالة أمن نظم المعلومات)، التي تشرف على الأنظمة المتكاملة. قبل النظام الفرنسي، وقبل سن توجيه NIS2/(أمن الشبكات والمعلومات) بشأن تعديل قانون الدفاع الوطني والإطار التنظيمي لمشغلي الخدمات الأساسية، عملت ANSSI كسلطة مختصة لتنسيق مراقبة الأمن السيبراني والاستجابة للحوادث، مع واجبات مثل إدارة المخاطر والإبلاغ عن الحوادث والتدقيق الأمني. وفيما يتعلق بالنموذج الإسباني، فإن الأمن الرقمي يتقاطع مع السياسة الأوروبية المشتركة. أصبحت إسبانيا الدولة الأكثر تورطا في حوادث الجرائم الإلكترونية عبر الحدود التي تنفذها منظمة يوروجست في عام 2024. أما المغرب، فهو يمر بفترة انتقالية. عرف المشرع المغربي الجريمة السيبرانية بموجب القانون 05.20 بأنها مجموعة الأفعال المخالفة للقانون المغربي والمعاهدات الدولية، والتي تستهدف أنظمة وشبكات المعلومات أو استخدامها كوسيلة لارتكاب الجنايات والجنح.
ثانياً: الهياكل الرقمية وأثرها على أنماط الجريمة.
تخلق الفجوات التكنولوجية أنواعًا مختلفة من الجرائم اعتمادًا على النضج الرقمي لكل بلد. وقد أدى التقدم التكنولوجي السريع إلى زيادة ضعف المغرب كهدف محتمل، وعلى الرغم من كونه أحد البلدان الأفريقية القليلة التي حققت تقدما في مجال الأمن السيبراني، فإن هذا الموقف لا يزال غير كاف في ضوء التحليل المقارن الحالي. ويتصدر المغرب حاليًا اعتماد إنترنت الأشياء في شمال إفريقيا، حيث يوجد أكثر من 15 مليون جهاز متصل عبر القطاعات الاقتصادية. ومع ذلك، لم يكن هذا النمو مصحوبًا بتدابير أمنية مناسبة، مما أدى إلى خلق نقاط ضعف يمكن للمهاجمين استغلالها. وعلى النقيض من ذلك، تتمتع فرنسا ببنية تحتية رقمية ناضجة. ومن المتوقع أن يتوسع الإطار الفرنسي من حوالي 500 كيان منظم إلى حوالي 15000 كيان منظم في 18 قطاعًا. أما إسبانيا فهي تستفيد من بنية أوروبية مشتركة. ولذلك فإن الفجوة التكنولوجية تعتبر عاملا حاسما في تحديد طبيعة الجريمة. في المغرب، تركز الجريمة على الاحتيال الرقمي والهندسة الاجتماعية البسيطة، بينما في أوروبا تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، بما في ذلك برامج الفدية والهجمات المتطورة.
ثالثاً: التغيرات النوعية في الجرائم الإلكترونية خلال العقد الماضي
شهد العقد الماضي تغييرات جوهرية في هيكل الجريمة السيبرانية. تستمر الجرائم الإلكترونية في النمو وتجذب المجرمين الذين يستغلون الفرص الجديدة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة، مع التهديدات الرئيسية بما في ذلك برامج الفدية والبرامج الضارة والهندسة الاجتماعية وهجمات رفض الخدمة والاحتيال المالي عبر الإنترنت. وعلى المستوى الأفريقي، تظهر بيانات الإنتربول أن أساليب التصيد الاحتيالي قد تطورت بشكل كبير، وأصبحت أكثر استهدافًا وشخصية وتطورًا من الناحية التكنولوجية، وتتجاوز عمليات الاحتيال التقليدية إلى هجمات الهندسة الاجتماعية المستهدفة. وفي المغرب على وجه الخصوص، تم توثيق أكثر من 500 حادثة جريمة سيبرانية عبر أنظمة المعلومات سنة 2024، مع تزايد نسبة الجرائم السيبرانية في العمل القضائي بالمغرب.
