ووالد بالتبنى
هناك مقولة تقول: “مهما كانت المؤسسة الإعلامية قوية ومهرة، فإنها لا تستطيع الترويج لصورة جميلة لنظام سياسي إذا كان شعبها يعيش في واقع اقتصادي واجتماعي متدهور وقاس”. بدأت الحديث بهذا التصريح رأيا وتحليلا، لكنه سرعان ما تحول إلى حقيقة لامعة عبر عنها الحدث نفسه بأقوى لغة ممكنة. لغة عمل، ودموع، وأرواح ضاعت أثناء الهروب، لم تكن مجرد حركة لحظية، بل شهادة صارخة ميزت ما قيل على المنبر عن الحياة في الشوارع والميادين.
في الأيام القليلة الأخيرة من يوليو/تموز 2026، وخاصة في اليوم التالي لإلقاء العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابه في يوم التتويج والذي وصف فيه بلاده بأنها “واحة استقرار” وتحدث بصوت عالٍ عن “الإنجازات الاقتصادية والنمو والازدهار”، سبح عشرات الآلاف من المغاربة، صغارًا وكبارًا، بما في ذلك الأطفال، في البحر وتسلقوا الجدران باتجاه سبتة بإسبانيا، هربًا مما يسمى “الازدهار”.
وفي نفس الوقت تقريبا، وقع حادث مأساوي في الجزائر، حيث انقلبت حافلة في واد عميق بمنطقة بومرداس. كان رد الفعل هناك مختلفًا تمامًا. وكانت هناك تعازي فورية من أعلى السلطات، وحداد وطني لمدة ثلاثة أيام، وتضامن حكومي وشعبي غير مسبوق.
وهكذا اجتمعت الحادثتان في أسبوع واحد ليعزز الفارق الجوهري بين منطقين مختلفين في التعامل مع الأمة: المنطق الذي يرى أولاً “أبناء الأمة” الذين يستحقون الشفقة، والمنطق الذي يرى “الرعية” الذين إذا عصوا لا يستحقون الشفقة.
عندما ذهب الناس إلى البحر وتسلقوا الجدار
شكلت الأحداث التي شهدتها المملكة المغربية يومي 30 و31 يوليو 2026، نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي غضون ساعات قليلة، بدأت موجة كبيرة من عمليات العبور الجماعية باتجاه سبتة. وتشير تقديرات السلطات المغربية إلى أن العدد يزيد عن 70 ألف شخص، لكن المصادر الإسبانية تشير إلى أن حوالي 72 ألف شخص تمكنوا بالفعل من الوصول خلال 48 ساعة. ورغم أن المصادر لا تزال تختلف حول العدد الدقيق للضحايا والمفقودين، الذي يتراوح بين 11 قتيلا بحسب معطيات وزارة الداخلية المغربية و130 بحسب مصادر حقوقية مستقلة، إلا أن المؤكد هو أن أرواحا بريئة أزهقت، وبكت العائلات على حياتهم، وتكررت المشاهد المروعة. نزل الناس إلى أعماق البحر وهم يعلمون أن الموت قد ينتظرهم، لكنهم اختاروا المخاطرة بالموت بدلاً من الاستمرار في واقع البشائر. بالأمل.
ويبدو هنا الانفصال التام بين الخطاب الرسمي والواقع. وبينما تحدث الملك في خطابه عن “تنمية شاملة ومؤشرات إيجابية ومغرب متطور”، رد عليه عشرات الآلاف من مواطني البلاد بالأفعال وليس بالأقوال. “لا نرى هذا الرخاء الذي تتحدث عنه… نحن نعيش في يأس وفقر وحرمان وكل ما نريده هو فرصة للعيش، حتى لو كان ذلك يعني السباحة عبر الموت”.
وسارعت السلطات المغربية إلى تفسير الحادث بأنه نتيجة “شائعات مضللة” انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، وقالت إن حكما قضائيا إسبانيا سمح لجميع الوافدين إلى سبتة بالسباحة دون إعادتهم. وبينما صحيح أن هذه الإشاعة هي التي أشعلت الوضع في ذلك الوقت، إلا أنه سيكون من الخطأ الفادح أن نعزو هذه الظاهرة برمتها إلى كذبة بسيطة انتشرت خلال دقائق. لن تؤثر الشائعات أبدًا على الناس على هذا النطاق الواسع إلا إذا وجدت أرضًا خصبة جاهزة للرد عليها وتصديقها والمجازفة بنفسك. وهذه التربة الخصبة هي بالضبط ما تحدثنا عنه في بياننا الأساسي. سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والبطالة بين الشباب تصل إلى ما يقارب 40%، والأجور المنخفضة التي لا تكفي للضروريات الأساسية، وانعدام الأمل في التغييرات القادمة ومستقبل أفضل.
