دق الأطباء وخبراء الصحة العمومية ناقوس الخطر بشأن خطر تفشي مرض الدفتيريا في المغرب، مشددين على ضرورة توسيع نطاق تغطية التطعيم، وتصحيح الجرعات المفقودة بين الأطفال، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والتعليمية، بالإضافة إلى معالجة الشائعات والأخبار المضللة التي يمكن أن تؤثر على مشاركة الأسرة في برامج التحصين.
جاءت هذه الدعوات خلال ندوة علمية انعقدت مساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026، بمبادرة من الجمعية الطبية المغربية، إنفو فاك أفريقيا، والجمعية المغربية لطب الأطفال، والجمعية المغربية لإنتان وتطعيم الأطفال، بتعاون مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ووزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، بالإضافة إلى جمعيات أكاديمية متخصصة في طب الرضع والأطفال باستعمال تكنولوجيا التناظر البصري.
وشكل المؤتمر، الذي عقد على خلفية ظهور حالات الدفتيريا بالمغرب، فرصة لاستعراض الوضعية الوبائية المتعلقة بالمرض وطرق الكشف المبكر والفحوصات المخبرية ورعاية المصابين ومخالطيهم، فضلا عن التدابير الوقائية اللازمة للحد من انتقال العدوى ومنع ظهور بؤر وبائية جديدة.
وإلى جانب المتابعين عبر منصة يوتيوب، تابع الندوة عبر منصة زووم ما يقارب 1000 مشارك، بينهم متخصصون في الطب، وإعلاميون، وناشطون، ومهتمون، بحسب البيانات التي قدمها المنظمون.
بدأ الندوة، التي أدارها الدكتور مولاي سعيد عفيف، رئيس الجمعية الطبية المغربية وشركة إنوفاك أفريقيا، والدكتور حسن أفيلال، رئيس الجمعية المغربية لطب الأطفال، والأستاذ محمد بوسكراوي، رئيس الجمعية المغربية لطب الأطفال، بتقديم التعازي لأسر ضحايا المرض والتأكيد على أهمية التعبئة الجماهيرية ضد الأمراض المعدية. مواجهة التحديات الصحية الجديدة.
وشدد المشاركون في كلمتهم الافتتاحية على أن إنجازات المغرب في مجال مكافحة الأمراض المعدية لا تزال مرتبطة بالتزامه ببرنامج التطعيم، محذرين من أن تراجع تغطية التطعيم يمكن أن يمهد الطريق لعودة ظهور الأمراض التي نجحت البلاد في السيطرة عليها سابقا، على غرار ما شهدته البلاد مع الحصبة، والمخاوف الصحية التي يشكلها التفشي الحالي لحالات الدفتيريا.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور محمد اليوبي، المديرية العامة للأوبئة ومكافحة الأمراض بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أن عدم استكمال عملية التطعيم يعد أحد العوامل الرئيسية التي تساهم في عودة ظهور الأمراض المعدية مثل الحصبة والدفتيريا.
ودعا اليوبي الأسر المغربية إلى مراجعة السجلات الصحية لأطفالها، والتأكد من حصولهم على مختلف الجرعات الأساسية والتذكيرية المنصوص عليها في البرنامج الوطني للتحصين، ومحاولة تعويض أي جرعات فائتة، محذرا من أن استمرار وجود الأطفال غير المحصنين قد يؤدي إلى ظهور أمراض أخرى يمكن الوقاية منها.
ورأى مسؤولو وزارة الصحة أنه إذا أراد المغرب الحفاظ على المكاسب التي حققها على مر السنين في جهوده في مجال التحصين، فمن الضروري تعبئة مختلف أصحاب المصلحة وضمان استمرار الجهود الرامية إلى حماية صحة الأطفال والمجتمع بلا هوادة.
كشف مصطفى اليعقوبي، مدير تنظيم الحياة المدرسية بوزارة التربية الوطنية والتعليم الابتدائي والرياضة، أنه في إطار التنسيق القائم بين وزارات التربية الوطنية والصحة والحماية الاجتماعية، تم اتخاذ خطوات لتعزيز اليقظة الصحية داخل المؤسسات التربوية.