رابعاً، فعالية الصكوك القانونية – فجوة تشريعية أم مسألة تنفيذ؟
ويظهر التحليل المقارن أن القضية المغربية ذات بعدين: تشريعي وعملي. ولا يتناول البرلمان المغربي جريمة الاحتيال الحاسوبي، وهي تحويل وتحويل الأموال المتحصلة عن طريق الجريمة بغرض غسل الأموال، وتتسم المفاهيم المعتمدة لتعريف الجرائم المرتبطة بأنظمة المعالجة الآلية بالعمومية، مع استمرار الغموض في تحديد نطاقها. تخلق العقوبات الزجرية الضعيفة ثغرات قانونية كبيرة في الهيكل التشريعي وتخلق فرصًا للإفلات من العقاب. وفي المقابل، يتميز النموذج الفرنسي بالدقة والشمولية. ويمكن أن تصل الغرامات على الكيانات الهامة إلى 10 ملايين يورو، وهو ما يمثل 2% من الإيرادات السنوية العالمية، ويمكن أن تصل الغرامات على الكيانات الهامة إلى 7 ملايين يورو، وهو ما يمثل 1.4% من إجمالي الإيرادات. على الرغم من أن إسبانيا جزء من الإطار الأوروبي، إلا أن تدوين توجيه NIS2 لا يزال في عملية تشريعية مستمرة.
خامساً: احتراف المجرمين الإلكترونيين بين أوروبا والمغرب
وتختلف درجة الاحترافية باختلاف البيئة الرقمية والشبكات المنظمة. وتكشف إحصائيات الجرائم المالية عن التداخل بين الجريمة الرقمية والتمويل غير المشروع، إذ سجل المغرب 801 حالة غسل أموال سنة 2024، تتعلق غالبا بالاحتيال الإلكتروني. في أوروبا، تعاملت Eurojust مع زيادة بنسبة 25% في قضايا الجرائم الإلكترونية في عام 2024 مقارنة بالعام السابق ودعمت زيادة بنسبة 50% في فرق التحقيق المشتركة. وهذا يعكس وجود شبكات منظمة عابرة للحدود الوطنية في الفضاء الأوروبي، مقارنة بالنمط الأقل تنظيما في المغرب، والذي يرتبط غالبا بعوامل فردية وضعف التشكيلات المتخصصة.
الجزء السادس: الثقافة الرقمية وتأثيرها في انتشار الجرائم الإلكترونية
ولا يمكن اختزال هذه المشكلة في حقيقة أن الوعي الرقمي يقلل من الجريمة. والحقيقة هي أن الجريمة تتخذ أشكالا أكثر تعقيدا في المجتمعات الأكثر وعيا. يعد المغرب أحد أكثر الدول الأفريقية استهدافًا للهجمات السيبرانية، مع انتشار حملات الهندسة الاجتماعية والتصيد الاحتيالي عبر تطبيق WhatsApp والاستثمارات المزيفة. ومع ذلك، وعلى الرغم من وعيها الرقمي، تقع المجتمعات الأوروبية ضحية بطرق أكثر تعقيدًا، مثل برامج الفدية المتقدمة واستغلال المنصات المشفرة. ومع تزايد عدد مستخدمي الإنترنت والمعاملات عن بعد في المغرب، فإن حوادث الجرائم السيبرانية آخذة في الارتفاع أيضا.
الحلقة السابعة: أدوار المؤسسات الأمنية والقضائية والتعاون الدولي
وتختلف آليات التشغيل بشكل أساسي بين الدول الثلاث. في المغرب، تنص المعاهدات الدولية على تطوير أدوات التحقيق الإلكترونية وتحدد إجراءات واضحة لتبادل الأدلة الرقمية ومصادرتها عبر الحدود. وصادق المغرب على اتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم الإلكترونية سنة 2018، مما عزز مكانته كرائد في مجال القانون الحديث على المستوى الإقليمي. وفي فرنسا، أغلقت المديرية العامة للجمارك والدرك الوطني، وكلاهما تحت إشراف القطب الوطني لمكافحة الجريمة المنظمة، موقع Coco.gg في يونيو/حزيران 2024، مما يدل على صلاحيات التحقيق الواسعة التي تتمتع بها السلطات الفرنسية. وعلى المستوى الأوروبي، تم دعم عملية دولية لتفكيك شبكات برامج التجسس في أكتوبر 2024 بمشاركة يوروجست، التي تنسق التعاون بين السلطات في هولندا والولايات المتحدة وبلجيكا والبرتغال.
