الخط:
ولا يتنازل مهرجان روتار الوطني للفنون عن إيقاعات المغرب في أمسياته الفنية التي تعيد الجمهور إلى دفء النغمات الأصيلة والعروض التي تستحضر ألوان الموسيقى المتجذرة في وجدان الجماهير. بل إنه يفتح نافذة أوسع على التراث المغربي باعتباره ذاكرة جماعية تحفظ التجربة الإنسانية والتحولات الإنسانية، وتحمل في إيقاعاتها قصص المجتمع وخصوصيته الثقافية.
الفن الشعبي ليس مجرد قطعة موسيقية يتم تأديتها وتنتهي بانطفاء أضواء المسرح. بل هو سجل مفتوح لحياة الناس، وأداة لفهم تاريخهم وعاداتهم وطرق التعبير عن أفراحهم وأحزانهم. ولذلك فإن أهمية القسم الفكري والثقافي الذي يتضمنه برنامج المهرجان ترجع إلى أنه يشكل جسرا بين الاستمتاع بالفنون ودراسة جذور التراث المغربي وعناصره المتعددة.
تنظم الجمعية المغربية العميقة لحماية التراث، بالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة والاتصال وإدارة الثقافة وجهة الدار البيضاء سطات، الدورة 14 لهذا الحدث خلال يوم الوحدة، من 21 إلى 31 أكتوبر 2026. وهذه فرصة للابتعاد عن وجهات النظر الإثنوغرافية الاختزالية والضيقة وتجديد النقاش حول كيفية تثمين التراث الوطني والحفاظ على الذاكرة الفنية وضمان نقله إلى الأجيال الجديدة.
التراث…أكثر من الأغاني والآلات
إن دمج الندوات وورش العمل في البرنامج يتجاوز منطق العرض فحسب، ويحمل رسالة تتساءل عن الخلفية التاريخية والاجتماعية التي ولد فيها الفن الشعبي، وكذلك الظروف التي ساهمت في استمراره وتطوره عبر الأجيال.
كل نمط موسيقي له قصته الخاصة، وكل آلة تقليدية تحتوي على نوع من الذاكرة لما يحيط بها. وبالمثل، فإن الأغاني والقصائد والقصص الشفهية ليست مجرد تعبيرات فنية، ولكنها دليل على أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والتحول الذي شهده المجتمع المغربي.
وفي هذا السياق، يتم التأكيد على حضور الباحثين والمهتمين بالتراث، مثل إدريس القرش الذي يجمع بين البحث والإبداع والعمل الميداني في مجال التراث الثقافي المادي، وعياد السباعي المهتم بتاريخ وثقافة واد نون والأشكال الثقافية والأنظمة الرمزية والأدب الشعبي والتراث الحساني والموسيقى من منظور تاريخي واجتماعي.
تمنح هذه الأساليب التراث منظورًا أوسع، حيث تربط ما يسمعه الجمهور على خشبة المسرح بما يحتاج إلى بحث وتفسير وتوثيق. ولا يكفي الحفاظ على الأغاني والإيقاعات ما لم ننتبه إلى شهادات الفنانين، والقصص الموروثة، وسياق العروض، والتغيرات التي طرأت على الممارسات الفنية في بيئاتها الأصلية.
وتخلق التغييرات في المجتمع وأنماط الحياة أيضًا تحديات جديدة في الحفاظ على هذا التوازن. بعض الممارسات التقليدية آخذة في الانخفاض، في حين أن بعضها الآخر يتكيف مع ظروف العصر. لذلك، هناك حاجة إلى حماية الذكريات من الضياع وتوثيقها لاستخدامها من قبل الباحثين وأصحاب المصلحة والأجيال القادمة.
لكن حماية التراث لا تعني تثبيته في صورة واحدة، ولا تعني إخضاعه لأنظمة جاهزة تخرجه من سياقه التاريخي. تتفاعل الثقافات وتتبادل التأثيرات مع مرور الوقت، وتحتفظ كل تجربة بخصوصيتها. ولذلك، فإن المقاربة العلمية القائمة على دراسة ومقارنة واحترام تنوع الروافد، بعيدا عن المبالغة والتعميم، تظل مقاربة أساسية لفهم ثراء التراث المغربي.