ويبدو هنا الانفصال التام بين الخطاب الرسمي والواقع. وبينما تحدث الملك في خطابه عن “تنمية شاملة ومؤشرات إيجابية ومغرب متطور”، رد عليه عشرات الآلاف من مواطني البلاد بالأفعال وليس بالأقوال. “لا نرى هذا الرخاء الذي تتحدث عنه… نحن نعيش في يأس وفقر وحرمان وكل ما نريده هو فرصة للعيش، حتى لو كان ذلك يعني السباحة عبر الموت”.
وهنا تتجلى قوة البيان الذي بدأنا به الحوار. لقد فشلت كل وسائل الإعلام الرسمية الباهظة والخطابات المزخرفة في إقناع الناس بالواقع الجميل الذي لا يعيشونه. يمكن لوسائل الإعلام أن تزيّن الصور وتزيّن الكلام، لكنها لا تستطيع أن تحجب شمس الواقع. عندما يكون الجوع حقيقيا، والفقر ملموسا، والمستقبل مجهولا، تتحول كل كلمة في وسائل الإعلام إلى دعاية فارغة لا يصدقها أحد، وبدلا من أن توفر القبول والأمن تصبح مصدرا للسخرية والغضب.
لماذا لم يعرب المتجر عن تعازيه للضحايا؟
لم يكن هذا الخطاب غير قابل للتصديق فحسب، بل أدى أيضًا إلى تعميق الصدع في موقف السلطات تجاه الضحايا أنفسهم. وفي وضع أثار استياء واسعا في الأوساط الشعبية والقانونية بالمغرب، امتنع العاهل المغربي ورؤساء الحكومات وكافة الوزارات عن إصدار أي بيانات تعزية أو إعلان الحداد الوطني على من قضوا. وبدلا من القول للأهالي: «تعازينا.. لقد فقدتم أطفالكم.. نشاطركم آلامكم»، اعتمد الخطاب الرسمي لغة اللوم والمحاسبة، واصفا الحادثة بـ«انتهاك القانون» و«الوقوع فريسة للشائعات والتحريض الخارجي»، وكأن من مات في مياه البحر أو سقط من فوق الجدران يستحق الموت لأنه عصى الأوامر وصدق الشائعات.
وليس موقفا طبيعيا أن ترفض الحكومة التعبير عن تعازيها، كما أنه ليس مجرد خطأ. بل هو قرار محسوب وله أسباب عميقة تكشف حقيقة الأزمة. أولاً، التعبير عن التعازي يعني الاعتراف بأن هؤلاء الأشخاص ماتوا ضحايا لواقع النزوح القاسي، وليس مجرد ضحايا الشائعات. ولو اعترفت الإدارة بذلك لأصدرت بياناً يدين علناً السياسة التي تسببت في هذا اليأس الجماعي. ثانياً، التوقيت كان مستحيلاً وكان محرجاً للغاية، فلماذا استطاع الملك أن يقدم التعازي في اليوم التالي لأولئك الذين فروا من “الرخاء والإنجاز” الذي تحدث عنه في خطاب الأمس؟ وهذا تناقض واضح لا يمكن تبريره أو تفسيره أمام الرأي العام. الصمت كان أهون الشرين من وجهة نظر المخزن، حتى لو كان مؤلما ومستفزا للمواطنين.
ولذلك فبدلاً من أن يقول رئيس الوزراء المخزن: “نحن نتحمل مسؤوليتكم.. ننعيكم ونتضامن معكم. ومن ثم سنحقق في الأسباب ونحاسب المخطئين”، آثر أن يقول بصمت وبلغة رسمية باردة: هنا تكمن مفارقة مؤلمة. لم يموتوا في حروب أو معارك، بل ماتوا هربًا من الواقع، لكنهم لم يجدوا من يواسيهم في الوطن الذي حاولوا الهروب إليه.
وبدلا من الاعتراف بأخطائه ومواجهة واقع شعبه بأمانة وشجاعة، اختار النظام المغربي التزام الصمت ومحاسبة الضحايا على موتهم. واختار الجزائري تقديم تعازيه ومواساته ومواساته لضحايا حادث الحافلة في بومرداس، قبل البحث عن المسؤولين. وبهذا يتبين الفرق بين من يرى الشعب شركاء وأصحاب وطن وبين من يرى الشعب أتباعاً ورعايا لا يستحقون الاحترام إلا في حدود الطاعة. سيبقى هذا المشهد شاهدا على أن الكذب في عالم السياسة وادعاء الرخاء في الأماكن التي يسودها الفقر لا يدوم طويلا، وأن الناس عندما يفقدون الأمل في وطنهم يتجهون إلى البحر بحثا عن الأمل في مكان آخر، مهما غاليت التضحيات.
#المغرب #عندما #ينهار #الخطاب #في #وجه #الواقع #الشروق #أونلاين