المركز الثامن: الجرائم الإلكترونية والاقتصاد السري عبر الحدود
أصبحت الجريمة السيبرانية شكلاً جديدًا من أشكال عولمة الجريمة. وتسلط هذه التقارير الضوء على حقيقة مهمة وهي أن الجرائم الإلكترونية لم تعد حادثة معزولة، بل أصبحت تهديدا نظاميا ومتقاطعا يتقاطع مع تمويل الإرهاب وغسل الأموال. أفادت السلطات المغربية أن الجماعات الإرهابية تعتمد بشكل متزايد على الأدوات الرقمية والعملات المشفرة لتمويل عملياتها، ودعم الشبكات التشغيلية، والتحايل على أنظمة الرقابة المصرفية. وفي المجال الأوروبي، تتجلى هذه العلاقة في تشابك شبكات الجريمة المنظمة وإساءة استخدام المنصات الرقمية المشفرة في غسيل الأموال والأنشطة المالية غير المشروعة.
الحلقة 9: تحديات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق
تمثل تقنية Deepfakes نقلة نوعية في بنية الجرائم الإلكترونية. وفي الربع الثاني من عام 2025 وحده، تم تسجيل 487 هجمة للتزييف العميق، أي بزيادة قدرها 41% على التوالي وأكثر من 300% سنويًا، مما أدى إلى خسائر اقتصادية مباشرة تبلغ حوالي 350 مليون دولار. ومن المتوقع أن تتم مشاركة 8 ملايين صورة مزيفة بحلول عام 2025، ارتفاعًا من 500 ألف صورة في عام 2023. وعلى المستوى التشريعي الأوروبي، يتناول قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الصور المزيفة من منظور الحقوق الأساسية، ويفرض التزامات الشفافية على مقدمي الخدمة للكشف عن أن المحتوى يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي ويطلب من المستخدمين تصنيف المحتوى الاصطناعي عند مشاركته. ويواجه المخالفون غرامات تصل إلى 35 مليون يورو، أي ما يعادل 7% من الإيرادات العالمية. أما المغرب، فهو يواجه فراغا تشريعيا شبه كامل في هذا المجال، حيث يؤثر صعود الذكاء الاصطناعي على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ولا يوجد إطار قانوني للتعامل مع عواقبه الجنائية.
الحلقة 10: مستقبل الجرائم الإلكترونية ونموذج المنفعة المتبادلة
ونظراً لتسارع هذه التكنولوجيا، فإننا أمام تصعيد حقيقي يمكن احتواؤه في ظل ظروف معينة. يقدم النموذج الفرنسي درسا أساسيا. لقد قامت فرنسا ببناء نظام وطني قوي للأمن السيبراني يجمع بين الجهات الفاعلة العامة والخاصة وأكثر من 70 جمعية صناعية. سيصبح توجيه NIS2 حجر الزاوية في الأمن السيبراني الأوروبي ومن المتوقع أن يحدث تغييرًا حقيقيًا في السنوات القادمة. ولدى المغرب القدرة على الاستفادة من هذه النماذج. وركزت استراتيجية الشركة السيبرانية، التي بدأت عام 2012، على إنشاء مؤسسات وطنية متخصصة، والاستفادة من التعاون الدولي، وسن التشريعات، ولكن على الرغم من الرغبة القوية في تطوير القدرات، إلا أنها واجهت ثغرات قانونية وتحفظات على المعاهدات.
ويرتكز مستقبل مكافحة الجريمة السيبرانية في المغرب على ثلاثة محاور: تحديث الأدوات التشريعية وفقا للمعايير الدولية لسد الفجوات القائمة، والاستثمار في بنية تحتية رقمية آمنة وتكوين متخصص لأفراد الأمن والقضاء، وتعميق التعاون الدولي، خاصة مع الشركاء الأوروبيين. وتكمل اتفاقية الأمم المتحدة القانون 05.20 من خلال الانتقال من الحماية التكنولوجية إلى قمع الجريمة ومن حماية النظام إلى معاقبة مرتكبي الهجمات الرقمية. قال أحد الخبراء: “لا يوجد علاج سحري. ستظل القواعد التنظيمية متخلفة عن التكنولوجيا، وتتطور تقنية التزييف العميق بشكل أسرع من قدرة التشريعات على مواكبتها”. ومع ذلك، هذا لا يعني الاستسلام. بل من الضروري اعتماد نهج متكامل يجمع بين المرونة التشريعية والكفاءة التكنولوجية والتعاون الدولي الفعال.
– أستاذ بحث في القانون والعلوم الجنائية بجامعة القاضي عياض بمراكش
#الجريمة #السيبرانية