وأوضح اليعقوبي أن الوزارة أصدرت تعميما وزعته على المؤسسات التعليمية بهدف تسريع جمع المعلومات اللازمة في حالة الاشتباه بالإصابة وتعزيز آليات المراقبة والتتبع الصحي، مع إيلاء اهتمام خاص للحالة التطعيمية للطلاب.
وقال المسؤول إن هذه الإجراءات تشمل التأكد من استكمال الطلاب التطعيمات المطلوبة، وتوجيه الحالات التي تظهر عليها أعراض المرض إلى الخدمات الصحية المناسبة، واتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية الطلاب والإطار الأكاديمي والإداري.
وشدد اليعقوبي على أن هذه الإجراءات تندرج في نطاق النهج الاحترازي القائم على التكامل بين قطاعي الصحة والتعليم، مع ضمان التعامل مع الوضع الصحي بمسؤولية وتجنب المبالغة والتسبب في خوف غير مبرر.
وخصص جزء مهم من الندوة لتقديم العروض العلمية التي تتناول مختلف الجوانب الطبية والوبائية المتعلقة بالدفتيريا، بدءا من التعرف على أعراض الخناق ومضاعفاته، مرورا بالتشخيص المختبري، وصولا إلى آليات الترصد الوبائي، وعلاج المصابين والمخالطين لهم.
وفي هذا السياق، قدم البروفيسور محمد بوسكراوي عرضا حول كيفية التعرف على حالات الدفتيريا ومظاهره السريرية وآثاره الصحية، كما ناقشت الأستاذة نبيلة سال، خبيرة الأحياء الدقيقة من مراكش، طرق الاختبار المعتمدة للتأكد من الإصابة بالمرض.
واستعرضت الدكتورة فتيحة سميرو، المديرية العامة لعلم الأوبئة ومكافحة الأمراض، الإجراءات العلمية والوبائية المعتمدة لرصد مرض الدفتيريا بالمغرب، وقدمت مقارنة بين الوضعية الوبائية للمرض على المستوى القاري والعالمي.
وناقش الدكتور معاذ المرابط منسق المركز الوطني لإدارة الطوارئ العامة بوزارة الصحة سبل التعرف على المخالطين للمصابين وإدارة حالاتهم الصحية. وذلك لأنه جزء مهم من التدابير الرامية إلى كسر سلسلة العدوى.
وتطرق الدكتور محمد بنعزوز رئيس البرنامج الوطني للتحصين إلى الاستجابة التطعيمية التي يجب اعتمادها عند تسجيل حالة الدفتريا والإجراءات اللازمة لتعزيز الحماية بين الأطراف المعنية.
ولم تقتصر فعاليات الندوة على التشخيص الصحي، بل قدمت سلسلة من المقترحات العملية الرامية إلى زيادة التغطية التطعيمية وتطوير آليات متابعة الحالة الصحية للأطفال.
ومن أبرز هذه المقترحات، إدخال حملات التطعيم داخل المؤسسات التعليمية، على غرار الجهود المنفذة خلال عام 2023 استجابة لتفشي مرض الحصبة، للوصول إلى أكبر عدد من الأطفال وتصحيح التراكمات.
كما اقترح المشاركون الاستثمار في رقم وطني للطلاب، يعرف بـ«رمز المسار»، من خلال إضافة حقل خاص يتعلق بالحالة التطعيمية لكل طالب، بهدف تسهيل عملية التتبع، وتحديد الأطفال الذين لم يكملوا تطعيماتهم المقررة، والتواصل مع الأهالي لاتخاذ الخطوات اللازمة.
ورأى أصحاب المصلحة أن اعتماد هذه الآلية من شأنه أن يعزز التعاون بين المؤسسات التعليمية والخدمات الصحية ويوفر بيانات مفيدة للتدخلات الوقائية المبكرة.
وبحسب تقرير نشرته الندوة، بخصوص تطعيم البالغين، تشير المنشورات العلمية إلى أن جرعة واحدة قد تكون كافية لتعزيز الحماية لدى البالغين الذين سبق لهم تطعيمهم في مرحلة الطفولة، لكن هذا بالطبع يتعلق بتاريخ التطعيم السابق ودرجة إكماله، ويجب استشارة التوصيات الطبية المعتمدة لتحديد مدى الحاجة إلى إعطاء التذكير.