من متعة الرؤية إلى متعة الاكتشاف
تتيح اللقاءات الفكرية الموازية للعروض الفنية للجمهور فرصة اكتشاف ما يكمن وراء النغمات. الموسيقى الشعبية هي أكثر من مجرد أصوات؛ فهو تعبير عن الذاكرة والهوية وتجارب الحياة اليومية مثل الفرح والحزن والأحلام والتطلعات.
كما تفتح الندوات وورش العمل مجالات لتبادل الخبرات بين الباحثين والفنانين والمهتمين، مما يجعل المعرفة الأكاديمية أقرب إلى الممارسة الفنية، بحيث لا يقتصر التراث على الكتب والأرشيفات، أو على الأحداث الموسمية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد التدخلات أو تنوع المشاركين، ولكن بالأثر الذي تتركه وراءها والمعرفة التي تولدها والتي يمكن الحفاظ عليها وتعميمها. المهرجانات التي تقدم العروض فقط تظل رهينة طوال مدة فعالياتها، لكن المهرجانات التي توثق تجاربها وتشارك الجمهور نتائج نقاشاتها يمكنها بناء جسور خلف الستار.
ولذلك، يتم التأكيد على أهمية إشراك الشباب في ورش العمل التطبيقية والأنشطة التعريفية، حتى لا يصبح التراث، من وجهة نظرهم، مجرد قصة من الماضي، بل يصبح مساحة للاكتشاف والتعلم والممارسة، مع احترام أصوله وخصائصه الثقافية.
التحدي الذي يواجه الأجيال الجديدة لا يقتصر على وراثة أسماء الفنانين والآلات والإيقاعات فحسب، بل في امتلاك وسائل فهم معناها، واكتشاف التجربة الإنسانية التي راكمتها، والحفاظ عليها وتطوير طرق تقديمها.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يسدل الستار
التحدي الأكبر هو تحويل النقاش الثقافي إلى جهد مستمر، بدلاً من النتائج التي تنتهي بنهاية المهرجان. يمكن أن يكون نشر ملخصات الندوات، وتوثيق المداخلات والشهادات، وإعداد مواد تمهيدية عن الفنون والأدوات التقليدية خطوات عملية لتوسيع تأثير هذا العرض عبر المساحات الزمانية والمكانية.
ومن خلال العمل معاً، سيعمل الباحثون والفنانون والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام على إعطاء التراث حضوراً أوسع في الحياة العامة وإتاحة الفرصة لتقديمه إلى الأجيال الجديدة بوسائل حديثة تناسب اهتماماتهم، دون المساس بدقته التاريخية وخصوصيته الفنية.
إن الحفاظ على ذكريات الناس ليس مسؤولية المهرجانات والجمعيات وحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب الاستمرارية، وتوفير شروط البحث والتوثيق، والحفاظ على الشهادات والقصص، والانفتاح على الأرشيف الرقمي ووسائل تقديم التراث الثقافي.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الدورة الرابعة عشرة “إيقاعات المغرب” للمهرجان الوطني للفنون روتور أهميتها كفرصة للجمع بين الاحتفاء بالفنون والتفكير في مستقبلها وطرح الأسئلة الضرورية حول كيفية استحضار الذكريات وحمايتها ونقلها.
إن تراث المغرب، بتنوعه وغناه، لا يحتاج إلى الاحتفاء به على المنصات فحسب، بل يحتاج أيضا إلى استكشاف جذوره وتوثيق مساره وفهم التحولات التي مر بها وتقديمه بعيدا عن الصور النمطية والأحكام الجاهزة.
قد تنتهي الليلة مع آخر نغمة على الوتر، لكن المسؤولية الثقافية تبدأ بعد ذلك. كيف نحول هذا التراث من لحظة احتفال عابرة إلى ذاكرة موثقة ومعرفة يسهل الوصول إليها وتراث حي تتوارثه الأجيال؟ وسيكون هذا اختبارا حقيقيا للمهرجانات التي تريد أن تترك بصماتها على ضمير المغرب، ليس فقط على منبرها ولكن أيضا على الوعي الجماعي.
#في #المهرجان #الوطني #للفنون #بالدوار #إيقاعات #المغرب #الدوار #أكثر #من #مجرد #عرض.. #من #سيحمي #ذاكرة #المغرب #من #النسيان