وأكد المشاركون أن التطعيم هو وسيلة الوقاية الأساسية والأكثر فعالية للحماية من مرض الدفتيريا والحد من انتشاره، إلى جانب التشخيص المبكر والرعاية الطبية للمصابين والعلاج الوقائي لمخالطيهم.
وشكل دور الإعلام في الاستجابة للأزمة الصحية جزءا مهما من النقاش، من خلال مداخلات كنزة كاطرة، صحفية من موقع Media24، وعزيزة غلام، صحفية من جريدة الصحراء المغربية، ووحيد مبارك، صحفي ورئيس القسم الاجتماعي بجريدة الاتحاد الاشتراكي.
وركزت هذه المداخلات على مسؤولية وسائل الإعلام في مكافحة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة حول الأمراض والتطعيمات، وأهمية تزويد الجمهور بالمعلومات الصحية الدقيقة المبنية على مصادر علمية وعامة موثوقة.
وشدد المشاركون على أن مكافحة الشائعات ليست مسؤولية وسائل الإعلام وحدها، بل تتطلب إشراك السلطات الصحية والسلطات العمومية والجمعيات العلمية ومختلف الجهات الفاعلة، من خلال اعتماد التواصل المنتظم والشفاف الذي يستجيب لحاجة الرأي العام إلى المعلومات والإيضاحات.
وفي هذا الصدد، دعا المعنيون إلى تطوير آليات اتصال منهجية أثناء الأزمات الصحية لضمان وصول البيانات الرسمية إلى الصحفيين وعامة الناس في الوقت المناسب، وبالتالي تقليل الفراغ المعلوماتي الذي يمكن أن تستغله الأخبار غير الدقيقة.
كما اقترحوا إعداد برنامج مستمر من المؤتمرات العلمية والتواصلية والتدريبية التي تجمع الخبراء والعاملين في المجال الطبي والإعلاميين، بهدف تعزيز الثقافة الصحية وتنمية القدرة على التعامل مع المعلومات الطبية والوبائية.
وسلط المشاركون الضوء على الدور الذي لعبته الجمعيات العلمية خلال الأزمات الصحية الماضية من خلال عقد جلسات إعلامية وتقديم البيانات العلمية التي تساعد على فهم طبيعة الأمراض وكيفية الوقاية منها.
وأشاد المشاركون بجهود مختلف الإدارات والجهات المعنية بحماية الصحة العامة، ونوهوا باهتمام وزارة الداخلية ومكوناتها المختلفة، خاصة في ظل الدور الذي لعبته خلال جائحة كوفيد-19 وأزمة الحصبة.
ودعوا إلى تعاون أقوى بين الإدارات الحكومية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام لتعزيز الوقاية وترسيخ ثقافة التطعيم ومكافحة المعلومات المضللة التي يمكن أن تؤثر على جهود الصحة العامة.
وخلصت الندوة إلى أن مكافحة تكرار الإصابة بالدفتيريا تتطلب نهجا وقائيا متكاملا لا يعتمد فقط على علاج الحالات المسجلة، بل أيضا على زيادة التغطية بالتطعيم، وتحسين أنظمة المراقبة الوبائية، وزيادة اليقظة في المدارس، وتعزيز التواصل مع الأسر والجمهور.
وهكذا، أثيرت من جديد خلال الندوة العلمية مسألة الحفاظ على إنجازات المغرب في مجال مكافحة الأمراض المعدية، نظرا للتحذير من أن تراجع جهود التلقيح قد يعرض البلاد لعودة ظهور أمراض يمكن الوقاية منها، كما أن تعزيز الثقة في برنامج التلقيح الوطني والتعبئة المؤسسية والمجتمعية كانت من أبرز الأولويات الصحية على جدول الأعمال.
#ودفعت #عودة #الدفتيريا #إلى #المغرب #الأطباء #ووزارتي #الصحة #والتعليم #إلى #الترويج #للتطعيمات #وقمع #الشائعات









